سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث

العودة   سبلة العرب > السبلة الدينية

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 07/11/2004, 07:23 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
سؤال أهل الذكر-جامع فتاوى فضْل العشْر الأواخر مِن شهر رمضان وليلة القدر-الشيخ الخليلي

بسم الله الرحمن الرحيم

حاولنا أن نجمع - مما تمكنّا من تسجيله من حلقات برنامج "سؤال أهل الذكر" ( لتلفزيون سلطنة عُمان ) - ما يتعلق بفضْل العشْر الأواخر مِن شهر رمضان وليلة القدْر من فتاوى الشيخ أحمد بن حمد الخليلي.

س1: العَشْر الأواخر مِن رمضان تتميّز بِفضائل كثيرة وكذلك ليلة القدر، نريد أن نعرف هذه الفضائل، وكيف يُمكِن لِلمسلم أن يتحرّى فيها ليلة القدر ؟

ج: إنّ الله - تبارك وتعالى - اقتضَت حكمتُه تفْضيلَ بعضِ مخلوقاتِه على بعض، مِن أيِّ جِنْس مِن الأجناس، فهو يُفَضِّلُ بعضَ البشر على بعض، ومِن البشَر الذين فُضِّلُوا رسلُ الله، وهم أيضا فُضِّلَ بعضُهم على بعض، وكذلك فَضَّلَ الله - سبحانه وتعالى - بعضَ البلدان على بعض، وبعضَ الأمْكِنة على بعض، و - هكذا - فَضَّلَ بعضَ الأزْمِنة على بعض، ومِن الأزْمِنة التي فَضَّلَها شهرُ رمضان المبارك بِكلِّ لياليه وبِكلِّ أيامه، ثم إنَّ أيامَ رمضان وليالِيَه أيضا فُضِّلَ بعضُها على بعض، ومِمّا فُضِّلَ العشْرُ الأواخر مِن رمضان .. فُضِّلَت العشْرُ الأواخر بِما أنها مَظِنَّةُ هذه الليلةِ المباركة .. مَظِنَّةُ ليلةِ القدْر، التي هي خير مِن ألف شهر، وقد فُضِّلَت ليلةُ القدْر على جميع الليالي العشْر وليالي رمضان بِأسْرها وعلى جميع أيام العام ولياليه، فهي بِنَصِّ القرآن الكريم خير مِن ألف شهر، وقد أنزل الله - تبارك وتعالى - فيها سورةً بِأسْرها تدلّ على مكانتها وعِظَمِ شأنها وجلال قدْرها .. يقول الحق سبحانه: (( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ * إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) [ سورة القدر ] نعم، هذهِ الليلةُ المبارَكَة هي خير مِن ألف شهر، وهي الليلة التي سماها الله - تبارك وتعالى - الليلةَ المباركة في قوله: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )) [ سورة الدخان، الآيات: 3، 4، 5 ]، وتسميتُها بِليلةِ القدْر إما لِعلوِّ قدْرها وعِظَمِ شأنها وإما لِمَا يُقْدَرُ فيها مِن الأمور، فقد قيل بأنّ الله - تبارك وتعالى - يَكتُب فيها ما يكون في سائر العام، ومهما يَكن فإنّ فَضْل هذهِ الليلة فَضْلٌ يَفوقُ الوصْف ويَفوتُ المدارِك، والله - سبحانه وتعالى - بيَّن هذا الفضْل العظيم في هذه السورة المبارَكَة، التي سُمِّيت " سورة القدْر " والتي فيها الحديث عن هذه الليلة وعن علوِّ قدْرها وعِظَمِ شأنها، وهي بِالطَّبْع إحدى ليالي رمضان، لأنّ هذهِ الليلة هي ليلةُ نزول القرآن على قلْب النبي - صلى الله عليه وسلم - مع أنّ الله - تعالى - قال في شهر رمضان المبارَك: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... )) [ سورة البقرة، من الآية: 185 ]، ولئِن كان شهرُ رمضان نَزَلَ فيه القرآن الكريم وكان نزوله في ليلة القدْر فإذن هذهِ الليلةُ المبارَكَة هي إحدى ليالي هذا الشهر الكريم، وإن كان العلماء اختلفوا فيها اختلافا كثيرا، على أكثر مِن أربعين قولا، حتى أخرجَها بعضهم عن شهر رمضان رأسا، وهؤلاء قالوا في قول الله تعالى: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ ... )) أي أُنْزِلَ في بيان فَضْلِه وقَدَرِه وشأنِه ووجوبِ صومِه؛ وهذا القول هو بعيد، لأنّ السياق يَقتضي خلافَ ذلك، ولأنّ النصوص النبوية - أيضا - تدلّ على خلافه، فالأحاديث الشريفة المروية عن النبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - تدلّ على أنّ ليلةَ القدْر هي إحدى ليالي شهر رمضان المبارَك، وقد يَتساءَل الإنسان: كيف يَكون إِنْزال القرآن في هذهِ الليلةِ - أي ليلةِ القدْر - مع أنّ القرآن نزل على النبي - صلى الله عليه وسلم - في رمضان وفي غيره في ظَرْفِ ثلاثٍ وعشرين سنَة نزل بعضه في السفر وبعضه في الحضر وبعضه في المدينة وبعضه في مَكّة وبعضه نزل خارج المدينة ومَكّة عندما يكون النبي - صلى الله عليه وسلم - في غزواته وفي أسْفاره ونزل أيضا القرآن الكريم في حالة السِّلْمِ وفي حالة الحرْب ونزل في وقت الصيف وفي وقت الشتاء فهو غير مُنْحَصِرِ النزول في وقتٍ معيّن فكيف يُقال بِأنه أُنْزِلَ في ليلة القدر ؟ والجواب:

1- مِن العلماء مَن قال بِأنّ إنزال القرآن في ليلة القدر يعني بدايةَ إِنْزالِه على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، إذ بداية نزول القرآن عليه وهو في غار حراء كانت في شهر رمضان المبارك في هذه الليلة المباركة.

2- ومِن العلماء مَن قال بأنّ نزول القرآن كان أوّلا مِن اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا وكان ذلك في ليلة القدر وتلقّاه جبريل مِن الحفظة ثم إنّ جبريل نزل به على قلب النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا مروي عن حَبْر الأمّة ابن عباس رضي الله عنهما.

3- ومِن العلماء مَن ذهب إلى أنّ القرآن الكريم نَزَلَ في ثلاثِ وعشرينَ ليلةِ قَدْر .. أي كان الله - تعالى - يُنْزِلُ إلى سماء الدنيا ما يُقَدِّرُ إنزاله في سائر العام، والذي يَنْزِلُ مِن اللوح المحفوظ إلى بيت العِزّة في سماء الدنيا إنما كان يَنْزِلُ في ليلة القدر في كل عام وذلك بِقَدْرِ ما يَنْزِلُ في سائر العام.

ولعلّ القول الأول أقربُ إلى الصحّة وأظهرُ، وإن كان القول الثاني مرويا عن حَبْرِ الأمّة ابن عباس رضي الله - تعالى - عنهما.

وهذه الليلة المباركة النبي - صلى الله عليه وسلم - أُرِيَها وعرفها وارتَسَمَت في ذهنه وخرج لِيُخبِر بها أمّته فتلاحى رجلان مِن أمّته فرُفِعَت - أي رُفِعَ عِلْمُها - وقال النبي صلى الله عليه وسلم: ( وعسى أن يكون ذلك خيرا )، ويرجو بذلك أنّ الله - تبارك وتعالى - يَكتُب لهذه الأمّة الخير بِرَفْعِ هذه الليلة - أي بِرَفْعِ عِلْمُها - لِما يُسَبِّبُه ذلك مِن اجتهاد الأمّة في إحياء ليالي رمضان المبارك.

والنبي - عليه أفضل الصلاة والسلام - قال: ( فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر )، ومعنى ذلك أنّ الإنسان يُؤمَر أن يَلتمِس هذه الليلة المباركة في العشْر الأواخر مِن شهر رمضان المبارك بحيث يجهد في العبادة في هذه الليالي المباركة ولاسيما الليالي الأوتار، وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين.

ومِن العلماء مَن ذهب إلى أنها هي قبل العشْر الأواخر، وهؤلاء قولهم مرجوح، بِدلالة الحديث الشريف.

ومنهم مَن قال بأنها لا تثبت على حال فإنها قد تَختلِف بين عام وآخر ففي عام تكون مثلا في ليلة الحادي والعشرين وفي عام تالٍ تكون في إحدى الليالي الأوتار الأخرى بِحيث لا تكون ليلةً معيّنةً في كل عام.

هذه الليلة جعل الله - تعالى - شأنها شأنا عظيما: (( تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) [ سورة القدر، الآيتان: 4، 5 ] .. يَستمِر خيرُها إلى طلوع الفجر، وفي قوله تعالى: (( ... حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) ما يُؤذِن بأنّ القول الصحيح هو أنّ فضل هذه الليلة يَنقطِع بِطلوع الفجر وأنه لا يَستمِر في يومها - أي في اليوم التالي - وإنما ينتهي بانتهاء الليل .. هذا هو القول الصحيح، وإن كان مِن العلماء مَن ذهب إلى خلاف ذلك إلا أنّ دلالةَ القرآن تدلّ على هذا، وكفى بهذه الدلالة حجّة، ولا ينبغي أن يُختلَف مع ورود نصّ مِن القرآن الكريم على شيء، وإذا جاء نهرُ الله بَطَلَ نهر مَعقِل؛ والله - تعالى - أعلم.


س2: إذا أخذنا بلفظة الحديث: ( فالتمسوها ) هل يدلّ هذا على أنّ لِليلة القَدْر علامات معيّنة يستطيع أن يَتعرّف عليها الإنسان ؟

ج: حقيقة الواقع هناك كلام في هذا، فأهل التحقيق مِن المفسِّرين يقولون بأنّ هذه الليلة لو كانت لها مميِّزات مادية معروفة لكانت معروفة للناس الذين يَسهرون هذه الليلة أو الذين يَسهرون ليالي رمضان ولا ينامون بحيث يمكنهم أن يُشاهِدوا ما قيل بِأنه يَتجلّى فيها وما يَحدُث فيها مِن الأمور الخارِقة للعادات، وهذا أمر غير معهود، ولو كان ذلك لاشتهر ذلك اشتهارا عظيما ولَتبيّن للخاص والعام بحيث تتناقله الألسن جيلا بعد جيل مع تظافر الدلائل التي تدلّ عليه، ولكن أنّى ذلك وهذا لم يَحصل.

ومِن الناس - وهذا قول عوام الناس - مَن يقول بأنه تَحدُث أمور خارقة للعادات وتنقلب فيه الأمور رأسا على عَقِب ويُشاهِد الإنسان فيه الكثير الكثير .. هذا غير صحيح.

ومِن العلماء مَن يَستنِد إلى رواية رُويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ ميزة هذه الليلة بأنها ليلة غيرُ ذاتِ قَرٍّ ولا ذاتِ حَرٍّ .. أي إن كانت ليلة في الليالي الشاتِيَة فهي ليست شديدة البرودة وإنما بَرْدُها معتدِل، وكذلك إن كانت في الليالي الصائِفَة فهي أيضا غير شديدة الحرارة وإنما يكون جوها معتدِلا، و - أيضا - جاء في الحديث أنّ شمسَ غُدْوَتِها تَطْلُع وهي ليست ذاتَ شُعاع، ولكنّ الحديث لم يَصح.


س3: هل ليلة القدر تختص فقط بِأيام معيّنة مِن الأسبوع كأن تكون في يوم الجمعة أو في يوم الخميس ؟

ج:لا، لأنّ الحديث قال: ( فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر )، ولم يُشِر الحديث الشريف إلى أنّها تكون في ليلة جمعة أو في ليلة خميس أو في ليلة الاثنين، وإنما أشار إلى أنها هي في أوتار العَشْر الأواخر، ولذلك لاتنحصِر في يوم معيّن مِن أيام الأسبوع، إذ الأوتار لا يَلزم أن تُصادِف ذلك اليوم، وإنما هي بِحسب ما جعل الله - تبارك وتعالى - في هذه الليالي العَشْر بحيث اختصّ منها ليلة جعلها هي ليلة القدر.

س: هل هناك عبادات معيّنة وأدعية يُحاوِل أن يُمارِسها الإنسان تَحرِّيا لهذه الليلة ؟

ج: على أيّ حال؛ الإنسان يُؤمَر أن يُسارِع إلى الطاعات والخير والبِرِّ، ومِن الطاعات التي يُسارِع إليها قيام هذه الليالي العشْر، وكما ذكرنا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا دخلت العشْر شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أَهْلَهُ وأَحْيَى لَيْلَهُ .. كان عليه أفضل الصلاة والسلام يَشُدُّ مِئْزَرَهُ وذلك كناية عن مقابلتِه الأمر بِحزْم شديد وبِعزيمة متوقِّدة، فإنّ مِن شأن الإنسان إذا أقبل على شيء بِعزيمة وكان أمرا عظيما أن يَشُدَّ له مِئْزَرَهُ؛ وقيل بأنّ ذلك كناية عن اعتزالِه النساء بِحيث لا يَميل إلى شهوة الدنيا وإنما كان يقضي هذه الليالي في العبادة فحسب وأَحْيَى لَيْلَهُ، وكان يُحيِي الليالي بِالقيام .. جميع الليالي سواءً ليالي رمضان أو ليالي غير رمضان ولكن كان هذه الليالي يُحْيِيهَا تهجدا جميعا مِن أول الليل إلى آخر الليل .. كان يُحْيِيهَا بِالعبادة، وهكذا ينبغي لِلإنسان أن يَجتَهِد بِقدْر مستطاعِه .. لا يعني ذلك أنّ الناس جميعا مطالَبون بِأن يَفعلوا ذلك، إذ هذه الأمور هي بِحسب طاقات الناس ومواهبهم، وطاقات الناس تَختَلِف ومواهب الناس تَختَلِف ولكن على الإنسان ألاّ يُفَوِّتَ الفرصة بِقدْر مستطاعِه.

أما ما يُمكِن أن يَدعُوَ به فإنّ كل دعاءٍ مطلوب .. أيّ دعاءِ خير ما لم يَدْعُ الإنسان بِقطيعة رحِم أو بِأيّ سوء، إلا أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - عندما سألته السيدة أمّ المؤمنين عائشة - رضي الله عنها - إن صادَفت ليلة القدْر بِماذا تدعو ؟ وماذا تقول ؟ علّمها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تقول: ( اللهم إنك عَفُوٌّ تُحِب العَفْوَ فاعْفُ عني )، وهكذا ينبغي لِلإنسان أن يُكَرِّرَ في هذه الليالي هذا الدعاء الشريف وغيرَه مِن الأدعية التي يَعُودُ خيْرها عليه وعلى أسرتِه وذريتِه وعلى جميع الأمّة.


س4: يطلب تفسيرا مفصَّلا لِقوله تعالى: (( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ )) [ سورة القدر، الآية: 3 ]، هل يُمكِن أن يُربَط بين قوله تعالى: (( ... أَلْفِ شَهْرٍ )) وبين قوله تعالى: (( ... وَإِنَّ يَوْمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ )) [ سورة الحج، من الآية: 47 ] ؟ ... (1) صادَف المسلم هذه الليلة، فهل سيَحصل على عبادة ألْف شهر بِما فيها مِن تسبيح وصلاة وما شابه ذلك ؟

ج: أما الربط فلا، لأنّ ذلك اليوم الذي هو بِألْف سنة مما يُعَد إنما هو يوم الموقف .. يوم القيامة، أما أيام الدنيا فهي غير ذلك .. هذه ليلة جعلها الله - تعالى - خيرا مِن ألْف شهر .. مِن الناس مَن يروي - والله أعلم بِصحّة هذه الرواية .. لا أدري مدى صحّتها - أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - ذَكَرَ أنه كان في الأمم السابقة رجل جاهَد في سبيل الله لمدّة ألْف شهر لم يضع السلاح ولم يضع لاَمَةَ حَرْبِهِ مدّة ألْْف شهر .. كان مستمرا على الحرب في سبيل الله .. على الجهاد في سبيل الله فاستَقَلَّت هذه الأمّة .. أي استَقَلَّ الصحابة أعمالَهم لأنهم رأوا أنّ أعمارهم قصيرة .. أعمارهم لا تَفِي بِهذا القدَر .. مَن الذي يُنَفَّسُ له ويُنْسَأُ له في أجله حتى يقضي ألْف شهر وهي نحو ستة وثمانين عاما .. كلها يقضيها في الجهاد، والجهاد كله أجر وفضل، فأنزل الله - تعالى - تسلية لٍهذه الأمّة: (( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ )) [ سورة القدر، الآية: 3 ] .. أي إنّ الله - تبارك وتعالى - أعطى هذه الأمّة هذه الليلة المباركَة وهذه الليلة هي خير مِن ألْف شهر، ولكن هي خير مِن ألْف شهر للذي يُقَضِّيهَا في العبادات ويعمل فيها الطاعات، لا لِلذي يَلْهُو فيها أو يَسْرَحُ ويَمْرَحُ أو يقضيها في المجون واللهو والحديث الهُجْر .. قول الهُجْر، وإنما هي لِلذي يَقضيها في عبادة الله سبحانه وتعالى، فمَن عَبَدَ الله - تعالى - فيها بِحيث قامها واجتهد في العبادة بِقدْر مستطاعِه فكأنما قام ليالي ألْف شهر، فضْلا مِن الله - تعالى - ونعمة.


س8: ما هو طبيعة الشعور الذي يَشْعُرُ بِه المسلم في ليلة القدْر ؟

ج: المسلم - أوّلا - في جميع أوقاته يَشْعُرُ بِأنه مَغْمُور بِفضْل الله ونعمته وأنه لو وَقَفَ كل خلية مِن خلاياه مِن أجل شُكْر الله - تعالى - على هذه النعم لَما استطاع أن يَفِيَ بِأقل نعمة مِن هذه النعم، وهذا الشعور يَتضاعَف في شهر رمضان الكريم لِما يَشْعُرُ بِه مِن الصِّلة بِالله - سبحانه وتعالى - ومِن انفتاح الآفاق الروحانية أمامَه، وربما تَضاعَفَ ذلك - أي هذا الإحساس - في ليلة القدْر المباركَة، وجديرٌ بِالمسلم أن يَتضاعَف إحساسه هذا عندما يَمْثُلُ بين يدي الله .. أي عندما يقوم ويَتَهَجَّد، لا عندما يُقَضِّي لَيْلَه في النوم؛ والله - تعالى - أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــ


(1) وقع هنا - للأسف - انقطاع في الشريط لخلل أثناء تسجيله من التلفزيون.


ـــــــــــــــــــــــــ ــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 22 رمضان 1422هـ ( يوافقه 8/12/2001م ) .

آخر تحرير بواسطة سليمان بن موسى : 11/10/2006 الساعة 10:58 AM
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 07/11/2004, 07:37 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651

س1: اشتهر كثيرا لدى الناس بأنّ ليلة السابع والعشرين مِن الشهر الكريم هي ليلة القدر، فما السبب في ذلك ؟ وهل تكون ليلة القدر ليلتين في الشهر الواحد بِمعنى أنها اليوم مثلا في أمّ القرى وغدا في عُمان بِحكم تقدّم الأولى يوما عن الثانية ؟

ج: إنّ ليلة القدْر فيها خلاف كثير بين أهل العلم هل هي مِن ليالي العشْر الأواخر - كما هو الراجح - أو هي مِن ليالي مُطْلَقِ شهر رمضان الكريم، أو هي خارجة - كما ذكرنا مِن قبل (1) - عن هذا الشهر؛ والراجح - ما ذكرناه (2) - بِأنها إحدى الليالي الأوتار في العشْر الأواخر مِن شهر رمضان المبارك، وكونها ليلة الحادي والعشرين أو ليلة الثالث والعشرين أو ليلة الخامس والعشرين أو ليلة السابع والعشرين أو ليلة التاسع والعشرين أمْرٌ لا نَملِك دليلا عليه اللهم إلا ما جاء في بعض الروايات مِن أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان قد رأى أنه يَسْجُدُ في غُدْوَتِهَا على ماء وطين وَوَكَفَت السماء في ليلة الحادي والعشرين وصلّى النبي - صلى الله عليه وسلم - وسجَد على الثَّرَى على أثَر الماء فلَصِقَ الطين بِجَبِينِه الشريف فانصرف مِن صلاته وعلى وَجْهِه أثَر الماء والطين، وقد استدَلّ بِذلك مَن قال بِأنها ليلة الحادي والعشرين.

أما كونها اشتَهَرَت أنها ليلة السابع والعشرين فهذا كما اشتَهَر أنّ ليلة الإسراء والمعراج هي ليلة السابع والعشرين مِن شهر رجب مع أنه لا يَملِك أحدٌ دليلا يُمكِن أن يَعتمِد عليه في ترجيح هذا الرأي اللهم إلا أنه الشائع عند الناس مع أنّ الدليل غير موجود، فلا يُمكِن أن يَقطَع الإنسان بِذلك، وإنما قد يَشِيعُ في أوساط بعض الناس أمرٌ مِن غيرِ أن يكون فيه استنادٌ إلى دليل، ونحن نقف عند هذا النص: ( فالتمسوها في العشْر الأواخر والتمسوها في كل وتر )؛ والله - تعالى - أعلم.


س5: هل مَن يَرى ليلة القدر يُخبِر بِها أحدا مِن الناس ؟

ج: قالوا بِأنه يُكْرَه أن يُخبِر بِذلك، إذ هي كرامة والكرامة يَنبغي لِلإنسان أن يُخفِيَها وألاّ يَجْهَر بِها ولِذلك قالوا ينبغي ألاّ يُخبِر بِها .. هكذا، و - على أيّ حال - تَختلِف الظروف والأحوال فلَربما استدَلّ الإنسان بِبعض الآيات والمشاهِد التي يَراها على أنّ تلك الليلة ليلةُ القدْر ويتحدّث عن ذلك لا لأجل الإخبار ولكن لأجل الاستدلال فهذا أمر لا مانع منه ولكن مهما كان عليه أن يُحافِظ على هذه الكرامة التي وهبه الله - تعالى - إياها وذلك بِإخفائها؛ والله ولي التوفيق.


س10: هل ليلة القدْر لأشخاص معيّنين ؟ وهل مَن صلاها في تلك الليلة ولم يحس بِها كما يحس بِها الآخرون يَحصل على نفس الأجر ؟

ج: نعم .. ليلة القدر إنما هي لِمَن قامها واجتهد في العبادة فيها .. تُضاعَف أجور العبادات لِهؤلاء الذين يَقومون بِعبادة الله - تعالى - فيها أكثر مِمّا هو معهود في غيرها أضعافا كثيرة بِحيث يكون مَن قامها واجتهد فيها كمَن قام واجتهد في ليالي ألْف شهر مِن سائر الأيام؛ والله - تعالى - أعلم.

ولا يُشترَط أن يَرى علامة تدُلّ عليها.

ــــــــــــــــ

(1) عند الجواب على السؤال الأول من حلقة 22 رمضان 1422هـ ( يوافقه 8/12/2001م ) .

(2) عند الجواب على السؤالين الأول والثالث من حلقة 22 رمضان 1422هـ ( يوافقه 8/12/2001م ) .


ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 23 رمضان 1422هـ ( يوافقه 9/12/2001م ).

آخر تحرير بواسطة سليمان بن موسى : 11/10/2006 الساعة 10:57 AM
  #3  
قديم 07/11/2004, 07:44 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س1: هل يُمكن أن تُبيِّنوا لنا فضْلَ ليلة القدر ؟ ومتى يمكن لِلمسلم أن يتحرّاها ؟

ج: إنّ الله - سبحانه وتعالى - يَرفع درجات مَن يشاء، ويُفضِّل ما يشاء على ما يشاء، فهو يُفضِّل الناس بعضَهم على بعض، ويُفضِّل الرسل - الذين هم صفْوة الناس وخاصتهم - بعضَهم على بعض، كما نصّ على ذلك القرآن الكريم مع أنهم جميعا مُصْطَفَوْن أخْيار بَلَغوا مِن درجة الكمال البشري ما لم يَبلُغه غيرُهم، وكذلك فضّل الله - سبحانه وتعالى - بعضَ الأمكنة على بعض، كما هو واضح في تفضيلِ حَرَمِه الآمِن، وتفضيلِه - أيضا - المكان الذي بارَكَ حولَه وهو المسجد الأقصى وما حولَه، وهذا مما دَلّ عليه القرآن الكريم.

كذلك فضّل الله بعضَ الأزمنة على بعض، وقد يكون المفَضّل - أيضا - على غيره منه ما هو أفضل مِن غيره، فشهر رمضان كله شهرٌ فضيل، لأجل ما جعل الله - سبحانه وتعالى - فيه مِن البَرَكة والخير، كما يُنْبِئُ بِذلك قوله سبحانه: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... )) [ سورة البقرة، من الآية: 185 ]، فهو شهر فضيل مِن أجل هذه الميزة، ولكن هذه الليلة هي مفضَّلة على سائر ليالي الشهر، ولذلك بَلَغَت مِن كمال الفضْل - وهو كمال المخلوقات بطبيعة الحال - ما لم تَبْلُغْه ليلةٌ أخرى وما لم يَبْلُغْه زمان آخر، وناهيكم أنّ الله - سبحانه وتعالى - سَمّاها " ليلة القَدْر " وسماها " ليلة مباركة ".

وقد قال: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )) [ سورة الدخان، الآيات: 3 - 5 ]، وتسميتها بِليلة القَدْر يُوحِي بِمكانتها وعظمتها، فإنّ " القَدْر " هو الشأن، فهي ليلةُ شَأْنٍ عظيمٍ وشَأْوٍ جليلٍ لا يَعْلَم مداه إلا الله سبحانه وتعالى.

وقد أنزل الله - سبحانه وتعالى - فيها سورة بِأسْرها تَدلّ على فضْلها وميزتها وشرَفها وعلُوّ شأنها .. يقول سبحانه: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) [ سورة القدر ]، فهذه الليلة ليلة بَلَغَت مِن الفضل هذا القَدْر العظيم، وذلك أنها جعلها الله - سبحانه وتعالى - خيرا مِن ألْف شهر مِن الشهور التي ليست فيها ليلة قَدْر؛ ومعنى هذا أنّ الإنسان عندما يَعمَل الصالحات في هذه الليلة ويَجتهد بِالتقرّب إلى الله - سبحانه وتعالى - يكون قد أَحْرَزَ مِن الفضْل مثل ما يُحرِزُه لو عَمِل ذلك في كل ليلة مِن ليالي ألْف شهر، فهذا فضْل عظيم لا يَزْهَدُ فيه مَن عنده مثقالُ ذرّة مِن عقْل، ومَن الذي يَزْهَدُ في هذا الخير العظيم ؟!

هذه الليلة أخفاها الله - سبحانه وتعالى - في تضاعِيف ليالي هذا الشهر الكريم، كما أخفى - سبحانه - ساعة الإجابة مِن يوم الجمعة، وذلك مِن أجل أن يَجتَهِد الناس في الدعاء في جميع الساعات يومَ الجمعة، وكذلك أخفى الله - سبحانه وتعالى - كثيرا مِن الأشياء عن عباده لأجل أن يَجتَهِد الناس، فالناس لا يدري أحدهم متى يموت، فساعة وفاة الإنسان لا يَعلَمها، لأجل أن يكون الإنسان في كل لحظة مِن لحظات العمُر متهيِّئا لِلقاء الله موطِّنا نفسَه لِلانتقال مِن هذه الدار الدنيا إلى الدار الآخرة، وكذلك قيامُ الساعة أمرٌ لا يَعلَمه إلا الله.

فليلة القدر هي ليلة مجهولة .. هي إحدى ليالي الشهر الكريم، أُخفِيَت مِن أجل هذه الحكمة حتى لا يَتَّكِل الناس عندما يَعرفونها، بِحيث يَعمَلون الخيرَ فيها وحدها ويَدَعُون عملَ الخير في سائر الشهر، فالناس مطالَبون بِأن يَتسابَقوا إلى الخير في هذا الشهر الكريم وأن يُضاعِفوا جهودَهم فيه أكثر مِمّا كانوا يَفعَلون في غيره فلذلك أخفيت هذه الليلة.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - عُرِّفها .. أُريها ولكن خرَج لِيُخبِر بها أصحابَه فتلاحى رجلان فرُفِعت .. أي رفع عِلمُها عنه صلى الله عليه وسلم، فلذلك قال على أثر ذلك: ( فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر )، فالناس مطالَبون بِأن يلتمِسوها في العشْر الأواخر لاسيما الليالي الأوتار، وهي ليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين وليلة الخامس والعشرين وليلة السابع والعشرين وليلة التاسع والعشرين، فعلى الإنسان أن يتحرّاها في هذه الليالي.

ولقد شاع عند عوام الناس وجهَلتهم أنّ في هذه الليلة أشياءَ تبدو لِلناس فيتراءونها بِحيث تنقلب الأمور ظهرا على عقِب، وقد تَصوَّر بعض العوام والجهلة أنّ الأشجار يَظهر سُيولها في هذه الليلة المبارَكة ويَرى الناس ذلك، وكذلك تصوّروا - أيضا - أنّ كثيرا مِن الأشياء تَنقلب عن سُنَنِها المعهودة، وتصوّروا أيضا أنّ هذه الليلة عندما يُكاشَف الإنسان بها كل ما يُريده أو يَخطر على باله يَتحقق له .. هذا كله ليس صحيحا .. إنما فضْل هذه الليلة بما ذكره الله - سبحانه وتعالى - مِمّا أَوْدَعه فيها مِن البركة حتى كان قيامها بِمثابة قيامِ ألْفِ شهرٍ مِن سائر الليالي، فلو كانت هنالك علامات ظاهرة - كما يقولون - لَما خَفِيت تلكم العلامات عَمّن يَقومون ليالي الشهر الكريم جميعا، ولكن - على أيّ حال - هذه إشاعات لا أساس لها مِن الصحّة، وإنما فضْل هذه الليلة بِما ذكرناه، ولربما ظهر لِبعض الناس بعض الأشياء كظهور الأنوار بِسبب كثرة الملائكة الذين يَتَنَزَّلون فيها وهذا أمر لا يَكاشَفُ به كل أحد ولكن ربما يَظهر ذلك لِبعض الناس، وإنما على الإنسان أن يَحرِص على اكتساب خيْرِها بِغَضِّ النظر عن هذه الأشياء كلها، وإنما عليه أن يَحرِص على اكتساب خيْرِها وذلك بِأن يُحْيِيَها بِالتهجّد وذِكْر الله - تعالى - واستغفاره والتبتّل إليه - سبحانه - وتَكْرَار الدعاء الذي علّمه سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمّ المؤمنين عائشة - رضي الله تعالى عنها - عندما سألته ماذا تصنع عندما تصادِف هذه الليلة فأمرها النبي - صلى الله عليه وسلم - أن تقول: ( اللهم إنك عَفُوٌّ تُحِب العَفْوَ فاعْفُ عني )، فينبغي لِلإنسان ذلك.

والنبي - صلى الله عليه وسلم - مِن أجل كوْن هذه الليلة هي إحدى الليالي التي تكون في العشْر الأواخر مِن الشهر المبارك .. لَمّا كانت هذه هي إحدى الليالي العشْر مِن الشهر المبارك كان يَحرِص صلى الله عليه وسلم على مضاعَفة جَهْدِه في التهجد في العشْر الأواخر .. كان يَعتكِف هذه العشْر الأواخر، وكان إذا دخلت شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أَهْلَهُ وأحْيَى لَيْلَهُ، ومعنى شَدِّهِ مْئْزَرَهُ أنه كان يُشَمِّرُ عن ساعِد الجِدِّ في العمل، لأنّ شَدَّ المئْزَر يكون عندما يُقابِل الإنسان عملا شاقّا، ومنهم مَن حَمَل شَدِّهِ مْئْزَرَهُ على معنى أنه كان يَجتنِب النساء ولا يُواقِع النساء بِسبب إِخْلادِه إلى الاعتكاف في هذه العشْر، ومعنى إيقاظه أَهْلَه أنه كان يَدعوهم إلى التهجد .. يَأمرهم ألاّ يَناموا إلا بِقدْر ما يَضطَرون إلى النوم، وإنما يَدعوهم إلى أن يَتهجدوا، لأجل أن يُشارِكوا في الخير لِينالوا مِن ربْحه العظيم، ومعنى كونه صلى الله عليه وسلم يُحيِي لَيلَه أنه يَقضي ليله تهجدا بِحيث يَطوي فِراشه في هذه الليالي العشْر، حِرصا على اكتساب هذا الخير العظيم، فهكذا ينبغي لِلناس.

و - حقيقة الأمر - الناس اختلفوا كثيرا في ليلة القدر على نحو أربعة وأربعين قولا، وهذه الأقوال كثير منها لا دليل عليه:

منهم مَن قال بأنها ليست مِن ليالي شهر رمضان رأسا، وإنما هي ليلة في سائر ليالي العام؛ وهذا قول بعيد عن الصواب، لأنّ الله - تعالى - قال: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ )) [ سورة القدر، الآية: 1 ] وفي نفس الوقت قال: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... )) [ سورة البقرة، من الآية: 185 ]، ولكن الذين ذهبوا إلى هذا الرأي قالوا: " إنّ معنى نزول القرآن الكريم في هذا الشهر الكريم .. أي نزوله في بيان فضل هذا الشهر وميزته ومكانته "، وهذا القول بعيد عن التحقيق.

ومنهم مَن قال بِأنها في العشْر الأولى:

منهم مَن قال: هي الليلة الأولى.

ومنهم مَن قال: الثانية.

ومنهم مَن قال: الثالثة.

وهكذا.

ومنهم مَن قال في الوسط:

منهم مَن قال ليلة السابع عشر.

ومنهم مَن قال ليلة السادس عشر.

وهكذا.

وهذه الأقوال لا تتّفِق مع ما دَلّ عليه الحديث الصحيح، إذ أخبر النبي - صلى الله عليه وسلم - بِأنها إحدى ليالي العشْر الأواخر؛ والله - تعالى - أعلم.

س: أنتم ذكرتم أنّ بعض الناس ربما يكاشفون بِرؤية أنوار معيّنة تَدلّ على أنهم صادَفوا تلك الليلة، فهل معنى هذا أنه مَن قام تلك الليلة ولكنه لم يَر تلك الأنوار ولم يكاشف بِها أنه لا يُعَدُّ مصادِفا لها ؟

ج: لا، بل هو مصادِف مهما كان الأمر .. لا يعني هذا أنه غير مُحْرِزٍ لفضْل ليلة القدْر .. لا عبْرة بِما يراه الإنسان وإنما العبْرة بِحال الإنسان .. العبْرة بِإخلاصه وبِعمله.


س2: هل هناك شروط يَجب أن تكون في الشخص حتى يكون مؤهَّلا لِرؤية ليلة القدْر ؟

ج: ليلة القدْر لا تَحتاج إلى رؤية .. إنما ليلة القدْر يَعيشها الإنسان، فإذا كان الإنسان متّقِيا لِربه - سبحانه وتعالى - قائما ليْله داعيا الله - تعالى - حريصا على طاعته فهذا أَحْرَزَ فضْل ليلة القدْر وناله، وأيّ عملِ خيْرٍ يَعملُه الإنسان في هذه الليلة المباركة حتى أنّ مَن صلى العِشاء والغَدَاة في جماعة في هذه الليلة المباركة يَكون ذلك مِن الفضْل العظيم الذي يُكتَب له، لأنّ الأجْر يُضاعَف أكثر مِمّا يُضاعَف في غيرها حتى يكون الفضْل مثل قيامِ أَلْفِ شهر مِن غير الشهور التي فيها ليلة القدْر .. أي مِن غير شهر رمضان.


س3: لكن بعض الناس يَعتبِرون ليلة القدْر ضربا مِن الحظوظ تُصيب بعضَ الناس مِن غير جهد ولا عمل فإذا وَجدوا إنسانا - مثلا - قد تَحقّقت له خيْرات كثيرة أو وَجدوا إنسانا قد طال عمره يقولون: " هذا إنسان صادَف ليلة القدر "، فما مدى هذا الكلام من الصحّة ؟

ج: هذا مِن كلام العوام، ولا عبْرة بِكلام العوام .. إنما فضْل ليلة القدْر بِما يُحْرِزُهُ الإنسان فيها مِن عمَل الخيْر.

س: يريدكم أن تَحصروا هذه الليلة في أقرب ليلتين يُمكِن لِلإنسان أن يَتحرّاهما .. يعني إما سبعة وعشرون أو واحد وعشرون، وهل هناك دلالات معيّنة ؟

ج: حقيقة الأمر؛ ليلةُ القدْر كما فَهِمنا مِن الحديث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هي إحدى الليالي الأوتار في العشْر الأواخر مِن شهر رمضان لأنه صلى الله عليه وسلم قال: ( التمسوها في العشْر الأواخر والتمسوها في كل وتر ) فالعشْر الأواخر هي مَظِنَّة ليلةِ القدْر ولاسيما الأوتارُ منها ( والتمسوها في كل وتر )، واختلف العلماء كثيرا هل هي ليلة الحادي والعشرين أو الثالث والعشرين أو الخامس والعشرين أو السابع والعشرين - وهو الذي شاع عند كثير مِن الناس حتى صاروا كأنما يَقطعون بِأنها ليلة القدر - أو ليلة التاسع والعشرين؛ ولم نَجِد دليلا يُمكِن أن يُعوَّل عليه في تَرجيح كونِها إحدى هذه الليالي إلا ما جاء في بعض الروايات أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - رأى أنه في غُدْوَتِها يَسْجُدُ على ماء وطين ولَمّا كانت ليلة الحادي والعشرين نَزَلَت السماء فوَكَفَ مسجدُه صلى الله عليه وسلم .. يعني نَزَلَ ماءُ الغَيْثِ مِن سَقْفِ مسجدِه صلى الله عليه وسلم إلى الأرض فسجد النبي - صلى الله عليه وسلم - على الماء والطين وأبصر بعض الصحابة - رضوان الله عليهم - أَثَرَ الماء والطين على جبْهة النبي - صلى الله عليه وسلم - وأنفه؛ فهذا ربَّما يَترجَّح بِه أنّ هذه الليلة هي ليلة الحادي والعشرين .. هذا مِن باب الظنِّ فقط .. لا يَعْدُو أن يكون ذلك ظنّا مع احتمال أن تكون هذه الليلة تنتقِل ما بين عام وعام آخر بِحيث تكون في هذا العام ليلة الحادي والعشرين - وهذا قول قاله كثير مِن العلماء - وفي العام الآخر ليلة الثالث والعشرين وهكذا .. هذا أيضا مُحتمَل، وليس ذلك بِبعيد؛ والله - تعالى - أعلم.

ــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 21 رمضان 1423هـ ( يوافقه 27/11/2002م ) .
  #4  
قديم 07/11/2004, 07:49 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س11: ليلة القدْر عندما يقيمها الإنسان، هل يقيمها مِن بداية الليل إلى الفجر أم في أيّ ساعة مِن الساعات ؟

ج: لِلإنسان أن يَأتي بِما استطاع مِن الطاعات بل ينبغي له ذلك .. أن يأتي بِقدْر ما يستطيع مِن الطاعات، سواءً كان ذلك تَهجدا أو كان تلاوةً لِكتاب الله أو كان ذِكْرا وتسبيحا لله سبحانه وتعالى، فإنّ ذلك كله مما يُضاعَف، وإنما الصلاة هي أفضل، لاشتمال الصلاة على تلاوة القرآن واشتمالها على التسبيح والذِّكْر، فالصلاة لا ريب أنها أجمع لِلخير، ولكن لو اقتصَر على الذِّكْر أو اقتصَر على تلاوة القرآن لَكان في ذلك كله خيْرٌ له، سواءً كان ذلك في أول الليل أو كان في وسطه أو كان في آخره مِن حيث إنه يُكتَب له أجر مضاعَف إن كان ذلك في ليلة القدْر، وإن كان ذلك في آخر الليل أفضل، لأنّ وقت السَّحَر وقتٌ مبارك يَرْفَع الله - سبحانه وتعالى - فيه الدعاء ويُحَقِّق فيه لِعباده الرجاء ويَغْفِر فيه لِلمستغفِرين، فينبغي لِلإنسان ألاّ يُفَوِّتَ ذلك، ولا يَلزمه أن يقوم الليل كله مِن أوله إلى آخره، فإنّ هذا شيءٌ لا يَقْدِر عليه إلا خاصّة الخاصّة مِن المسلمين: (( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ... )) [ سورة الأنعام، من الآية: 132؛ سورة الأحقاف، من الآية: 19 ]، فمن قام جزءً مِن ليلة القدْر ضوعِف له الأجر، كأنما قام ذلك الجزء في ألْف شهر فيما عدا هذه الليلة، وإن قام جزءً أكبر مِن ذلك - أيضا - ضوعِف له بِقدْر هذه النسبة، وهكذا فيما يَفعله مِن الطاعات والتهجد وذِكْر الله سبحانه وتعالى، ومَن استطاع أن يقوم الليل كله فإنّ ذلك خير كبير له؛ والله - تعالى - أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 24 رمضان 1423هـ ( يوافقه 30/11/2002م ) .
  #5  
قديم 07/11/2004, 07:52 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س8: كما نعرف أنّ الأعمال تُضاعَف في ليلة القدْر، فهل تَنطبِق هذه المضاعَفة على مَن أحيا هذه الليلة على الباطل أو في معصية الله سبحانه وتعالى ؟

ج: لا ريب أنّ كل ذي حُرْمَة تكون المعصيةُ في كَنَفِه أعظمَ إثما وأشدَّ جُرْما، فالمعصية - مثلا - في مكّة المكرّمة يُضاعَف وِزْرُها لِمكانة حَرَمِ الله تبارك وتعالى، و - كذلك - المعصيةُ التي تكون في شهر رمضان يُضاعَف وِزْرُها بِسبب أنّ الإنسان يَجترئ على الله في الشهر الكريم، وعندما تكون ليلة القدْر فإنها يُضاعَف - أيضا - وِزْرُها، فيجب على الإنسان أن يَحرِص على أن يَتفادى المعصية بِكل ما يَملِك مِن قوّة حتى لا يقع فيها.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 26 رمضان 1423هـ ( يوافقه 2/12/2002م ) .
  #6  
قديم 07/11/2004, 07:55 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س9: ليلة القدْر تكون في ليلة واحدة يتحرّاها المسلم لكننا - مثلا - نحن تأخّرنا عن البلدان الأخرى يوما وتأخّرنا عن بلد آخر يومين .. في هذه الحالة إذا كانت في ليلة الحادي والعشرين، هل تتكرر معنا ومعهم أم كيف يكون حالها ؟

ج: على أيّ حال؛ أوّلا أنّ الاختلاف قد يكون بسبب اختلاف المطالع، وقد يكون بسبب الغيم، فليلة القدْر ليلةٌ واحدة وإنما هي تسير مع سيْر الليل، فالليل يبدأ مِن المشرق وينتهي إلى المغرب .. الليلة تبدأ مِن المشرق وتنتهي إلى المغرب، ففي كل منطقة مِن هذه المناطق تستمر هذه الليلة إلى مطلع الفجر، أما اعتبار كونِها مِن الليالي الأوتار فقد يكون ذلك حكما أغلبيا، وقد يكون ذلك حكما باعتبار أوسط المناطق؛ والله - تعالى - أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــ ــــــــــــــــــــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 27 رمضان 1423هـ ( يوافقه 3/12/2002م ) .
  #7  
قديم 07/11/2004, 08:01 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س1: ما هي فضائل العشْر الأواخر ؟ باختصار.

ج: إنّ الله - تبارك وتعالى - يُفضِّل ما يشاء مِن الأزمنة على ما يشاء، كما يُفضِّل ما يشاء مِن الأمكنة على ما يشاء، ويُفضِّل مَن يشاء مِن البشر على مَن يشاء .. هذه هي سنّة الله - تبارك وتعالى - في خلْقه، وفضل الأزمنة والأمكنة لِما يكون فيها مِن خير.

والله - سبحانه وتعالى - اختار شهر رمضان المبارك لأن يكون ميقاتا لنزول الكتاب الكريم على قلْب خاتم النبيين سيدنا ونبينا محمد عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والتسليم، فقد قال الله سبحانه وتعالى: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُّبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِّنْ عِندِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ )) [ سورة الدخان، الآيات: 3 - 5 ]، ويقول - سبحانه وتعالى - فيها: (( إِنَّا أَنزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا لَيْلَةُ الْقَدْر * لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ * تَنَزَّلُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ * سَلامٌ هِيَ حَتَّى مَطْلَعِ الْفَجْرِ )) [ سورة القدر ]، وكما ترون نَوَّهَ الله - سبحانه وتعالى - بِفضل هذه الليلة المباركة العظيمة في سورة الدخان، وأنزل سورة القدر بِأسرها مبيِّنة عِظَم منْزلتها وجلالة قدْرها وشمول فضْلها، فهذا فضْل عظيم لا يُسَامَى، ولذلك كانت الليالي التي تحتوي هذه الليلة المباركة هي أفضل الليالي، والزمن الذي تقع فيه هذه الليلة المباركة هو أفضل الأزمنة.

ومِن المعلوم أنّ هذه الليلة دلّ القرآن على أنها في شهر رمضان المبارك، لأنها كانت ميقاتا لنزول القرآن على قلْب النبي صلى الله عليه وسلم، وقد قال الله - سبحانه وتعالى - في هذا القرآن: (( شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ ... )) [ سورة البقرة، من الآية: 185 ] تبيّن بذلك أنّ هذه الليلة هي إحدى ليالي هذا الشهر، ثم جاءت السنّة النبوية لِتُقَرِّب وبيّنت أنّ هذه الليلة إنما تُلْتَمَس في العشْر الأواخر في شهر رمضان المبارك وفي الليالي الأوتار منها، فقد قال صلى الله عليه وسلم: ( فالتمِسوها في العشْر الأواخر والتمِسوها في كل وتر )، ومعنى ذلك أنها تُلتمَس في ليلة الحادي والعشرين والثالث والعشرين والخامس والعشرين والسابع والعشرين والتاسع والعشرين .. أي في الليالي الأوتار مِن هذه العشْر المباركات.

هذا يدل على أنّ هذه العشْر الأواخر متميِّزة على بقية الشهر الكريم، كتميُّز الشهر الكريم على بقية الأشهر والأزمنة، فالشهر الكريم متميِّز بِكثير مِن المزايا، مِن بيْن هذه المزايا أنه تُضاعَف فيه الحسنات، فقد جاء في الحديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنّ مَن عَمِل فيه نافلة كان كمَن عَمِل في غيره فريضة، ومَن عَمِل فيه فريضة كان كمَن أدّى في غيره سبعين فريضة .. هذا يدلّ على مضاعَفة أجْر العاملين في هذا الشهر الكريم.

وكذلك دلّ الحديث على أنّ العمْرة في هذا الشهر الكريم يُضاعَف أجرها حتى تكون بِمثابة الحجّة مع النبي - صلى الله عليه وسلم - كما قال النبي - صلوات الله وسلامه عليه - لأمّ سِنَان الأنصاري رضي الله - تعالى - عنها: ( إذا كان رمضان فاعتمري فإنّ عمْرة في رمضان تعدِل حجّة معي ) وهذا فضْل عظيم وشرَف كبير.

وهذه الليلة - على أيّ حال - لما كانت في العشْر الأواخر فإنّ هذا يُعطِي العشْر الأواخر منزلة تفوق منزلة بقية الشهر، ولذلك كان النبي - صلى الله عليه وسلم - حريصا على هذه العشْر الأواخر .. كان إذا دخلت العشْر شَدَّ مِئْزَرَهُ وأَيْقَظَ أهلَه وأحيى ليلَه.

" شَدَّ مِئْزَرَهُ " كناية عن الجِدِّ في العمل، لأنّ مَن أراد أن يَجِدَّ في شيء إنما يَتشَمَّر ويَشُدُّ مِئْزَرَهُ .. يَشُدُّ ثيابه، فهذا كناية عن الجِدِّ في العمل، أو أنه كناية عن البُعْد عن الشهوات بِحيث إنه لا يُقارِب النساء في خلال هذه الأيام (1) لأنه يكون في معتكَفِه، وقد قال الله تبارك وتعالى: (( ... وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللهِ ... )) [ سورة البقرة، الآية: 187 ]، فلا يجوز لِلإنسان أن يُباشِر أهلَه وهو عاكِف في المسجد، كما أنّ المرأة - أيضا - عندما تكون معتكِفة لا يجوز لها أن يُباشِرها زوجُها .. فهكذا الأمر.

ومعنى كونه " أحيا ليله " أنه يُواصِل العمل في جميع الليل بِحيث يَتهجَّد الليلَ كله، بِخلاف بقية الليالي، فبقية الليالي يَتهجَّد فيها ويَنام .. أي يَأخذ قسْطا مِن الراحة، ولكنه في العشْر الأواخر يُبالِغ في العبادة حتى أنه يُحيِي الليل كله، ويُوقِظ أهله لأجل أن ينالوا مِن هذا الخير .. مِن هذا الفضْل حتى لا يَأخذهم النوم فيُحْرَمُوا مِن هذا الفضْل العظيم .. هكذا كان شأن النبي صلى الله عليه وسلم، واعتكافه في هذه العشْر الأواخر مِن أجل ليلة القدْر، لأنّ هذه الليلة وحدها هي خير مِن ألف شهر نظرا إلى حال مَن أحياها بِالتهجُّد والقيام، لا إلى حال مَن نام فيها واشتغل بِملذَّاته ولم يُعْنَ بِالتهجُّد ولم يُعْنَ بِالذِّكْر، ولا أقول بأنّ ذلك خاص بِالذي يُحيِي الليلة بِأسْرها مِن أوّلها إلى آخرها، فإذا أحيا الإنسان جزءً مِن هذه الليلة بِالتهجُّد والصلاة والذِّكْر وتلاوة كتاب الله - سبحانه وتعالى - يكون قد أخذ حظَّه مِن هذا الخير العظيم، ويكون نال مِن شرَف هذه الليلة ما نال، فلا ينبغي لِلإنسان أن يُفَوِّتَ التهجُّد في أيِّ وقت مِن الأوقات ولاسيما شهر رمضان المبارك، ولكن في هذه العشْر الأواخر أكثر ينبغي لِلإنسان أن يَجِدَّ فيها وألاّ يُفَوِّتَ التهجُّد أبدا؛ والله - تعالى - المستعان.


س2: الحقيقة مِما يُؤسَف جِدّا أنّ بعض الناس يَبدأ الرسم البياني معهم في العشْر الأواخر يَأخذ في الانحدار إلى الأسفل ويَنقطِعوا عن صلاة التراويح حتى أو يَختصِروها في أربع ركعات وتكاد المساجد يَقِل الزِّحام فيها، فهل ذلك فيه إشارة حِرْمَان لِهؤلاء مِن هذا الخير ؟

ج: نسأل الله - تبارك وتعالى - العافية؛ وخير العمل ما واظب عليه صاحبه، والحرص على مضاعَفة العمل في العشْر الأواخر دليل الإيمان، فإنّ الذي آمن بما أنزل الله - تبارك وتعالى - مِن فضْل ليلة القدْر وآمن بما جاء في حديث الرسول - صلى الله عليه وسلم - مِن أنّ العشْر الأواخر هي مَظِنَّةُ ليلة القدْر وآمن بِالاقتداء والتأسِّي بِالنبي - صلى الله عليه وسلم - الذي كان يَحرِص على التهجُّد ويَحرِص على الاعتكاف ويَحرِص على إحياء الليل كله في العشْر الأواخر .. مَن آمن بِذلك كلِّه دَفَعَتْه هِمَّتُه إلى أن يُضاعِف مِن العمل الصالح في العشْر الأواخر، لا إلى التقاعُس عن العمل، فمِن العجيب أنّ الناس قد يَحرِصون على النافلة أكثر مِمّا يَحرِصون على الفريضة، ومِن ذلك أنهم يَحرِصون على أداء صلاة التراويح في الجماعة أكثر مِمّا يَحرِصون على أداء الفروض الخمسة في جماعة، مع أنّ الفروض الخمسة هي - على أيّ حال - مفروضة بِنصّ الكتاب العزيز، فلا يَجوز لأحد قَط أن يَتهاون بِها، وقد أشارت آياتٌ مِن القرآن إلى لزوم أدائها في الجماعة مع الإمكان، ونَصّت على ذلك أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، ولكن مع ذلك الناسُ يَتقاعَسون عنها، وقد يَحرِصون بعضَ الوقت على صلاة التراويح في الجماعة ثم عندما يَتضاعَف الفضْل ويَأتي ميقات التزاحُم على الأعمال الصالحة وهو العشْر الأواخر مِن شهر رمضان المبارك إذا بهم يَتقاعَسون عن ذلك .. هذا مِمّا يُعجَب منه، فهذا - على أيّ حال - حِرْمَان .. مَن كان غيرَ مَحروم إنما يَحرِص على أن يَنال مِن هذا الفضْل العظيم، وأن يَكْرَعَ مِن هذا السلسبيل النقِي، وألاّ يُفَوِّتَ نفسَه الانتفاعَ بِهذا الخير الكبير.

و - على أيّ حال - الصيام نفسُه بِما أنه داعٍ إلى تقوى الله - تبارك وتعالى - هو مِمّا يَحْفِزُ صاحبَه إلى أن يَحرِص على أعمال الخير في جميع الأوقات، ومِن ذلك حِرصه على أداء الصلوات في الجماعات في جميع الأوقات، لا أن يُودِّع العبادات بعدما ينتهي شهر رمضان وأن يُقْبِلَ على مَلَذَّاتِه وعلى دناياه، كما يقول أحد الشعراء:

رمضان ولّى هاتِها يا ساقي *** مشتاقةً تسعى إلى مشتاق

بِالأمس قد كنا أسِيرَيْ طاعةٍ *** واليومَ مَنَّ العيد بِالإطلاق

هذا كلام أَهْوَج .. ليس هو كلام عاقِل، والله المستعان .. على الناس أن يَتَنَبَّهُوا لِذلك؛ والله - تعالى - الموفِّق.


س3: البعض يظنّ أنّ ليلة القدْر ضرب مِن الحظوظ العمياء يُصادِفها البلهاء والمجانين أو أنها تأتي لِمَن صادَفها مِن غيرِ سابِقِ عمل وطاعة، فهل هذا الكلام صحيح ؟

ج: ليلة القدْر مَزِيتُها أنّ الأجْرَ يُضاعَفُ فيها .. ما يقوله هؤلاء المغَفَّلون البُلْه لا أساس له مِن الصحّة .. إنما الله - تبارك وتعالى - قال في بيان مَزِيتِها وفضْلِها: (( لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ )) [ سورة القدر، الآية: 3 ]، فهي خير مِن ألف شهر بِما يَتضاعَف مِن أجور العاملين بِها، وكفى .. هذا هو فضل ليلة القدْر، لا أنّ الأحوالَ تَنقلِب فيها عن حسب ما يَجري عليه نظامُ الكوْن، وأنّ سُنَنَ الحياة تتبدل فيها .. هذا كلام ليس هو مِن الحقيقة في شيء، إنما هو كلام سخيف ولا يَصدُر إلا مِمّن كان سخيفَ العقْل.

س: في حديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بيّن أنه رأى ليلة القدر إلا أنه أنسيها.

ج: وقد يرى الإنسان أنوارا أحيانا .. هذا مِن المحتمَل، ليس ذلك بِبعيد، لأنّ الملائكة تَتَنَزَّلُ فيها، وقد يَكشِف الله - تبارك وتعالى - خبايا أسرار هذا التَنَزُّلِ لِمَن يشاء مِن عباده فكيف بِالمصْطَفَيْن الأخيار .. هذا مِن المحتمَل، قد يرى شيئا مِن هذه العلامات، لكن لا على أساس أنّ نظامَ الكوْن يَتبدَّل فيها.

س: إنما هي تبقى علامات تُشعِر المؤمِن على أنه صادَفها.

ج: نعم.

س: مَن يَقوم الليل كله تقريبا حِرصا على أن يُصادِف هذه الليلة لكنه لم يَرَ شيئا مِن هذا.

ج: نفسُ قيامِه الليل وتوفيقُه لِذلك إنما هو توفيقٌ مِن الله - تبارك وتعالى - لِنَيْلِ الحظّ العظيم في هذا الموسم المبارك.


س5: هل العمْرة في العشْر الأواخر مِن رمضان فيها ميزة تَختلِف عن بقية الأيام ؟ وكذلك التصدّق في العشر الأواخر عن الأموات ؟

ج: العمْرة في شهر رمضان المبارك كله مِن أوله إلى آخره تَتَمَيَّزُ على العمْرة في غير رمضان، بِما دلّ عليه حديث أم سِنان - رضي الله عنها، وقد ذكرناه (2) - وهو أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لها: ( إذا كان رمضان فاعتمري فإنّ عمْرة في رمضان تعدِل حجّة معي ) .. هذا فضْل عظيم لا يَزْهَدُ فيه عاقل.

ولا ريب أنّ العشْر الأواخر تُضاعَف فيها الأجور، فلمّا كانت تُضاعَف فيها الأجور فإذن كذلك أجْر العمْرة فيها يَتضاعَف: (( وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ... )) [ سورة الأنعام، من الآية: 132؛ سورة الأحقاف، من الآية: 19 ] .. كل واحد يَنال نصيبَه بِمشيئة الله تعالى، فما على الإنسان إلا أن يَسعى، والله - تبارك وتعالى - يُثِيبُ عباده بِغير حِساب، وكما أنّ الله - سبحانه وتعالى - يُثِيبُ عباده بِغير حِساب فعلى العبد أن يَعمل مِن غير أن يَحسب حسابا بِالأرقام لِلأجور .. يَكِلُ ذلك إلى الله - تعالى - وكفى.

س: بِما في ذلك التصدق ؟

ج: وكذلك الصدقة .. الصدقة مطلوبة مِن الإنسان في كل الأوقات، ولكن في شهر رمضان هي كسائر الأعمال تُضاعَف فيها الأجور، وهذا مما دلّ عليه حديث ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - عندما وَصَفَ النبيَ - صلى الله عليه وسلم - بِأنه كان أجودَ الناس بالخير .. كان أجودَ بِالخير مِن الريح المرسلة، وكان أجودَ ما يكون في شهر رمضان .. عندما يَلقى جبريلَ يَعْرِضُ عليه القرآن.

فهذا مما يدلّ على أنّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يَحرِص في هذا الشهر الكريم على مضاعَفة الصدقات أكثر وأكثر مما كان عليه مِن قبل، مع كونه صلى الله عليه وسلم في كل الأوقات يَسْخُو بِكل ما يكون تَحت يده ويُعطي عطاءَ مَن لا يَخشى الفقر.

ـــــــــــــــ

(1) قال الشيخ: " الشهر " بدلا من " الأيام " وهو سبق لسان.

(2) عند الجواب على السؤال الأول.


ــــــــــــــــ

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 20 رمضان 1424هـ ( يوافقه 15/11/2003م ) .
  #8  
قديم 07/11/2004, 08:18 AM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
تستطيع تحميل الموضوع منسقا من الملف المرفق.

نداء إلى طلبة العلم والدعاة

أرجو أن يساهم كل داعية وطالب علم بطبعها ونشرها في الناس حتى لا تتكرر الأسئلة على المشايخ-كما هو واقع للأسف الشديد وليتحمل كل داعية وطالب علم مسؤوليته في ذلك حسب قدرته-، ومِن ذلك تكرارها في برنامج " سؤال أهل الذكر " للأسف، فيُوفَّر وقت المشائخ وفرصة اللقاء الثمين بهم لأسئلة أخرى في الموضوع أو في مواضيع أخرى مهما كان نوعها ومستواها، وشكرا جزيلا على حسن تجاوبكم.

آخر تحرير بواسطة سليمان بن موسى : 17/10/2006 الساعة 07:44 PM
  #9  
قديم 07/11/2004, 08:46 PM
أبو مجاهد أبو مجاهد غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 26/02/2000
الإقامة: سلطنة عمان - مسقط
المشاركات: 932
للتثبيت وبارك الله في جهود المخلصين
  #10  
قديم 01/11/2005, 09:10 AM
الرستمي الرستمي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 20/09/2005
المشاركات: 644
يرفع بعد التثبيت
  #12  
قديم 17/10/2006, 07:42 PM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
بسم الله الرحمن الرحيم

س9: ما هو الراجِح في علاماتِ ليلةِ القدر ؟ وهل يَجوز إخبار الأصحاب بِهذا إذا تَبيّنَتْ له ؟

المصدر: برنامج " سؤال أهل الذكر " من تلفزيون سلطنة عُمان، حلقة 27 رمضان 1425هـ، يوافقه 11/11/2004م.

المفتي: الشيخ سعيد بن مبروك القنوبي.
  #13  
قديم 17/10/2006, 08:10 PM
الورنتل الورنتل غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 07/08/2006
الإقامة: القشمتل / الجبل الأحمــــر
المشاركات: 381
Arrow

بارك الله فيك

وجزاك الله خيرا" على المجهود الكبير
 


قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز الصور لا تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 12:53 AM.


سبلة العرب :: السنة السابعة والعشرون
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.