سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث

العودة   سبلة العرب > سبلة الثقافة والفكر

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 25/03/2003, 05:59 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
تلك العتمة الباهرة

المؤلف : الطاهر بن جلون
ترجمة : بسّام حجّار
الناشر : دار الساقي

الإهداء

كل أحداث هذه الرواية واقعية ، إنها مستلهمة من شهادة أحد معتقلي سجن تزمامارت
إنه عزيز ، وإليه أهدي هذا العمل الروائي ، وأهديه أيضا الى صغيره رضا ، نور حياته الثالثة .

هذا ما كتب على غلاف الرواية

" لطالما فتشت عن الحجر الأسود الذي يطهر روح الموت وعندما أقول ( لطالما ) أتخيل بئرا بلا قعر ، نفقا حفرته بأصابعي ، بأسناني ، يحدوني الأمل العنيد بأن أبصر ، ولو لدقيقة ، لدقيقة متمادية خالدة ، شعاع نور ، شرارة من شأنها أن تنطبع في مآق عيني وتحفظ أحشائي مصونة كسّر ، فتكون هنا ، ساكنة صدري ، مرضعة لياليّ البلاختام ، هنا ، في هذا القبر ، في باطن الأرض ، برائحة الإنسان المفرّغ من إنسانيته بضربات معزقة تسلخ جلده ، وتنتزع منه البصر والصوت والعقل "

أحداث هذه الرواية مستلهمة من شهادة أحد المعتقلين السابقين في سجن ( تزمامارت )

وسأنقل لكم بعضا من أحداث هذه الرواية
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 25/03/2003, 06:00 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
في الواقع كان القبر زنزانة يبلغ طولها ثلاثة أمتار وعرضها مترا ونصف المتر ، أما سقفها فوطيء جدا يتراوح ارتفاعه بين مائة وخمسين ومئة وستين سنتيمترا ، ولم يكن بإمكاني أن أقف فيها . حفرة للتبول والتبرز ، حفرة قطرها عشرة سنتمترات ، كانت جزءا من أجسادنا ، والأفضل أن نسارع الى نسيان وجودها ، لكي نكف عن إشتمام روائح البراز والتبول ، لكي نتوقف عن الشم إطلاقا ، ولكي نفعل لا ينبغي أن نسد أنوفنا ، لا إطلاقا ، بل ينبغي أن ندع أنوفنا مفتوحة ونتوقف عن الشم .
في البداية ، كان الأمر شاقا ، كان دربة ، عتها لا بد منه ، إختبارا ينبغي إجتيازه بأي ثمن ، أن تكون هناك من دون أن تكون هناك ، أن يغلق المرء حواسه ويسلطها في إتجاه آخر ويمنحها حياة أخرى ، كأني رميت في تلك الحفرة مجردا من حواسي الخمس .

كنت أقع في الحفرة كجراب رمل ، كرزمة لها هيئة إنسان ، أقع ولا أشعر بشيء، كنت لا أشعر بشيء ولا أحس بالألم في أي موضع مني ، لا ، مثل هذه الحال لم أبلغها إلا بعد سنوات من الأوجاع ، وأحسب أن الألم قد أعانني ، فلشدة ما تألمت ، ولشدة ما تعذبت ، تمكنت شيئا فشيئا من الإنفصال عن جسدي ، ووجدتني أكافح العقارب في تلك الحفرة ، كنت محلقا على الضفة الأخرى من الليل ، ولكن قبل أن أبلغ ما بلغت ؛ كان علي أن أسير لقرون من الزمن في ليل النفق الذي لا ينتهي
  #3  
قديم 27/03/2003, 10:51 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
لم يكن لدينا أسرة ولا حتى رقعة من الإسفنج ، بمثابة فراش ، ولا حتى كومة من القش أو روق الحلفاء التي تربض عليها البهائم ، وزعت على كل منا بطانيتان رماديتان طبع عليهما الرقم 1936 ، أكان ذلك تاريخ نسجهما ، أم أنه إشارة خاصة بالمحكومين بالموت البطيء ، كانت بطانيات خفيفة ومتينة وتفوح منها روائح المستشفيات ، كأنها غطست بمحلول معقم ، وكان علينا أن نعتاد الرائحة ، لم تكن تلك البطانيات ذات نفع كبير أيام الصيف ، وفي الشتاء لا تقينا البرد .
ثنيت إحدى البطانيتين وجعلت منها فراشا ضيقا ، ورحت أنام على جنبي ، وحين أريد أن أتقلب من جنب إلى آخر ، أنهض من نومي لكي لا أفسد الثنيات ، وكنت كلما فعلت ، خصوصا في البداية ، إرتطم رأسي بالسقف .
كنت ألتحف بالبطانية الأخرى مستنشقا رائحة المعقم التي تسبب لي أوجاعا غريبة في الرأس ، كانت بطانيات مسمومة .

كم راودني إحساس ان الأرض ستنشق وتبلعني ، كان كل شيء محسوبا بدقة ، إذ يحق لكل منا خمسة ليترات من الماء يوميا ، من أوحى اليهم بهذا الرقم ؟ الأرجح ان الأطباء قد أشاروا عليهم بذلك ، وبأية حال فلم يكن الماء صالحا للشرب تماما ، كنت أمتلك كرازا من البلاستيك أسكب فيه الماء وأدعه يوما كاملا ليرسب ، وقد تجمعت في قعر الكراز طبقة من الوحل والقذارات اللزجة .
  #4  
قديم 29/03/2003, 02:54 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
في الجناح ب كنا ثلاثة وعشرين نفرا ، وكل نفر منا في زنزانة ، الى جانب الثقب المحفور في الأرضية لقضاء الحاجة ، كان هناك ثقب آخر ، فوق باب الحديد لإدخال الهواء ، ما عادت لنا أسماء ، ما عاد لنا ماض أو مستقبل فقد جردنا من كل شيء ، ولم يبق لنا سوى الجلد والرأس ، ليس جميعنا ، فارقم (12) كان أول من فقد عقله ، وسرعان ما أصبح لا مباليا ، أحرق المراحل ، دخل سرداق الألم الكبير تاركا رأسه أو ما تبقى منه عند باب المعسكر ، وزعم البعض أنه رآه يوميء وكأنه يخلع رأسه ثم ينحني ليطمره بين صخرتين ، دخل طليقا ، لا شيء يمسه ، يحادث نفسه بلا إنقطاع ، حتى عند نومه كانت شفتاه لا تكفان عن التمتمة بكلمات غامضة .

كان من المستحيل أن يسكته شيء خلال النهار ، كان هذيانه يجلب لنا بعض الطمأنينة ، فقد كنا لا نزال قادرين على ردة الفعل ، على الرغبة في سماع كلام منطقي ، عبارات تحثنا على التفكير أو الإبتسام أو الرجاء ، كنا نعلم أن (حميد) قد أصبح في مكان آخر ، أنه غادرنا ، وأنه ما عاد يبصرنا ، وما عاد يرانا .
كان حميد على نحو ما مستقبلنا المحتمل ، حتى وإن رددوا على أسماعنا ، أن المستقبل فيما يعنينا لم يعد موجودا ، فمن المحتمل أن يكون أطباء قد عمدوا إلى حقنه بالخدر لكي يصبح مجنونا ، ثم أوفدوه إلينا كمثال حي على ما ينتظرنا ، مثل هذا الأمر محتمل ، لأنه خلال الأشهر التي قضيناها في الأقبية نكابد كل صنوف التعذيب ، فقد بعضنا الحياة ، فيما آخرون مثل حميد فقدوا عقولهم .
  #5  
قديم 31/03/2003, 07:49 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
بعد أن أمضينا سنة في تلك الحفرة ، كان السؤال الذي يحير كل واحد منا : ( دور من منا الآن ؟ ) وكانت لي ترجيحاتي الخاصة ، ذلك أن أدريس مصاب بمرض في العضلات والعظام ، ولم يكن واردا في الأصل أن يكون بيننا ، بل كان من المفترض أن ننزله في المستشفى العسكري في الرباط ، لكن آمر الفرقة نسيه ، فكتب عليه أن يقتاد معنا ليموت في هذا السجن ، تحت الأرض .

كانت ساقاه النحيلتيان قد التوتا والتصقتا بصدره ، ورقت كل عضلاته ، كان عاجزا حتى عن رفع يده ، فسمح لي الحراس أن أطعمه بيدي وأن أعينه على قضاء حاجته ، لم يكن قادرا على المضغ ، فأمضغ الخبز وأزقمه في فمه لقمات صغيرة متبوعة بجرعة ماء ، وكان يحصل له أن يشرق وهو عاجز عن السعال فيحني ظهره واضعا رأسه بين فخذيه ويتدحرج على الأرض ، لكي يسلك الماء فتحة المريء ، وقد بلغ به النحول حدا جعله أشبه بعصفور فقد ريشه ، لم أستطع أن أرى عينيه جيدا ، فلا بد أنهما كابيتان ، خاويتان ، ينام مقرفصا ساندا رأسه الى الجدار ، داسا يديه تحت قدميه ، وكانت قعدته على هذا النحو تستغرق منه وقتا وجهدا ، لكنها الوضعية التي تتيح له أن ينام من دون أن يشعر بأوجاع مفاصله ، ثم شيئا فشيئا ، راح يفقد ملكة النطق ، وكان عليّ أن أخمن معنى لغمغماته ، كنت أعلم جيدا أنه يطلب لنفسه الموت ، غير أني لم أكن قادرا على مساعدته في ذلك ، فلو ملكت عندها قرصا أزرق يريحه ، ربما أعطيته إياه .

في أيامه الأخيرة كان يرفض أن يتناول طعاما فشعرت بأن الموت قد حل في عينيه ، حاول أن يقول لي شيئا ، ولعله تلفظ برقم ما ، وحسبت أنه الرقم أربعون ، اقلظاهر أن الموت يساغرق أربعين يوما ليحل في الجسد بأكمله ، أما في حالته هو ، فقد أستغرق الأمر أقل من ذلك .



عانيت الأمرين لكي أغسله ، فقد أحدثت الركبتان المنثنيتان تجويفا في القفص الصدري ، وأنغرزت الأضلع في المفاصل ، وصار من المستحيل بسط الساقين أو الذراعين ، كان جسمه كرة بارزة العظام ، وزنه أقل من أربعين كيلو جراما ، تحول الى شيء غريب ، صغير ، وفقد كل صفة بشرية ، لشد ما أورثه المرض من تشوهات .
  #6  
قديم 31/03/2003, 07:53 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
بينما كنت مستغرقا في أحلام يقظتي فتح حارسان باب زنزانتي وأندفعا نحوي ، وما لبثا أن أدخلاني في جراب واسع ، وراحا يجرجران الجراب بإتجاه الباب الخارجي ، كنت أركل الهواء برجليّ ، وتكتم صرخاتي التعليقات التي كانا يتبادلانها :

( أما هذا فسندفنه حيا ، فقد يلقنكم هذا حسن السلوك )



وراح المعتقلون يزعقون ويضربون الأبواب بجماع أياديهم ، ورحت أتخبط بكل ما أوتيت من قوة داخل ذلك الجراب المصنوع من مادة متينة ، وأوتيت من سرعة الخاطر ما جعلني أتلو الفاتحة وقد حباني ذلك بقوة غير معتادة ، كنت أصرخ بالآيات حتى أسكت الجميع ، فما كادا يصلان الى آخر الممر حتى أفلتاني وسمعت أحدهما يقول لرفيقه أنهما اخطآ

- لا لقد أنجزنا المهمة

- لكن القمندار أصر على أن يحفر هو قبره بيديه

- لا إنها مجرد صورة ، فالمطلوب فقط أن نخيفهم

- لا أعتقد ذلك

- بلى ، ليست لدينا أوامر بالقتل إلا في حالة الشروع في الفرار

- يا أحمق ، هذا ما كان ينبغي لنا أن نفتعله

- لا ، أنت لا تفهم شيئا

- حسنا ستتضح الأمور لدى القمندار



بينما كانا يواصلان الشجار كنت أواصل قراءة القرآن ، ثم فتحا الجراب وأعاداني الى زنزانتي .



لما عدت الى إنفرادي استبد بي ضحك وقهقهة عصبيات ، لم أقدر على أن اتمالكهما أو أن أخفف من حدتهما ، جعلت أضحك وأضحك ضاربا الأرضية بقدمي ، فقد كنت أعلم أنه مجرد إستفزاز ومحاولة لإرهابنا .



كانت كتفي الأيمن تؤلمني ، والأرجح أني صدمتها بحجر ما خلال تخبطي في الجراب ، لقد أعطيت لهم الصلاحية المطلقة في التصرف معنا ، وبنا ، فما الذي يحول دون عودتهم مجددا لإقتياد واحد منا ، والتظاهر بأنهم يهمون بتصفيته ، أو رميه في حفرة ما .



ربما كانن لسجانينا لائحة عددت فيها طرق سوء المعاملة التي ينبغي أن يخضعونا لها بحسب أمزجتهم ، ولكن ما أثار إستهجاني ، أني فوجئت بعد ذلك بأيام فليلة ، بالحارسين المذكورين يطرقان باب زنزتنتي راجيين ألا أحقد عليهما

( الحقيقة أنه حصل خطأ ما ، فعندما يمرض شخص أم يموت تصدر لنا الأوامر بالتخلص منه ، ولذلك إسمع هذه النصيحة : لا تمرض ، أما اذا مت فالأمر بينك وبين الله ، وبأيه حال ، بمرض أو بدون مرض فلا أحد يخرج من هنا حيا ‘ فلصالحك اذا أن تبقى في صحة جيدة ) .
  #7  
قديم 03/04/2003, 09:53 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
كان البرد عدونا اللدود ، يهاجمنا بثبات فيصيبنا اما بالرعدة أو بالإسهال ، ولا مجال لتفسير ذلك ، في العادة البرد لا يسبب إسهالا ، لكن الخوف هو الذي يسببه ، وعندما يحل البرد الشديد كانت أيدينا تستحيل قطعا من الجماد ، ومفاصلنا أيضا ، فلا نعود قادرين على فركها ، أو حتى تحسس وجوهنا بها ، ويسري فينا يباس الجثث ، واذاك ينبغي أن نقف ، فكنت أنهض محني الكتفين ، مطاطيء الرأس ، وأحيانا أبقى مقرفصا وأسير في زنزانتي متتبعا خط الزاوية ، كان البرد الشديد يمنعني من التفكير ، ويسمعني صوت أصدقائي مثل سراي يترائى لتائه في الصحراء ، كان البرد الشديد يمحو كل أثر ، كأنه ثقاب كهربائي يحدث ثقوبا في الجلد ، ولا تسيل دماء ، لأن الدماء جمدت في العروق .
المهم الا تغمض عينيك ، ألا تنام ، فمن يزين لهم وهمهم أن يستسلموا للنعاس ، يموتوا في غضون ساعات ، إذ تتوقف دورة الدماء في الشرايين ، فتجمد ، ويحل الصقيع في الدماغ وفي القلب ، فلكي نقاوم البرد الشديد ينبغي أن نبقى متيقظين ، أن نحرك أقداما وأن نتنطط في مكاننا ، أن نتكلم ، أن نحدث أنفسنا ، أن نتغافل عن وخزه ، أن ننكر وجوده ، أن نرفضه
  #8  
قديم 05/04/2003, 06:53 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
يقال في وصف القهوة الرديئة انها " زوم جوارب " ولطالما أستخدمت ذلك التشبيه في أيام إعتقالنا الأولى ، لكنها لم تكن صحيحة ، فنقيع الجوارب له طعم ورائحة كريهان بالطبع ، لكنه قابل للشرب ، وحتى أن يستزاد منه ، وما كان يقدم لنا في الصباح على أنه قهوة من ماء فاتر ممزوج بمادة نشوية محمصة مطحونة ، يستحيل أن نعرف ما هي بالضبط ؟ بقي السؤال محيرا إذ تحل في المعدة كعقار خاص للتسبب بالغثيان والقيء ، أتكون سائل الحقنة الشرجية ؟ أم مزيجا من بول الجمال وبول قائد المعسكر ؟ كنا نبتلعها من دون أن نسأل أنفسنا ما هي بالضبط ؟

الخبز ، بلى كانت لنا حصة من الخبز الأبيض مثل حجر الكلس ، كانت بمثابة الحد الأدنى من السعرات الحرارية لكي لا نموت جوعا ، وكم تخيلت طبيبا منكبا على حساب عدد السعرات التي نحتاج اليها ، كان الخبز على شاكلة عجلة سيارة ، قاسيا ، سميكا ، وبلا طعم ، وأقسم لو أن أحدا يجيد رميه لتمكن من قتل من يصيبه به ، كان خبزا من إسمنت ، لا يمكن قطعه ولا حتى كسره ، لا يمضغ بل يقضم قضما ، وبما أن معظمنا كان يعاني ألم أسنانه ، فقد كان تناول ذلك الخبز منة إضافية ، وكان بعضنا يحتفظ بزوم الصباح لينقع به حصته من الخبز ، أم البعض الآخر فيكسره الى قطع صغيرة ويسكب فوقه عصيدة النشويات اليومية .

النشويات صباحا ومساء ، مثل وصفة طبيب ، لا سبيل لتغييرها ولا لتنويعها ، إذ ينبغي أن يعتاد الجسم النشويات نفسها حتى الموت ، خبز يابس ، ونشويات مطبوخة بالماء ، بلا بهارات وبلا زيت ، ومرة واحدة في الأسبوع تطبخ بشحم الجمل ، رائحة حريفة لا تطاق ، ولكني ألتهم ما بطبقي سادا منخري .

على هذا النحو أمضيت ثمانية عشر عاما ، وبالضبط ستة آلاف وستمائة وثلاثة وستين يوما ، لا أطعم الا النشويات والخبز اليابس ، لم أعرف اللحم ، لم أعرف السمك ، وينبغي ألا أقول أطعمت بل أبقيت على قيد الحياة .
  #9  
قديم 06/04/2003, 12:28 PM
سراب الغريب سراب الغريب غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 13/02/2001
الإقامة: {عند أقصى بعد للنظــر}
المشاركات: 5,992
السلام عليكم ،،،،

أخي الحبيب الصقر الذهبــي .. لا اراك الله مكروهــاً في حياتك قط ، و لا في حياة كل المسلمين .. آمين ،،،

و الله كم في السجون من مظاليم ، كم في السجون من أوناس حرموا أقل ما يمكن أن يسمى بالإنسانية ، وما ذكـرته قليل من كثير من مظاهر التعذيب و الحـرمـان و البؤس و الإنقطــاع ،،،

يتجسد أمام ناظري أولئك الذي رمــوا في السجن لأشهر أو لسنوات ظلماً و قهراً دون جرم أو خطيئة ،،،

و إن كان هناك ثمة من يخالفني في مفهوم الخطيئـة ،،،

أصبحت الحريات خطيئة .. أصبح الدين خطيئة .. أصبح الحق خطيئة .. أصبح الجهاد خطيئة ،،،

المصيبة الكبرى .. عندمــا يكون السجان هو من بني جنسك ، من لحمك و من دمك ، قد يكون أخوك أو إبن عمك .. قد يكون يملك جوازاً أحمـراً مثلك ..!!!!!!

أولئك المتربعين على نعوشهم الهزيلة ، و الذين يحملون ضربات السجــان بــدل أن يحملــوا إلى المقابر بــأمان ،،،

فيالله من هكذا زمــــان ،،،

عجزت الكلمات ، و جف اللسان و البيان ،،،

فما عاد الأمــل يرتسم للوجوه ،،،

تحياتي لك ،،،

آخر تحرير بواسطة سراب الغريب : 07/04/2003 الساعة 02:40 PM
  #10  
قديم 07/04/2003, 08:03 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
أخي العزيز سراب الغريب
شكرا لك على هذه المساهمة والتي رفعت من معنوياتي المحبطة ، فأحيانا أظن بأن لا أحد يقرأ ، وأني أتعب نفسي هكذا من غير ما فائدة
  #11  
قديم 07/04/2003, 08:48 AM
شقيص شقيص غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 22/02/2001
الإقامة: السراب وراحتي برحلة غياب
المشاركات: 1,353
أخي الصقر الذهبي ،،

لا تيأس ، فكم هي ثمينة مساهماتك الرائعة ، وأحسدك على ملكة القراء التي تتقنها وتملك زمامها كما يبدو

أنا راقب وأطلع على ما تكتب بشكل دائم ،، وربما في كثير من الحالات لا أملك ما يمكن أن يقال ، وأعجز عن التعبير بقدر المساهمة ، فأتحرج عن الميل إلى أسلوب المدح والشكر والتقدير ،،


أما هنا فأجد المقام ميال إلى ذلك فلك مني التقدير والمحبة
  #12  
قديم 07/04/2003, 02:38 PM
سراب الغريب سراب الغريب غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 13/02/2001
الإقامة: {عند أقصى بعد للنظــر}
المشاركات: 5,992
اقتباس:
الرسالة الأصلية كتبت بواسطة الصقر الذهبي
أخي العزيز سراب الغريب
شكرا لك على هذه المساهمة والتي رفعت من معنوياتي المحبطة ، فأحيانا أظن بأن لا أحد يقرأ ، وأني أتعب نفسي هكذا من غير ما فائدة
أخي الكريم ،،،

ربما تقزمت الكلمات المعبرة لكثير من الناس ، فلم يقدروا أن يعبروا عما يجول في خاطرهم ،،،

فلا تلمهم .. فاختيارك للقصص لها وقع على القلوب ،،،

لا تنسى بأن الناس لهم أحاسيس
  #13  
قديم 21/04/2003, 10:37 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
كنت قد أصبحت خبيرا في أمور العقارب ، أعرفها ولم يسبق أن درستها من قبل ، أعرف كيف تنتقل ، والدبيب الذي تحدثه في تنقلها ، وفي أي حرارة تلدغ ، واين يروقها أن تختبيء ، وكيف تخدع خصمها
كل ذلك أدركته بالحدس ، في كنف العتمة حيث كنا نحيا ، لم يكن بوسعنا ان نراها ، ظهرت للمرة الأولى في ذلك الصيف ، لم تأت من تلقائها أو بمحض المصادفة ، فالضابط هو الذي أطلقها في الحفرة ، كنت واثقا من ذلك ، وإلا فكيف أمضينا خمس صيفيات متتالية من دون أن نلمح إحدى هذه الحشرات المريعة ؟
ولكن كيف استطاع ذلك الرجل فعل ذلك ؟ ذلك أني لا أعتقد مهما اسأت الظن ، أن عقيدا أو جنرالا قد يعقد اجتماعا مع ضباط أركان آخرين لإصدار أمر لأحد مرؤسيه بأن يذهب لالتقاط العقارب وإطلاقها في حفرتنا ، لا ، مثل هذه الفعلة قد تكون بمبادرة شخصية ، ضابط الصف ذاك – لا بد من أنه برتبة رقيب أول – كان ينتقم منا ليس حبا بالنظام الملكي ، بل حقدا على رؤسائه الذين نفوه الى تلك المنطقة النائية لحراسة موتى أحياء ، أو بالأحرى لحراسة ناجين محكومين بالموت البطيء

كما قال لنا كريم ، يجب ان نعد أنفسنا للأمر ، عقدنا إجتماعا بعد وجبة النشويات المسائية ، لبثنا واقفين ، كل في زنزانته ، أما أنا فلبثت منحنيا بسبب طول قامتي ، الرقم (21) واكرين الودود أخبرنا بأنه كان يلهو باصطياد العقارب في طفولته في ( تفراوت ) وهي منطقة حارة شديدة الجفا ، وأخبرنا بأن العقرب حشرة غادرة لكنها ليست ذكية ، وأنها تحب أن تتشبث بالحجارة ، لكنها إن وقعت لدغت .

كان محقا فيما قال ، إذ ينبغي أن يحل صمت ، لا بل صمت مطبق ، لكي نعرف المكان الذي تنتقل فيه العقارب ، ما دمنا نسمع دبيبها فنعلم يقينا انها فوق رؤوسنا ، واذا وقعت كان علينا أن نقدر ، من جلبة سقوطها الجهة التي أصبحت فيها لكي نبتعد عنها ، ولكي نفلح في ذلك ينبغي الا ننام ، وصديقي حسين لدغ حين غلبه النعاس ، رحنا ننادي الحراس بأعلى أصواتنا ولكنهم لم يأتوا الا في الصباح .
  #14  
قديم 24/04/2003, 10:12 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
وهذه بعضا من المقالات التي أرتبطت بموضوع هذه الرواية

كتابات من داخل سجن (تازما مارت)
المغرب ومذكرات الذهاب والإياب إلى الجحيم!!

يبدو ان المملكة المغربية مقبلة على عهد جديد بعد سنين طويلة من المكابدة والعناء والسجون المظلمة والاغتيالات السياسية، والاعتقالات العشوائية، واختطاف المعارضين وتغيبهم عن صفحة الوجود، وبدأ المعتقلون السياسيون الذين سجلوا التاريخ بالعذاب والألم بدأوا يتحدثون عن تلك الفترة القريبة والمظلمة من حياة المغرب العربي، ولعل الذي شجعهم وشجع الكثير من الأدباء المغربيين من كشف المستور عن تلك الفترة المؤلمة، ويشرحوا أبعاد المصائب والعذابات التي لحقت بأولئك الذين كانت لهم آراء سياسية ومواقف أكثر صلابة في مواجهة التعنت السلطوي هو الانفتاح السياسي الذي تشهده البلاد منذ مجيء الملك محمد السادس إلى السلطة وتعهده بإقرار الحرية والتعددية السياسية، ويقول المراقبون السياسيون ان التطورات السياسية التي عاشتها المغرب خلال السنوات القليلة الماضية أتاحت الفرصة أمام العديد من الكتاب المغاربة لنشر مؤلفاتهم التي تروي أدق تفاصيل التعذيب والقهر الذي تعرضوا له أو تعرض له آخرون في السجون والمعتقلات المغربية.
وقد تناولت معظم الكتابات: الحياة داخل سجن (تازما مارت) الرهيب الذي شهد تعذيب ومقتل العديد من نزلائه فهذا المعتقل بني وسط الصحراء المغربية في قلعة عسكرية لا يستطيع أحد حتى في التفكير في الهروب منه لأن الصحراء ستتلقفه وتبتلعه وتقبض روحه التي فر بها من ذلك السجن الرهيب.
وفي إحدى الدفعات نقل إلى ذلك السجن في عام 1973 (28) معتقلا متهمين في محاولتين انقلابيتين وقعتا في المغرب عامي 1971 ـ 1972م وكان الحكم المغربي ينفي وجود مثل هذا المعتقل في البلد إلى أن تم العفو عن الناجين في ذلك السجن وتم إطلاق سراحهم في عام 1991م وبدأت تنتشر وتطبع الكتب التي تكشف جانبا من الحياة داخل ذلك المعتقل.
وكان على رأس هؤلاء الكتاب (محمد الرايس) الذي كان ضمن المجموعة الانقلابية، وقضى أكثر من 18 سنة في سجن (تازما مارت) وأصدر كتابا بعنوان (من الصخيرات إلى تازما مارت: مذكرات ذهاب وإياب إلى الجحيم) ويروي الرايس في هذا الكتاب تفاصيل الحياة والعذابات التي رآها في تلك الأيام الصعبة ويؤكد الرايس في هذا الكتاب ممارسة مسؤولي السجن التعذيب كوسيلة للحصول على المعلومات وقال الرايس انه (كان القتل بعد التعذيب هو المعتاد في ذلك السجن) وهو بذلك يشير إلى أنه عادة يؤدي التعذيب إلى مقتل المعتقل السياسي وأصدر الكاتب (أحمد المرزوقي) كتابا يحمل عنوان (تازما مارت.. الزنزانة رقم 10) ويروي فيه تجربة لأحد المعتقلين الذين توفوا في تازما مارت تحت سياط التعذيب والمرزوقي يلخص نفس التجربة أي من (الصخيرات) حيث مكان المحاولة الانقلابية إلى سجن (القنيطرة) إلى ان اختطفوا في إحدى ليالي عام 1973 ليجدوا أنفسهم في قلب الصحراء في ثكنة عسكرية ثم عرفوا بعد مدة أنهم معتقلون في سجن (تازما مارت).
ووسط الغزارة في الإنتاج الحر عن الحياة في المعتقلات والسجون تأتي رواية الكاتب المغربي الكبير الطاهر بن جلون بعنوان (هذا الغياب الأعمى للضوء) وهي رواية تحكي قصة (عزيز بنبين) أحد الناجين من معتقل تازما مارت والرواية قد صدرت متزامنة مع (الزنزانة رقم 10) لأحمد المرزوقي.
وفي نفس الفترة ظهر إلى الوجود كتاب جديد هو (العريس) وكان مؤلفه (صلاح الوديع) وهو من المعتقلين السياسيين السابقين وانطلق الكاتب في عمله من حلم والدته الشاعرة المغربية (ثريا السقاط) بنشر رسائل زوجها (الوديع الأسفي) وابنيها صلاح وعزيز التي كانت تصلها من مختلف السجون حيث كان يعتقل الأبناء والزوج وحلمت ثريا ان ترى هذا العمل كتابا إلى أن حقق (صلاح) حلم والدته بنشر كتاب (العريس) وقد ترجم الكتاب إلى اللغة الفرنسية بعد أن طبع لثلاث مرات باللغة العربية، ثم أصدر عزيز الوديع شقيق صلاح الوديع ديوانا تحت عنوان (سرقنا ضحكا) وهو ديوان شعري يكشف فيه صاحبه تجربته داخل معتقلات المغرب.
ونصل إلى كتاب آخر نشره بالفرنسية (جواد مريدش) حول الغرفة المظلمة التي قضى فيها جواد بعض سنين عمره وقد نشره تحت عنوان (الغرفة المظلمة أو درب مولاي الشريف) ودرب مولاي الشريف هو اسم لمعتقل سري في الدار البيضاء كان المعارضون السياسيون ينقلون إليه بعد اختطافهم من قبل رجال المخابرات المغربية ويقضون مددا طويلة خارج دائرة القانون.
ولم تقتصر الكتابة في المغرب حول أدب السجون والمعتقلات على الرجال فقط بل للنسوة أيضا دور آخر في اثراء هذا الجانب وقد انفردت (فاطنة البويه) بالكتابة في شأن الاعتقالات النسوية وتحدثت عن تجربتها إذ تشرح فاطنة في كتابها (حديث القمة) تفاصيل وظروف اعتقالها من قبل الأجهزة الخاصة وتحدثت عن بداية اختطافها من بيت صديقتها بالرباط حيث فوجئت بزوار الليل الذين نقلوها إلى مركز الشرطة ثم إلى المحكمة ثم إلى السجن.
من المؤكد ان هذه الرواية وغيرها ستشجع معتقلين آخرين على البوح عما رأوا بأم أعينهم في السجون والمعتقلات المغربية التي احتضنت في قلبها المئات من المعارضين السياسيين الوطنيين والإسلاميين، الذين لم يستطيعوا ان يقولوا كلمتهم حتى الآن، وقد تهيء السلطات الحاكمة فرصة أفضل لكل المعتقلين الذين أطلق سراحهم وأولئك الذين حتى الآن يقبعون في السجون ان يعبروا ولو بالكلمات عن معاناتهم وآلامهم التي واجهوها في المعتقلات المغربية.
السلطات المغربية تتبع سياسة متوازنة مع أكثر التنظيمات والأحزاب السياسية، إلا أنها تبدو أكثر تشددا مع الاتجاه الإسلامي الذي تقوده جمعية العدل والإحسان التي اعتقل الكثير من أعضائها بسبب قيامهم بتظاهرات غير مرخصة نفذوها بمناسبة الذكرى 52 للإعلان العالمي لحقوق الإنسان وقد اعتقل في تلك الحادثة أكثر من 800 شخص وقد أفرج عن الكثير منهم فيما بعد الا ان إحدى المحاكم في الدار البيضاء أدانت 22 منهم وحكمت عليهم بالسجن لمدة عام إلا ان محكمة الاستئناف خفضت ذلك الحكم إلى شهرين مع وقف التنفيذ.
وعلى الرغم مما تشهده البلاد من انفتاح سياسي الا ان هذا الانفتاح لم يشمل وللأسف الجماعات الإسلامية التي تتمتع بشعبية كبيرة في المغرب، فما زالت جمعية العدل والإحسان محظور عليها العمل السياسي، في الوقت الذي تتمتع فيه الأحزاب الشيوعية واليسارية والليبرالية بحرية العمل والنشاط السياسي وتساهم الآن بشكل فعلي في إدارة شؤون الدولة.

يونس الموسوي
  #15  
قديم 18/01/2004, 01:12 PM
البسيوي البسيوي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 15/03/2001
الإقامة: مسقط / بسياء
المشاركات: 4,060
تلك العتمة الباهرة

إنه تعبير ساحر من الكاتب المغربي الطاهر بن جلون في وصفه لسجن تزمامارت. حيث الحياة في حفر تحت الأرض دون نور لمدة ثماني عشرة سنة. والرجل الذي دخل الحفرة المظلمة هو (عزيز). ومات من 23 شخصا ثمانية عشر في ألف ميتة. وكانت التعليمات أن يموتوا أشنع ميتة وفي أطول فترة احتضار ممكنة. ونفتح الكتاب فنقرأ فصول الموت فصلا فصلا.

وتحت ضغط الألم قام الكاتب (بن جلون) فسطر الرواية بحزن ودموع فأدخلنا الصدمة. ويبدو أن هناك أماكن كثيرة لجهنم كما قال والد (جيفري لانج) في كتاب (حتى الملائكة تسأل) حينما سأله الطفل: هل يعتقد بالجنة والنار؟ فأجاب بعد طول سكوت أما الجنة فلم أرها ولكن يقينا توجد جهنم وفي أماكن منوعة. ولكن ما يقلب الميزان هو ما رواه (كولن ولسن) عن الجنة في كتابه (الإنسان وقواه الخفية) أن كل معاناة الدنيا لا تساوي لحظة من نعيم.

وينقل الرجل عن الروائي الروسي (ديستوفسكي) عن ذلك الملحد الذي عوقب بالسير مليار ميل فلما دخل الفردوس شهق وقال: "إن خمس دقائق يقضيها في الفردوس تستحق أن يسير عشرة أضعاف ما ساره بالفعل" ويعقب كولن ولسن فيقول: "إننا مفصولون عن المعنى بحائط من رصاص وفجأة يبدو وكأنه اختفى وأننا فجأة مغمورون بالمغزى اللانهائي للأشياء" وهذا الإحساس الصوفي يجعل أي مجهود يستحق العناء "إنه الإحساس بالمعنى الذي يدفع الإنسان أن يبذل الجهود اللازمة من أجل الارتقاء". وعندما خرج في النهاية خمسة أشخاص كانوا قد تساقطوا أشلاءً فمنهم من مات بالجنون أو انحباسا في مصرات البول والغائط أو بالعكس غرقا في برازه بالإسهال أو لدغا بقبيلة كاملة من العقارب أو الغانغرينا أو مشنوقا بيده أو بالسل اختناقا بالسعال أو بالموت تجمدا في برد الصحراء أو بالعكس بالتخمة فبعد ثماني عشرة سنة من الحرمان كلفت التهام وجبة اللحم حمى وهذيان قادت إلى الموت. أو التهمته الصراصير بكل بساطة. ومن أعجب ما سجن *** أغضب القومندار فحكمه بالسجن خمس سنين ولكنه لم يصمد أكثر من شهر فمات في بوله وبرازه ينبح.

وأفظع شيء كانت الذكرى، فلم يكن بد لطردها من ضرب الرأس بالجدار حتى يفرغ الرأس من كل ذكرى إنسانية. ولما خرجوا كان أحدهم يتكئ على الحائط والثاني على أربع مثل الزواحف. ولم يستطع عزيز أن ينام على فراش ولم يرتح إلا على أرض صلبة وعندما انتصب كان يحدق في وجهه لأول مرة وقد وهن العظم منه وفقد نصف أسنانه وبحدبة في الظهر فهو ينتصب لأول مرة منذ عشرين سنة. وفور خروجهم من السجن أحيل السجن إلى كثيب مهيل بالجرافات فدفنت الذكريات مع عقارب الصحراء. وزرع النخل في محله فرفض فاستبدل بالسنديان. فموضعه الآن غابة من شجر السنديان. وأعطي اسم بتلات الورد. وتمكن المجرمون من محو آثار الجريمة مع محو المكان، وأما من الذاكرة فهي باقية إلى يوم يبعثون. ويمر الناس من حين لآخر فيشعلون الشموع على تلك الأرواح المعذبة التي ودعت الحياة من أضيق شق.

وما هو أفظع من الفظاعة نفي وقوعها. فمن هو الصفيق الذي يقول إن فظاعات حدثت في تزمامارت وتدمر وسجن غريب وليمان طرة؟ وفي النهاية اجتمع عزيز بوالديه فأما والدته فكانت تحتضر بالسرطان وتقول له: لا تحدثني يا بني عن تزمامارت فأنا أعرف كم يؤذي البشر بعضهم. وفي النهاية لم يبق من السجن الحفرة سوى غابة سنديان ويقولون إنهم سوف يغيرون اسم البلدة. ولكن أهم ما خرج به عزيز أنه تحرر من الكراهية ولا يحمل في قلبه ذرة حقد لأحد فقد صعد فوق مشاعره الشخصية وتطهر. إنها صفحات سوداء في سجل الخزي العربي يجب أن نحفظها ونتذكرها ونرويها لأبنائنا. والويل لأمة لا تعرف تاريخها.

خالص جلبي
الوطن السعودية
  #16  
قديم 19/01/2004, 12:33 AM
العنيد العنيد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 06/12/1999
الإقامة: البويرده
المشاركات: 1,148
اهلا اخي البسيوي


سمعت عن هذه الروايه كثيرا

وبحثت عنها كثيرا


للاسف لم اجدها ..


يقولون انها في غاية الروعه ....


احسنت على المقال .
  #17  
قديم 19/01/2004, 07:15 AM
البسيوي البسيوي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 15/03/2001
الإقامة: مسقط / بسياء
المشاركات: 4,060
السلام عليكم ،،

أهلا بك أخي العنيد .. أشتريت الرواية من مكتبة ركن الكتاب بالخميس بلازا .. ربما تكون هناك نسخ متبقية بعد .. سأعود للحديث عن الرواية ريثما تسنح لي الفرصة.

شكرا على المرور
  #18  
قديم 19/01/2004, 07:28 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
كنت منذ زمن قد كتبت عن هذه الرواية في قرأت لكم

وهذا هو رابط الموضوع

http://om.s-oman.net/showthread.php?s=&threadid=62988
  #19  
قديم 19/01/2004, 08:24 AM
البسيوي البسيوي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 15/03/2001
الإقامة: مسقط / بسياء
المشاركات: 4,060
السلام عليكم ،،

شكرا لك على التنبيه أخي الصقر الذهبي .. قمت بدمج الموضوعين لتعم الفائدة
  #20  
قديم 21/01/2004, 12:02 AM
العنيد العنيد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 06/12/1999
الإقامة: البويرده
المشاركات: 1,148
اقتباس:
Originally posted by البسيوي
السلام عليكم ،،

أهلا بك أخي العنيد .. أشتريت الرواية من مكتبة ركن الكتاب بالخميس بلازا .. ربما تكون هناك نسخ متبقية بعد .. سأعود للحديث عن الرواية ريثما تسنح لي الفرصة.

شكرا على المرور

عفوا اخي الكريم البسيوي

لكن الم يغلق هذ الركن النابض..........زز
  #21  
قديم 08/07/2004, 07:44 AM
ملائكية ملائكية غير متواجد حالياً
عضو متميز جداً
 
تاريخ الانضمام: 11/07/2002
الإقامة: سبلة العرب
المشاركات: 4,203
بوركتم
 


قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 03:43 PM.


سبلة العرب :: السنة السابعة والعشرون
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.