![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
الموضوع المحرَّم ..قصة قصيرة ولدت في رحم التجربة
(اغلب قصصي هي نزيف داخلي..ويقولون أني صاحب الكتابات السوداوية ذات الطابع السياسي..وهو لون يراه البعض بأنه غير مرغوب فيه وأنه مستهلك _زعموا_
ألقيت هذه القصة في النادي الثقافي 17/9/2005وتعرض لها أستاذي العزيز القاص محمود الرحبي برؤية نقدية,كما تعرضت قصص زملائي الآخرين وفور تلقي خبر مشاركتي مع الكبارهناك فرحت كثير وشكل لي حافزا لمواصلة الكتابة في هذا الفن الرائع..وفعلا حققت عدة مراكز لقصص أخرى ..) الموضوع المحرَّم يداعب شفاه قصبة نحيفة مثقبة تكاد ثقوبها تنغلق بفعل غبار الزمن ، يترك آهاتها تسافر مع أثير حياة غريبة ... صوت طويل يخترق أشجار التلة وتتفتح أمام ناظريه مصاريع أبواب جنة تحمله إليها آهات هذا الناي العجوز على أجنحة غيمة بيضاء تتجاذبها رياح منتشرة ، يلج غابة لفراشات ربيعية حسان ... يرى تنهداتهن ،ينفجر من الضحك حينما تراوغ احداهن طفل يلهو مع اترابه، وما إن يقترب أكثر حتى يبتعدن بغنج ودلال .. سابحات نحو بستان آخر في التلة. أما هو فقد أخذ يراقب في صمت مشهد ولادة شمس جديدة خلف التلة, شردت نظراته إلى شيء بعيد ,إلى صديقه الذي ما تفتأ ذكرى وفاته تفارق خياله , كم سهرا معا على أنغام مذياع المقهى المجاور وهو يصدح بأغاني شعبية,كم جلسا في رحلة للبحث عن الوطن... ذلك الحلم الضائع. كانا يريان ذلك الحلم بعين الطفولة وعبث القدر كانا يرياه بيتا يحتضنهما كما يحتضن الآخرين ,وهناك في أعلى التلة كانا يغازلان السائحات الصغار’ ويتبادلان حكايات الفتيات المستعصيات في عمر كانا فيه صغارا لا يدركان شيئا من أسرار الأنوثة ,كانا يشاركان رفاقهما في أحتجاز صغار الخراف عند حلب أمهاتهن من قبل نساء التلة. في آخر ليلة التقيا فيها قال له في شرود:أليس عذابا أن تكون عربيا؟! لم يدري أن صديقه سيمضي إلى عالم آخر, فآخر مقالة كتبها هاجم فيها مسؤولا تفيل جيبه الأخرق بالمال. لم ينم أهل التلة في تلك الليلة؛لإن ذلك المساء هبط سريعا ,وثقيلا ,كأنه ينبىء عن خبر كئيب. لبسوا سواد الليل حدادا على حياة البؤس التي اعتادوا عليها, ولبسوا سوادا آخر حدادا على رحيل ابن تلتهم حسن. فقد كان بانتظارهم ليل تسرب في خيوطه الرفيعة الأولى دم ترامى فوق تلتهم كشلال تهاوت مياهه ... دم صديقه حسن,نعم فصلوا رأسه عن جسده وغادروا التلة في ربكة الفجر. اسفر الصبح عن جثة بجانب شجرة سقيت بدماء من كان يحمل لها الماء كل صباح غسلوه بماء الصبح ,ثم شيعه نحيب أهالي التلة البسطاء,وصار ثالث الأحجار والتراب. هكذا خرج صديقه من الحياة ، بعد أن أودع فيها رغيف خبز يابس وبساط ذهب لونه ,كتاباته كانت تتراقص على عزف العود وأغنية الوطن التي تعود أن يغنيها أهالي التلة والأطفال الذين كانوا ينتظرونه على قمة التلة في كل صباح. كانوا يقتطعون مقالاته ويلصقونها على واجهات المحلات وأشجار التلة,أينما تذهب تواجهك مقالة أو قصيدة له,كانوا يقدسونه وكأنه الراهب الذي يغفر لهم خطاياهم,كلماته كانت تبث أملا طريا تنسل من براثن غبشة مطعمة بحبات ندى ناعسة. خرج صديقه من الحياة ممتطيا صهوة جواد الحقيقة في حين يتأبط غيره أوراقا ملونة وملفات سياسية بيضاء مليئة بأخطاء لغوية وبتوقيع معكوس في أعلى الصفحة وشيكات بعملة رخيصة سرعان ما يحملها أحدهم إلى مصرف في بلاد معتدلة الجو يحلو فيه المصيف,حيث النساء يتمددن أمام البحر ويتركن أقدامهن لموج متخم بالشهوة الحمقاء ورؤوسهن لفضاء الشاطئ ورماله المتصدفة ,يأتي الموج المفتتن فيثير بأصابعه الطويلة كل خصلات شعورهن في محاولة لإشعال نار الغيرة في قلوب حوريات البحر المتمددات على صدفاتهن في قاع البحر.كان زمنه زمن الكتابة المسكونة بالاعتراف، أو هو الزمن الذي أفلت من قبضة الذاكرة يوماً وما عاد في حوزة التسبيح، ولأنه زمن المرارة لا بد من الخوض في المحرمات، المحرمات المنتشرة بيننا كالخوف. أما هو فقد امتهن الكتابة قبل أن تتهاوى شظايا دماء طاهرة على أغصان الزيتون في مكان مقدس رغم أذان أرض المعراج,رغم أنغام أجراس المهد والقيامة , وامتهنها بعد أن تتهاوت شظايا دماء أخرى على جريد النخيل على ضفاف الرافدين,حيث سقط صنم هناك,و كم من صنم يجب ان يسقط ,وهم منذ عهد اللات والعزى ,بل منذ عهد مناة الثالثة الأولى ,يستبدلونها بأخرى. ادخلته خطواته المتثاقلة إلى غرفة منزوية في بيته القابع على طرف يكاد ينهار من التلة ,انكمش في كرسيه الخشبي واختفى وراء نظارته السوداء, ليعود إلى ممارسة النوم في زمن اليقظة,ليكمل الحلم الطويل الذي يبدأ من أهداب عينيه ولا ينتهي أبداً. هي الشمس وحدها في الخارج, تحاول التزاور ذات اليمين تارة وتارة ذات الشمال. تحاول عينيه من الداخل مراقصة لمعة راجفة لمصباح تدلى من السقف يبعث نورا خافتا. يعبث بمذياع أصابته أنفلونزا الغبار, ,يتصاعد منه صوت مقهور ,صوت تشاؤمي ,يعلو تارة ,قبل أن يتصارخ: (انتظرنا خالداً..أو طارقاً..أو عنترة.. فأكلنا ثرثرة و شربنا ثرثرة.. أرسلوا فاكسا إلينا..استلمنا نصه بعد تقديم التعازي و انتهاء المجزرة!!.) (1) صوت حذاء يسمع " تك تك تك". ثمة شخص قادم لعلها الخادمة أم محمد جاءت بالجريدة فلقد سمع صياح باعة الجرائد في الخارج الذين اتوا بجرائد للمثقفين والناقمين على الحكومة والعاطلين عن العمل,صاح أحدهم "اقرأ حظك اليوم",لكن صوت ابنته ريم كن أسرع: "أبي ...أبي مقالتك التي نشرت بالأمس في الصحف عن الديمقراطية كانت رائعة ,أعجبت زميلاتي في الجامعة " نعم رائعة,كيف لا وهو الوحيد الذي تجرأ وأثار هذا الموضوع المحرم في أرض تتحدث العربية. التفت إلى ابنته وخلع نظارته "حقا",و هو يمسح الدموع التي زحمت عينيه ثم عاد ليمسك بقلم يكاد حبره ينفد , يكتب ويمزق. قالت في نفسها:"هل فقد أبي متعة الكتابة,أم أن ما يكتبه اليوم يستحق كل هذا التفكير والعناء؟" كومة من الأوراق الممزقة تجمعت بقربه ,كانت شاخصة بعينيها العسليتين إلى تلك الأوراق . ربتت على كتفه في حنان ,فضولها جعلها تسأله : وماذا تكتب الآن يا أبي؟ كان غارقا في صمت مشمع بالسكوت الثقيل ألتفت إلى ابنته بنظرات يأس وضيق ثم أشبع فضولها قائلا بابتسامة مصطنعة: "أكتب وصيتي" ت..م...ت ـــــــــــــــــــــــ 1- نزار قباني. |
|
مادة إعلانية
|
|
#2
|
|||
|
|||
|
اقتباس:
نهايه رائعه لقصة اجد كلمة رائع لا تعبر عن هذا الجمال المكنون في كلماتها
وقفت طويلا وأنا أتأمل هذا المفردات الرصينه وهذه التعابير الجزله تسمرت مكاني أمام هذا الإبداع الشاخص امامي بكل هذا الشموخ الغير متناهي سأكون من المتابعين لجديدك المبهر ... ... دمت بألف خير |
|
#3
|
|||
|
|||
|
(*)(*)
ياااااااااااه نشوة حزينة بحجم الألم ... تضج بالإبداع ... صور بلاغية نفيسة .. تشبيه ، استعارة ، مجاز ... ما أروعك ! مرحبا بشرف الجمال ...هنا (*)(*) |
|
#4
|
|||
|
|||
|
سلام من رب رحيم
الكاتب مبدع على ابتداءه، دقيق في وصفه جميل في سرده، ملهم في خاتمته أعاهدك أن أقرأ لك كلما رأيت لك أخوك الدوتشي ،،، مع التحية |
|
|