![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
للروائي اللبناني رشيد الضعيف رواية جميلة بعنوان «معبد ينجح في بغداد»، وهناك عدد من الروايات للدكتور غازي القصيبي، لعل واحدة منها ذات دلالة وهي «سحيم»، لكن ما علاقة «معبد» بـ «سحيم»... تلك قصة أخرى.
مساء الأحد السادس والعشرين من شباط (فبراير) الفائت كنت على موعد مع نخبة فكرية للمشاركة مع عدد من الزملاء لإحياء ليلة ثقافية على هامش معرض الرياض الدولي للكتاب الذي أقيم وقتها، وكان على المنصة الأستاذ تركي السديري والدكتور محمد عبده يماني، كلاهما أعلامي ومثقف له باع طويل في العمل الثقافي، وكان الموضوع شبه أكاديمي وهو «وضع الرقابة في عالم متغير» أعددت ورقة للاستعانة بها في الندوة ضمنتها ما تيسر من أمثلة وأفكار حول الموضوع المطروح، وكان الجمهور حاشداً، وبعد طواف مع زملاء في ذلك المعرض الذي اكتظت في جنباته كتب شتى من كل نوع، بدأت الندوة. تفاصيل الندوة وما حدث فيها من شغب تناولتها الأقلام، من شاجب لما حدث ومستفسر وغاضب أو مذهول، ولم أكن في روحية التعليق عليها لعدد من الأسباب، أهمها أني كنت ضيفاً، والضيف له حق المشاهدة وحدود في التعليق. وقتها قاطع المتحدثون بعض الإخوة الحاضرين والذين وجدوا أن ما يؤمنون به من اجتهادات في الحياة هي الحياة نفسها، كما كانت مداخلاتهم حادة وشخصية ومفرطة في اتهامات لا ترقى إلى عقل عاقل، ولم تكن لمعظم المداخلات علاقة بما قاله أحد على المنصة من المتحدثين من قريب أو بعيد. واختلف البعض في تفسير تلك الحدة والغلظة في الكلام في ذلك المساء. بقية القصة معروفة وهي أن الندوة بذاتها تحولت إلى هرج ومرج مما اضطر رئيس الجلسة الأستاذ تركي السديري أن يوقفها قبل أن تتحول الأمور إلى الأسوأ. بعدها بأسابيع نشر الدكتور محسن العواجي كلاماً مغلظاً ضد غازي القصيبي وأُخذ عليه ذلك الكلام رسمياً، ثم ترك لحال سبيله. وقرأ كثيراً منا ذلك المقال بفضل سرعة الانترنت التي يستخدمها لاعنو مبدعيها! والمقال الذي يستدعي فيه العواجي صورة «البرامكة» في العصر العباسي، وما اعتبره بعض المؤرخين المعاصرين لهم أو اللاحقين بأنهم «أي البرامكة» وخصوصاً يحيى البرمكي وأبناءه، قد اخذ الدولة العباسية إلى مسارات لم يكن يريدها الرشيد! استخدم الكاتب تلك الصورة ليعكسها «جزافاً» على شخصية إدارية وسياسية ومبدعة هي الدكتور غازي القصيبي، ليحمله كل الإصلاحات الحادثة ويلقي عليه تبعتها أيضاً، إذا كان الرأي هو حق لا ينازع إلا أن التشبيه قد خرج من معطف الرأي إلى مكان مشتبه فيه في التاريخ العربي/ الإسلامي. موضوع البرامكة في التاريخ العربي موضوع مختلف عليه، أولاً لأن أسباب حدوثه ليست يقينية، ولأن كثيراً من المؤرخين قدموا عدداً كبيراً من الأسباب المختلفة التي جعلت من البرامكة رجالاً غير مرغوب فيهم وقتها، إلا أن كثيراً من الأسباب التي تعرف لم يكن لها علاقة بالسياسة، أكثر مما لها علاقة بالتنافس ومؤامرات القصور في ذلك الوقت. ولعل الدكتور محسن لم يتبين أن تاريخنا يدعو تلك الحادثة بـ «نكبة» البرامكة، ولتقريب التشبيه فإن مؤرخي عصرنا يتحدثون عن «نكبة فلسطين» والنكبة هنا تعني ولا شك الأحداث الجسام غير المنتظرة وغير المستحبة، وهي أن تبعنا التحليل إلى نهايته، فيها الكثير من التعاطف الواضح. إذاً فالبرامكة لدى كثير من المؤرخين كانوا ضحية أكثر مما كانوا سبباً لمشكلات! ما هو الخيط بين مقال الدكتور محسن العواجي وبين أحداث الأحد السادس والعشرين من فبراير الماضي، الخيط الذي التقطته هو أن «النقد القاسي المغلظ شخصي بحت» لا يخرج عن موقف ذاتي ليصب في موقف موضوعي. أما الخيط الثاني فهو «إدانة وتبجيل في الوقت نفسه». فقد قال العواجي في صلب مقاله المذكور «ناقداً» القصيبي بأنه «لم يسجل له التاريخ الإصلاحي السعودي كلمة واحدة في اتجاه تفعيل دور المؤسسات المدنية والانتخابات أو حقوق الإنسان أو الفصل بين السلطات»ن ولو تفكرنا في هذه المفردات التي سردها الدكتور محسن العواجي، لوجدنا أنها مفردات «حديثة» و»إصلاحية» وفوق ذلك مفردات «غربية» بدا انه يدعو إليها بحماس، بدليل نقده لمن ظن انه تقاعس عنها. وفي الوقت نفسه وفي المقال نفسه يدين العواجي «من يعيشون بين ظهرانينا ويقدسون الحضارة الغربية حتى بعد أن تحطمت قيمها على جبال تورا بورا...»، إذاً ما هي تلك القيم التي يرغبها من مؤسسات مدنية وديموقراطية وحقوق إنسان وفوق ذلك كله فصل بين السلطات! إذا كانت تلك القيم قد تحطمت فماذا يبقى منها كي يطالب الدكتور محسن بها! حيرة «معبد» التي رواها رشيد الضعيف وقلق «سحيم» الذي سطره القصيبي يبدوان جليين في مقالة الدكتور محسن، وهما قلق وحيرة يبحثان عن مخارج، إلا أن الأدوات لم تنضج بعد لفصل الموضوعي عن الذاتي، لتحديد المشكلة واقتراح العلاج، عن طريق طرح الرأي والاستماع إلى الرأي الآخر. الصورة التي رسمها العواجي للقصيبي هي صورة مخلّة أن لم تكن ظالمة، ومعرفتي بالثاني تجعلني أرجح أنه كيّفها كرأي من بين آراء مختلفة تنقده، ولن تكون الأخيرة. إلا أن القضية المركزية ليست الفارق بين اجتهاد شخصين، وانما هي في تكييفها النهائي لطريقة نقاش وأسلوب طرح الاختلاف، يرى فيه البعض انه محق كل الحق فيما يدعيه، وغيره على خطأ بيّن. ولقد قال بعضهم في ندوة الأحد السادس والعشرين من فبراير أنهم «يعرفون الحق ويدافعون عنه» إلا أن السؤال: ترى من له الشجاعة اليوم لأن يقول أنه مصيب كل الصواب في رأيه الاجتماعي/ السياسي، وغير مخطئ كل الخطأ؟ أنها محاكم التفتيش والعياذ بالله. عدم التصالح مع العصر هو الذي يؤرق المتابع، ففي الوقت الذي يقوم البعض بالانهماك في استخدام أدوات العصر التقنية، فيركب الطائرة ويستخدم الانترنت، يبدي المقاومة والممانعة في التطور الاجتماعي والفكري، ويرفض الابتكار و التطور. تلك قضية فكرية آن الوقت لمناقشتها بهدوء بعيداً عن الشخصنة و الإقصاء. د.محمد الرميحي * نقلا عن صحيفة "الحياة" اللندنية |
|
مادة إعلانية
|
|
|