سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث

العودة   سبلة العرب > سبلة الثقافة والفكر

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 31/03/2006, 12:09 AM
سويري سويري غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 13/02/2003
الإقامة: فى عمان الحبيبة
المشاركات: 837
Thumbs up الشعر الشعبي.. إلى أين ؟! بقلم :مسعود الحمداني

الشعر الشعبي.. إلى أين ؟!
إشكالية اللهجة وازدواجية التلقي..
مسعود الحمداني

ربما تكمن واحدة من أهم إشكالات الشعر الشعبي فـي عدم اعتراف ( الآخر) به، اعتراف المثقف وكثير من شعراء الفصحى الذين يعتبرونه خطرا داهما، ومعولا لهدم أركان الفصحى، بل ويذهب آخرون إلى أبعد من ذلك حين يعتبرونه أداة استعمارية لتخريب النسيج اللغوي للفصحى..
ولعل هذه الإشكالية بدأت فـي التراجع حين استطاع الشاعر الشعبي أن يثبت مقدرته على المغامرة والسير بعيدا فـي اتجاه هوية شعرية محددة تتعايش مع الأنماط الشعرية الأخرى وتساير الركب الحضاري والمدني لتطور اللغة، دون تصادم أو إخلال بالنظم الشعرية السائدة، والذي عجزت للأسف اللغة الأم عن مسايرته فاحتاجت فـي كثير من فتراتها القريبة والبعيدة للاستعانة بمفردات العامية للدلالة على كثير من المنجزات العصرية، وهو اعتراف ضمني ليس بعجز اللغة الأم عن الوفاء بمتطلبات العصر، ولكن بقدرة العامية على التغلغل إلى نسيج الفصحى دون إخلال بالنظام العام للغة كالاستنباط والتوليد والنحت اللغوي وما إلى ذلك، وهو فـي المقابل دليل على أن العامية متى استُثمرت بشكل صحيح فإن ذلك سيكون دعما لحياة اللغة الأم، وتجديدا لدمائها بما يخدم قدرتها على الاستمرار والتجدد.
أرى أن أحد أسباب ازدهار هذا الشعر فـي هذه المنطقة فـي الحقب الماضية يعود إلى الطبيعة الديموغرافية للسكان، إلى جانب الأمية التي كانت تسود هذه المناطق، أضف إلى ذلك اضمحلال اللغة الفصحى بدخول عناصر غير عربية إبان الفتح الإسلامي وسقوط الدولة الأموية، فالعنصر الفارسي والتركماني والروماني أدخل لغته ومفرداته إلى اللغة العربية فتمازجت اللغات وخرج خليط من لغتين أو أكثر بحكم هذه الفتوحات.. ولكن الغريب أن واضعي المعاجم العربية بنوعيها اللفظي ومعاجم المعنى لم يأخذوا من المولّدين ولا من أصحاب المدن لغتهم بل ضربوا (أباط الابل) إلى مجاهل البادية والذين لم تخالطهم شائبة فظلوا على صفاء لغتهم ونقائها ليأخذوا منها مفردات معاجمهم بعد ما دخلت (اللكنات) واللحن إلى الفصحى.. وهؤلاء البدو الرحّل والأعراب الأقحاح تركوا فيما بعد ثروة لغوية غنية تلقفها أبناؤهم ومن خالطهم واستعملوا لغتهم، مع ما يشوب أي لغة أو مفردة من تعديل وإبدال بمرور السنين وتداخل اللهجات، فتولدت من هذا التزاوج اللغوي لغة نبطية هي أسّ اللهجات العربية فـي شبه جزيرة العرب إلى اليوم، وهي ما يعتقدها البعض حين يستعملونها «رطنة» أو «لكنة» أعجمية أو لفظة غير فصيحة وهي فـي كل أحوالها جذر لغوي أصيل ولكنه أُهمل (فتوحش) ومات فـي اللغة العربية المكتوبة (كلغة الصحافة) واللغة المحكية فـي المدارس والجامعات وفـي أوساط المثقفين فحافظت عليه العامية، وإذا ما رجعنا إلى أصول الكثير من المفردات العامية المستخدمة سنجدها ولا شك ترجع فـي أصولها الأولى إلى فصحى اللغة.
وتقول الدكتورة فاطمة الخليفة فـي كتاب تراث البادية فـي بحث بعنوان التفكير اللغوي فـي الشعر البدوي: ( اللغة النبطية أصلها آرامي وهي قريبة من اللغة العربية الأم المسماة بالفصحى لأنهما من اللغات السامية وهذا الشعر النبطي كان موجودا فـي الشام فـي حوران وفـي المغرب، وربما جاء مع بني هلال من الشام إلى المغرب ولثقلهم السياسي والاجتماعي أشاعوا هذا اللون من الشعر الذي يغنّى، وهذه اللغة خالفت نوعين من اللغات : لغة القرآن الكريم ولغة العرب.
ولاشك أن ظهور «نواوير» الزجل والمواليا إبّـان الدولة العباسية بل وفـي عنفوان ازدهارها كان له دلالة واضحة على أن فـي الأفق ما يشير إلى مضامين جديدة وشعر سيكون له شأن كبير فيما بعد.. وهذا ما تم.
ولعل إرجاع بعض المؤرخين نشأة الشعر الشعبي إلى قبيلة بني هلال والسيرة الهلالية ليس دقيقا - من وجهة نظري - فلا يمكن أن ينشأ شعر ما هكذا دون مقدمات (كالنبت الشيطاني) بل لابد من أصول بعيدة لهذه النشأة ولعلي أذهب مع الاتجاه الذي يقول بأن كل شعر يعتبر شعبيا، وأن العامية كانت سائدة قبل الهلاليين بمئات السنين، فوجود اللهجات المختلفة كلهجة طي وتميم وغيرها يدل على وجود شعر ينظم فـي ذلك الوقت بلهجات قبائل العرب الكثيرة والمتفرقة خاصة فـي شبه الجزيرة العربية، حيث الغساسنة واحتكاكهم بالروم، والمناذرة وتداخلهم مع الفرس إلى جانب لهجات العرب المعروفة والتي تستخدم طرقها المعروفة فـي التعبير وغيرها والتي نظم بعض الشعراء قصائدهم عليها، بل إن الشعر الجاهلي المتداول فـي ذلك الوقت كان فـي وقته شعرا عاميا حيث كانت طبقات اللهجات غير واضحة. لذلك كان البعض يلجأ إلى أكثر اللهجات فصاحة كلهجة طي وتميم لينظموا شعرهم عليها أملا فـي مزيد من الانتشار والفهم والذي قد لا يتوفر للهجات البينية عند كثير من القبائل.

الشعر الشعبي والتدوين

يعتقد البعض أن الشعر الشعبي شعر شفاهي ينتقل بالمشافهة، ولا يمكن تدوينه!! وهذا فـي حد ذاته مغالطة تاريخية للتدوين نفسه، فالشعر الجاهلي كان شعرا شفاهيا وكان قلّما يدوّن لقلة الكتّاب فـي ذلك الوقت، بل وكانت الحافظة العربية الأكثر صفاءً فـي البادية تتكفل بحفظه ولم يكن العرب بحاجة إلى التدوين، وكان العرب يحفظون الألف بيت أو أكثر دون تأتأة أو تحرّج، وكذلك كان القرآن الكريم والحديث الشريف فـي فترة ما قبل التدوين الواسع، حيث كان كتّاب الوحي الذين يُعدّون على الأصابع يدوّنون القرآن الكريم بينما يحفظه عامة المسلمين، - وحتى لا تتداخل الأمور - أقول أن الشعر الشعبي نشأ شفاهيا فـي مراحله الأولى ولكن بعد دخول المطبعة إبان الحملة الفرنسية على مصر واتساع رقعة التعليم فإنه بات جديرا بالتدوين شأنه فـي شأن الآداب الأخرى،فهو لا يتعارض مع أسس الكتابة العربية، رغم أن هناك من يقول أن حروفا ليس لها رسم فـي الأحرف العربية لا يمكن بالتالي كتابتها، كحرف: «ا» والذي ينطق كالجيم المصرية، ألا أنني لا أعتقد أن ذلك إشكالية كبيرة فبالإمكان كتابة هذا الحرف كالجيم العادية أو القاف ثم نطقه بأيٍ من هذين الحرفين فهو حرف منقلب عن أحدهما، كما هو الحال فـي لهجة بعض بلدان الخليج وبعض القبائل العمانية الذين يقلبون القاف جيما فـي بعض مفرداتهم، وظاهرة الإقلاب ظاهرة لغوية معروفة عند العرب قديما كما كان يفعل الجاهليون فـي بعض لهجاتهم بقلب الكاف شينا، بما يعرف عند العرف بالشنشنة،أو قلب الجيم ياء، أو القاف جيما، وغير ذلك، وهي ظواهر لغوية معروفة.
إذن فالقول بعدم أهلية الشعر الشعبي للتدوين قول غير دقيق وغير منصف، فمن حق أي شعر أن يدوّن ويكتب حتى لا يصبح كبعض اللغات أو اللهجات التي ماتت أو التي لا يمكن تدوينها لعدم وجود ألف باء خاصة بها، بل انه يجب أن يدوّن هذا الشعر لأنه يحفظ لهجة الحديث اليومي من الضياع فيما بعد، فمن يقرأ شعر الجاهلية الأولى اليوم يكاد لا يفهم معاني كثير من المفردات، بل لا يستطيع قراءتها القراءة الصحيحة، ومن يقرأ شعر البدو الأقحاح العامي يشعر بغربة معينة قد لا تساعده على التواصل مع هذا الشعر، فتدوين الشعر الشعبي قادر على حفظ اللهجة بعد عشرات السنين والتي ولا شك سيعتريها الكثير من التغيير والتبديل والحذف والإدخال، وهذا ما هو كائن فـي اللغة الفصحى، وما هو كائن فـي كل لغة أو لهجة حية منذ العصور الأولى.

محاولات الكتابة بالعامية

لاشك أن كثيرا من الكتّاب قديما حاولوا إدخال العامية فـي كتاباتهم ومؤلفاتهم، وربما كان كتاب البخلاء وكتاب الحيوان للجاحظ دليلين ماديين لهذا التوجه حيث ساق الجاحظ لهجات كل الفئات والأوساط الاجتماعية فـي العصر الذي عاش فيه، بل وذهب إلى كتابة ما يلفظه العامة أو يتحادثون به فـي مجالسهم الخاصة دون تحريف أو تهذيب وهو فـي ذلك يقول فيما معناه أنه لا يمكن أن تصل الجملة بغيتها إذا تم تشذيبها وتهذيبها فما ينطقه الأمير مثلا ليس هو ما ينطقه الحداد أو غيره فالبيئتان تختلفان والثقافتان لا تتفقان فلذلك لابد من إيراد كل مقولة كما نطقها القائل لتحدث وقعها فـي نفس المتلقي وكان يقول فـي كتابه الحيوان: (إن الإعراب يفسد نوادر المولدين ، كما يفسد اللحن نوادر الأعراب..)، وهذا ما يفعله اليوم الكثير من كتاب الرواية والقصة حين يوردون حوار شخصياتهم كما هو كائن لا كما يجب أن يكون، ويلجأون إلى اللهجة الدارجة لتعزيز حواراتهم.
كما أورد ابن خلدون فـي مقدمته ذكرا للشعر البدوي الشعبي والذي كان متداولا فـي البادية وعند بعض الأوساط فـي بلاد المغرب وجزيرة العرب.
ولعل محاولة الشاعر اللبناني سعيد عقل فـي الكتابة الصحفية باللغة العامية اللبنانية كانت محاولة جادة وجريئة وربما غير مسبوقة، ولكن حكم عليها بالفشل فـي نهاية المطاف لأنها كانت تتصادم مع اللغة الأم، بل وكانت فـي أساسها محاولة لسيادة اللهجة أو اللغة العامية على اللغة الفصحى، ورغم ذلك لا تزال محاولات الكتابة باللغة العامية قائمة فـي الصحافة اللبنانية والمصرية على وجه التحديد والتي ربما استفادت من تجربة سعيد عقل التصادمية فحاولت أن تكوّن لغة وسطى بين لغتين: دارجة ومتفصحة بحيث لا تقع فـي إشكالية محرّمة وملتبسة حول علاقة اللغة بالمتلقي؟!، والانقياد نحو استعمار ثقافـي إمبريالي كما يصفه المتشددون فـي الطرف المقابل، وهو تشدد يدخل فـي بوتقة عقائدية وقومية وشعوبية معقدة يلتزم بها الداعون الى (فصحنة) كل شيء رغم عدم وجود لغة مبتكرة تحاول صنع أداتها اليومية بل(تخلّــق) مفرداتها عند الحاجة إليها، وتلوي ذراع الاشتقاق والتوليد اللغوي لتحظى بكلمة توائم (الحاجة) دون محاولة الاقتراب من اللهجة العامية خشية المساس بقدسية اللغة الأم.

الشعر الشعبي والمدارس

ما الذي يحفظ الشعر من الاندثار ؟!
لا شك أن التدوين واحد من أهم عناصر هذا الحفظ، ورغم أن المناهج الدراسية والجامعات لا تشجع تعلّم وتحفيظ الشعر الشعبي إلا أننا نجد فـي هذا التوجه تعارضا مع اتجاه رسمي واضح المعالم يتخذ من وزارات كالإعلام والتراث أداته لتحقيق غرضه !!!
فما الذي يفسر خلو المناهج الدراسية من أي دراسة حول الشعر الشعبي وشعرائه فـي الوقت الذي تتبنى فيه دول كدول الخليج العربي فـي سياستها العامة مبدأ الحفاظ على التراث والشعر العامي من خلال تكريسه فـي إعلامها ومن خلال وزارات التراث والثقافة لديها؟!!
لاشك أن هناك خللا فـي المنظومة التعليمية فـي مجمل الوطن العربي تحاول إلغاء التراث والشعر الشعبي من مناهجها مكرسة بذلك ازدواجية واقعية غير مبررة، تتعارض والتوجه الرسمي الإعلامي والثقافـي والشعبي بشكل عام، وهذا فـي الواقع أمر غير طبيعي، وغير منطقي، وتخالفه الوقائع على الأرض.
وربما كان حصول شاعر عامي كعبدالرحمن الأبنودي فـي مصر على جائزة الدولة التقديرية نابعا من اعتراف المؤسسة الرسمية بهكذا شعر ولكن هذه المؤسسة فـي المقابل لا تشجع طلبة مدارسها على الولوج إلى هذا المكان المعتم فـي زوايا ذاكرة الطالب والمتلقي، وهي بذلك تكرس لهذه الازدواجية بين التوجه الرسمي والتوجه الأكاديمي.
وفـي الجانب الآخر هناك الكثير من رسائل الماجستير والدكتوراة حتى فـي غير العالم العربي اشتغلت على الذاكرة الشعرية الشعبية، وعُملت فـي سبيل ذلك الكثير من البحوث والمؤلفات التي لا تخرج عن كونها اجتهادات فردية ومجهودات كبيرة ولكنها غير فاعلة فـي الواقع وذلك يعود إلى عدم تضمين المناهج الدراسية لأي من هذه الدراسات، فيغدو البحث عن الذاكرة الشعرية الشعبية نوعا من الرفاهية الفكرية ليس الا.
فما الذي يضير تدريس الشعر الشعبي ورموزه وذاكرته لطلبة المدارس؟! أو فـي المرحلة الجامعية فـي تخصصات الآداب والتربية على سبيل المثال؟!!
هل هناك ما يعيب هذا التوجه ؟! وهل معنى عدم تدريسه، تهميشه وعدم الاعتراف به من قبل واضعي المناهج فـي حين تعترف به الدولة على أعلى مستوى ؟!
ولعل الإجابة على هذا السؤال يكمن فـي دعم هذا التوجه، فإذا لم يتم تدعيم المناهج الجامعية على أقل تقدير باعتبارها مرحلة تخطى فيها الطالب مرحلة الخلط بين ما هو عامي وما هو فصيح، أقول إذا لم يتم تدعيم هذا التوجه فان كل ما يكتب أو يذاع لن يعد وكونه أدبا شفاهيا غير جدير بالحياة، إلا فـي ذاكرة الحُفّاظ والذين هم ولاشك فـي تراجع مستمر نتيجة عوامل كثيرة مرتبطة بتطور نمط الحياة المعاصرة.

الشعر الشعبي يتجه إلى التفصيح

لم يكن الشعر الشعبي بمعزل عن التطورات الكثيرة التي لحقت ولاحقت الشعر العربي بشكل عام، فاتجه الى التجريب بمعناه الواسع وفـي فترة مبكرة كتب الشاعر بدر عبدالمحسن أولى إرهاصات شعر التفعيلة فـي الشعر الشعبي، ثم تطور هذا التجريب ليلحق بالشكل والوزن معا حيث اتجه بعض الشعراء إلى قصيدة النثر فكتبوا فيها وأجادوا بغض النظر عن إشكالية الاتفاق أو الاختلاف مع هذه الأنماط الشعرية، ولكنها ولاشك دليل قوي على أن الشعر الشعبي لم يعزل نفسه فـي قمقم مظلم ولم يكن بمنأى عما يحصل من صراع بين الأنماط الكلاسيكية القديمة للشعر وبين الانماط الجديدة، وهو دليل آخر على ديناميكية هذا الشعر وتشكّله بما يتناسب وطبيعة العصر، وإذا ما استمر الشعر الشعبي بهذه الايجابية والحيوية فانه ولاشك سيبقى ويعمّر وسيكون قادرا على المجابهة والمواجهة، فهو لم يعد شعرا (مقولبا) وطلليا بل كسر طوق هذه التقليدية وأضاف إليه شعراؤه من ثقافتهم واطلاعهم ما يفوق فـي أحيان كثيرة كثيرا من قصائد النظم المستهلكة.
وفـي رأيي أنه لا بأس من التجريب والعبثية فـي الشعر أيا كان شكله ونوعه دون أن نضع له شرطا أو قيدا محددا فذلك دليل على صحة وحياة هذا الكائن الحيوي، ولاشك أن زمنا سيأتي ليؤطر الأشياء ويضعها فـي قوالبها دون تدخّلٍ قسريّ أبويّ لفرض ما يجب ان يكتبه الشاعر وما لا يجب عليه كتابته، فللمتلقي وحده الحق فـي قبول أو رفض ما ينتجه هذا الشاعر أو ذاك.
ولا يُفهم من كلامي هذا دعوة إلى الفوضوية المطلقة فـي الكتابة الشعرية ولكنها دعوة إلى عدم إقصاء الآخر أو عمل وصاية مسبقة على حرية تفكيره وإبداعه وتلّقيه، مع ضرورة وجود القاعدة الأساسية للشاعر والتي عليها يستند فـي تجريبه أو عبثية كتابته وأعني بذلك «الثقافة» الواسعة والاطلاع والانطلاق من هذه القاعدة إلى كل أشكال التجريب سواء فـي الشعر الشعبي أو الفصيح، أما إذا لم يكن لدى الشاعر سوى التقليد والدخول مع الركب فذلك لن يعدو كونه عبثا غير منطلق للحياة، فنحن بحاجة الى قصيدة التفعيلة فـي الشعر الشعبي،إلى جانب قصيدة النثر، إلى جانب القصيدة العمودية، وعلينا أن نترك للمتلقي حرية تقبّل أو رفض أي شكل من هذه الاشكال، وكل قصيدة لن تلقى مسانديها فإن الزمن كفيل بموتها حيث ستندثر بعد حين ويبقى الجيد وما ينفع الناس.
فالاتجاه إلى تفصيح القصيدة الشعبية سواء من ناحية الشكل أو المفردة عمل صحي ويعطي للقصيدة حيويتها وسيرورتها وكينونتها المستقبلية.
ولعل اتجاه الشاعر الشعبي الىالاستقاء من اللغة الأم كان نتيجة لعامل التعليم والثقافة والاطلاع، ولعله من جانب آخر أحد عوامل التضييق على اللهجة العامية وانصهارها مع الفصحى أو ربما العكس، كما يعمل هذا التفصيح على ردم الهوة التي تفصل عادة بين اللهجة المحكية ولغة الكتابة أو لغة الدواوين كما يقال، وهو دليل على زحف لغة جديدة إلى الواجهة اليومية على حساب كلا اللغتين: الفصحى والعامية، وأقصد بها اللغة الوسط أو لغة الخاصة أو المثقفين التي يتحدثون بها فـي مجالسهم أو فيما بينهم والتي هي أقرب إلى لغة ثالثة ستحل حتما مكان اللهجة الدارجة الحالية متقاربة مع الفصحى ومبتعدة شيئا فشيئا عن لغة ما قبل خمسين أو حتى ثلاثين سنة خلت.
واذا ما استمر هذا التفصيح للقصيدة الشعبية فانها قد تعم وتصبح أكثر شيوعا وتداولا وفهما بين الأوساط المختلفة فـي شتى أنحاء العالم العربي، ولن يكون هذا الشعر كما يعتقد البعض أداة تفريق بل سيكون أداة تقريب بين شعوب المنطقة تماما كما تفعل الأغنية حاليا فـي محاولتها (حلحلة) التراكمات الثقافية واللهجوية المختلفة بين أقطار العالم العربي.

الشعر الشعبي والوزن

رغم وجود عشرات العروض والأوزان فـي الشعر الشعبي إلا أن الشعراء الحاليين لا يكادون فـي نظمهم يتجاوزون الخمسة أو الستة (أبحر) أو (الطواريق) كما يسميها البعض وهذا مع ما فيه من خطر على بقية البحور إلا أنه أمر طبيعي كونه يعتمد على ذائقة الشاعر، والذي لا يحضّر الوزن مسبقا بل ينشد قصيدته حتى دون النظر إلى بحرها بل والأكثر من ذلك أنه قد لا يعرف معظم الشعراء ماهية بحور الشعر النبطي، بل ينظمون قصائدهم على السليقة وهو حال ينطبق كذلك على كثير من شعراء الفصحى الذين توارثوا الشعر دون حاجة لعرضه على أوزان الخليل، ولاشك أن أمرا كهذا سيجعل كثيرا من بحور وأوزان الشعر الشعبي تُهجر وتندثر بالتالي بعد حين.
لذلك لا بد من قيام القائمين على التراث من تعليم أوزان الشعر الشعبي وأسماء بحوره كي يظل هذا (العِلْم) قائما وغير قاصر على فئة دون غيرها، وربما كان لجوء الشعر الشعبي إلى عرض قصيدته للتقطيع والكتابة العروضية دليلا آخر على اتجاه هذا الشعر إلى قولبة وتنظيم الوزن ، بدلا من الطرق القديمة والتي تقوم على اللحن أو (الَشّلة) كما نسميها نحن فـي عمان والإمارات.

الشعر الشعبي والنقد

لا بد للعملية الإبداعية من تقييم منهجي وعلمي كي ترى طريقها وتتعرف على مثالبها وهنّاتها، فالنقد الأدبي كالمرآة الصادقة التي يرى خلالها الشاعر وجهه الحقيقي، ولا بد من وجود عملية نقدية موازية للمنتج الشعري بشكل عام وإلا أصبح هذا المنتج مجرد أفعال فردية غير قادرة على رؤية ظلامها الداخلي وغدت الساحة الشعرية فـي شكلها الجماعي كالسفينة التي تعصف بها الريح دون أن تجد من يوجهها أو يواجهها.
وربما كان إحدى معضلات وإشكالات الشعر الشعبي تكمن فـي قلة نقاده وكثرة منتقديه، بل وأذهب إلى أبعد من ذلك فأقول أن كثيرا من الدول الخليجية على وجه التحديد تستورد نقادها، وتعتمد فـي هذه العملية على نقاد غير ملمين بلهجاتها وغير قادرين على النفاذ إلى نسيج القصيدة وتفكيك بنية النص الشعري، وهذا الأمر أوجد ساحة خالية من النقاد وفـي المقابل أوجد (نقاد شنطة)، أو نقادا ظهروا فجأة حين غاب النقاد، وأعني بهم متكلمي اللغة (اللهجة) الأصليين، وهذه إشكالية خطيرة كون كثير من هؤلاء النقاد المحدَثين يمجّدون ما لا يستحق التمجيد ويحطون من قدر ما يستحق التكريم من شعر، وذلك بالطبع لا يشمل الجميع فهناك نقاد عرب لهم اشتغالاتهم الجادة فـي هذا الجانب بغض النظر عن دقة اجتهاداتهم، وفـي المقابل هناك بعض المشتغلين بالنقد من أبناء البلد الواحد غير قادرين على تفكيك النص الشعري ولا على نقده بالشكل العلمي والأكاديمي السليم وذلك يعود إلى غياب الموضوعية وغياب المنهج النقدي الأدبي الذي يحكم قراءاتهم للنص وينظمه، وغياب أهم عناصر النقد وهو التذوق الفني والجمالي للنص فـي ذات هذا الناقد (المتلقي) ففاقد الشيء لا يعطيه كما يقال، وهذا رغم خطره وفوضويته إلا أنها بواكير مهمة لعملية نقدية واسعة تحاول تلمس منهجيتها فـي المستقبل.
لذلك أعود وأكرر دعوتي إلى تبني منهج نقدي يحظى بالقبول لدى المشتغلين بنقد الشعر الشعبي، وأعتقد أن الأخذ بالمناهج والمدارس النقدية الحديثة أمر مهم وسيعمل على تشكيل وعي معين بالنص الشعري قادر على سبر أغواره وتحقيق المعادلة المهمة بين الناقد والذات المنتِجة (الشاعر)، واالمنتَج الشعري، وكذلك المتلقي كطرف رابع فـي العملية الإبداعية المشتركة، والتي تدعو النظريات النقدية الحديثة إلى إشراكه فـي عملية النقد لينشأ بذلك نظرية المتلقي الناقد أو نقد المتلقي.

اللهجة العامية لهجة ذات قواعد

ليس هناك لغة أو لهجة حية تخلو من القواعد الخاصة بها والتي تنظم عمليات التواصل والتوصيل بين أفرادها المتحدثين بها وإلا أصبحت غير ذات جدوى ولم تؤد الغرض الخاص من اختراعها.
وتُرجع النظريات اللسانية واللغوية الحديثة كل اللغات واللهجات العامية فـي كل الدنيا إلى أصول وجذور وقواعد منظمة لها، وهذا الحال ينطبق على العامية العربية التي يصاغ بها الشعر الشعبي والحديث اليومي الدارج، وإن كانت هذه القواعد لا تتطابق تماما مع الصرف والنحو وحركات الإعراب فـي اللغة الفصحى، فعلم اللغة الحديث أو ما يسمى بعلم اللسانيات يتعامل مع اللغة كفعل مجرد يمكن تطبيقه على كل لغات البشر، فاللهجة أو اللغة الدارجة تحتوي على أدوات ربط وأفعال ماضية وحاضرة وحروف وأسماء إشارة وغير ذلك من أسس قوام أي لغة منظمة، تحاول إقامة علاقاتها الداخلية والخارجية بين المتحدث والمتلقي، وبالتالي لا يمكن فهم أي جملة دون احتوائها على عناصر وإشارات وشفرات ورموز يترجمها الدماغ إلى جمل مفهومة من خلال عملية معقدة، وهي بذلك تكوّن علاقاتها اللغوية الخاصة بها بغض النظر من مسألة اقترابها أو ابتعادها عن الفصحى، وربما كان هناك خلط فـي أذهان بعض من يساهم فـي وضع تعريف للشعر الشعبي بأنه: شعر لا يتفق مع قواعد اللغة العربية من حركات إعراب أو أدوات ربط، ولا شك أنهم بذلك يخلطون بين (اللحن) فـي اللغة والذي جاء نتيجة
اختلاط العرب بغيرهم، وبين اللهجة ككيان قائم بذاته لديه خصائصه وآلية قواعده ولديه (لحنه) الخاص، والذي يتضح الآن بعد الطفرة النفطية، نتيجة تداخل وتمازج عناصر غير عربية بالعنصر العربي والذي أوجد لهجة عامية (مكسّرة)، وهذا أمر أقرب إلى اللحن منه إلى لهجة سائدة ومعترف بها.
ولعل من أهم سمات اللغات الأوروبية كالفرنسية والألمانية على سبيل المثال أنها لغات ديناميكية حية لا تمارس هذه الازدواجية والقطيعة التي تمارسها العربية فـي تشرذمها بين لغة شارع ولغة كتابة مقروءة، بل نجد أن معظم اللغات الأوروبية الحية تمارس حياتها بشكل طبيعي فـي الصحف والكتب جنبا إلى جانب مع اللهجة المحلية بقواعد بسيطة متخففة مما ليس ضروريا لحياتها، وهذا ما تفعله وحدها اللهجات العامية (الوسطى) فـي العالم العربي.

خلاصة

لكي يستمر الشعر الشعبي فـي العطاء ويبقى ويخلد فـي الذاكرة العربية الجمعية أو حتى الخاصة بكل قطر على حدة لا بد من مجموعة عوامل:
1ـ إدخال الشعر الشعبي ورموزه فـي المناهج الدراسية وتدريس التراث الشعبي فـي الصفوف العليا أو الجامعات على أقل تقدير وإلا حكم عليه بالبقاء محدودا وشفاهيا حتى وإن تعددت وسائل تدوينه وتوثيقه فـي الكتب المرجعية والصحف والمجلات.
2ـ لا بد من وجود حركة نقدية واعية ومثقفة وقادرة على التواصل مع النص الشعري الشعبي وتفكيكه معتمدة منهجية نقدية أكاديمية صارمة، وأن تكون الساحة قادرة على فرز أصواتها بيدها لا بيد غيرها.
3ـ التواصل مع حركة التجديد والأخذ بكل ما تنتجه الثقافات العالمية ومن ثم ترك كل الأزهار تتفتح تاركين للزمن وسيرورته مهمة بقاء أي نمط شعري دون محاولة للإقصاء أو التهميش أو ممارسة أبوّة تقليدية لا تتيح للآخر فرصة الحديث بلغته الجديدة.
4ـ التقارب مع اللغة الفصحى قدر الإمكان لأن ذلك سيوجد فيما بعد لغة قادرة على التحاور خارج حدود المناطقية الضيقة، وهو سيتيح فرصة انتشار أكبر للشعر
الشعبي خارج حدود الرقعة الجغرافية الضيقة، مما سيشكل عامل تقريب ثقافـي ولغوي بين أبناء الوطن العربي.
5ـ العمل على توثيق التراث الشعبي كمعين لا ينضب يتيح للشاعر الشعبي بل وأبناء الوطن النهل منه، والإلمام به والاستفادة منه، وهذا عمل على الدولة القيام به بالتعاون مع المهتمين.
6ـ تكريس مبدأ التبادل الأدبي والثقافـي والشعري بين أبناء الخليج العربي فـي مجال الشعر الشعبي من خلال النشر والمسابقات الجماعية والملتقيات الشعرية بهدف إيجاد جو حواري بين أبناء هذه الدول وبعد ذلك العمل على توسيع دائرة هذا الحوار ليشمل الوطن العربي بشكل عام.
7ـ تشجيع البحوث العلمية والأكاديمية الرصينة والعمل على الاستفادة منها فـي الدراسات الجامعية المتخصصة فـي كليات الآداب على سبيل المثال.
8ـ العمل على إيجاد خطاب شعري شعبي جديد يساير التطور المعرفـي والثقافـي الإنساني وعدم الارتكان إلى الماضي كسياج أو قيد مقدس لا يمكن الخلاص منه، بل يجب الاستفادة من الماضي بما لا يتعارض مع روح العصر وتطوره العقلي والإيديلوجي والفكري. لا شك أن بعض ما أشرت إليه بحاجة إلى جهد خرافـي ومعجزة لتحقيقه ولكنه فـي المقابل بحاجة أيضا إلى من يتبناه ويتفهم أبعاده ، كي يأخذ هذا الشعر حقه ويخرج من بوتقة الإعلام والمشافهة إلى ما هو أرحب وأوسع.. الخلود
.
ملحق شرفات
29/3/2006

آخر تحرير بواسطة سويري : 31/03/2006 الساعة 12:13 AM
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 09/04/2006, 02:04 PM
صورة عضوية صقر الخالدية
صقر الخالدية صقر الخالدية غير متواجد حالياً
عضو متميز جداً
 
تاريخ الانضمام: 06/09/2000
الإقامة: مسقط
المشاركات: 3,253
Thumbs up

اشاطرك الرآى يالحمدانى فى ضرورة ان يلقى الشعر الشعبى الاهتمام المطلوب وعلى مختلف الاصعدة
 


قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 01:24 PM.


سبلة العرب :: السنة السابعة والعشرون
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.