سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث

العودة   سبلة العرب > سبلة الثقافة والفكر

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 08/02/2003, 06:22 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

تصل الرسالة إلى فلان ..

كثيراً ما تتملكني الدهشة، حين أفتح بريدي فأجد رسائل ليس على مغلّفاتها سوى اسمي (مكتوباً خطأً أحياناً) واسم الشارع، ولا شيء غير ذلك من قبيل اسم المنطقة أو رقم المنزل أو الرَّمز البريدي، حتّى كأنّ تلك المعلومات لا تُذكر إلاّ من باب النوافل!

ولتكرر هذه الظاهرة بتُ أعتقد أنّ لدى البريد البريطاني موظفين من الجنّ لهم القدرة على إيصال الرّسالة إلى صاحبها حتى لو لم يُكتب على غلافها سوى عبارة (تصل الرّسالة إلى فلان)!.

وهذا الفلان قد تتأخّر الرسالة عنه شهوراً أو أعواماً- في بعض الظروف الطريفة النادرة- لكنّ الطريف وغير النادر هو أنّ الرسالة لا بُدّ أن تصل إليه.

وذلك يحدث لأنّ البريد بريطاني، ولأنّ البريطاني شخص مستقر.

حاول ألاّ تنسى أنّ في لندن وحدها عدداً من الناس قد يتجاوز عشرة أضعاف سكان بعض الدول العربية.

وتَذكّر أنّ تسعين بالمائة من المعاملات يجري تداولها بواسطة البريد.. ومع ذلك فإنّ جواز السفر يصل إلى طالبه في الوقت المحدّد. موعد الطبيب لا تصيبه في الطريق، أيّة علّة تدعوه إلى الوصول ابعد وفاة المريض.

تأشيرة الإقامة تصل إلى طالبها مشفوعة بتحيّات وزارة الداخلية، إضافة إلى (بوسة على الختم)، وتجدر هنا ملاحظة أن البريطانيين لم يتعلّموا بعد (بوس الخشم)!

أما فواتير الإيجار والكهرباء والماء والغاز والمحامين والضرائب إلخ إلخ.. فكلّها تأتي بالبريد وتسدّد بالبريد، ولا يضيع قرش على الدولة أو الشركات، ولا تضيع دقيقة من وقت المواطن.

ذلك في بلاد الامبريالية، أمّا في بلداننا العربية الواحدة ذات (الرّسالة) الخالدة.. فدعنا نتأمل تلك الرسائل وهي تأخذ طريقها إلى (فلان).. أو دعنا نتأمل (فلاناً) نفسه، وهو يضع رجلاً على رجل، مرتخياً كالعهد البائد، مادّاً يده من فتحة الباب، منتظراً أن تسقط فيها الرّسالة... وأيّ سقوط!

مرّة وصلتني رسالة من قارىء مغربي يطلب ديواني. أرسلت إليه الديوان بالبريد السريع المسجّل على عنوانه المؤكّد، وبعد شهر وصلتني (رسالتي) مزيّنة بختم رسمي يلعلع بالعربية الفصحى: (غير مطلوب)!

مَن المطلوب إذن؟!

وضعت يدي على قلبي، وطلبت من اللّه الفرج لذلك القارىء المسكين.

وذات مرّة، تلقيّت رسالة من (فلان) مشرقي، أشرقت طيّاتها بنور كلماتها- كما يقول أسلافنا- فسارعت إلى الرّد عليه بمنتهى الإشراق، فغرّبت بردّي الأيّام، حتى جاءني، بعد أمد، ردّ من والده يشكر فيه لطفي (ولا أدري بالضبط ما إذا كان يعني لطافتي أم اسم مدير الأمن) ثم يطلب مني أن أدعو لولده.. المحبوس حالياً!

دعوت له طبعاً.. قلت (يا ربّ المشارق والمغارب، خلّصه ممّا هو فيه، ويسّر له الانتقال من الشرق إلى الغرب، يا أرحم الرّاحمين.

اللّهم ولك الحمد على أنّك لم تجعل شؤون الدعاء مرتبطة بهيئة البريد. وإذا قضت مشيئتك بذلك فلا اعتراض على قضائك لكنّنا نسألك اللطف فيه، فلا تجعله بيد البريد العربي.. آمين).

وذلك المشرقي دون شك (فلان محظوظ)، فإنّ بعض الفلانات لا يكون آباؤهم موجودين لاستلام الرّسالة أو الردّ عليها، لأنّهم، في أحسن الأحوال، يكونون محبوسين معهم.

وبعض الفلانات لا تصل الرّسالة إليهم مطلقاً، لأنّ عنوانهم يكون قد أُزيل من على الخريطة.. بسبب واحد مستهتر من أهل المنطقة، سمح لنفسه- دون وازع من ضمير أو شعور بالمسؤولية- بأن يزفر قائلاً: (آخ من هذا الزّمن)، فأعطى السلطة- وهو لا يدري كم كلّفها- ذريعة لقصف المنطقة كلّها بالطائرات، وتسويتها بالبلدوزرات.

(آخ) كلمة توجّع. وهبها كانت (آه) فإنّ خفّتها لن تجعلها خفيفة على السلطة إلاّ بمعجزة.

مِمّ يتوجّع (فلان)؟!

الوضع الاقتصادي رائع. الأمن مستتب. الحريّة أكثر من نفسها، إلى درجة أنّ السلطة صارت تعتمد مبدأ تصدير الفائض منها كمعونات إنسانية إلى جميع الشعوب (المحبّة للسّلاح)، حتى تكسّرت رفوف هيئة الأمم المتحدة من ثقل احتجاجات هؤلاء على السلطة، إزاء ما تجلبه لهم من تخمة يصفها الطب في كلّ العصور بأنّها سبب مباشر في تقصير العمر!

مِمَّ يتوجْع فلان؟

يتوجّع فلان من الزّمن.

ولمّا كانت السلطة زمنية، فإنّ (فلاناً) إذا توجّع من الزّمان، توجّعت السلطة من المكان، والنتيجة المنطقية لذلك هي إلغاء المكان.

أحياناً يكون (فلان) موجوداً، وعنوانه دقيقاً، وسعاة البريد بصحّة جيّدة وللّه الحمد.. (لا يهمّهم شيء سوى ألم فراقكم الغالي علينا)، لكنّ الرّسالة نفسها- قاتلها اللّه- تحمل فايروساً عجيباً اسمه (هل وصلتكم الهدية؟).

الرّقابة لا تقبل أن يستغبيها أحد، فالقرائن كلّها تشير إلي مؤامرة:

أولاً: الرسالة آتية من دولة شقيقة معادية!

ثانياً: الطابع الملصق عليها يحمل صورة حاكم تلك الدولة.. وعلمها أيضاً!

ثالثاً: اسم المرسل مثير للرّيبة: (صالح أمين محمود)!

رابعاً: داهية الدواهي هي تلك الهدية التي يسأل عن وصولها. ما هي؟ وكيف؟ وأين؟ ومتى؟ ولماذا أرسلها أصلاً؟ هل البلد تنقصه الهدايا؟ لماذا لم يكن واضحاً فيسأل عن وصول السّلاح؟

خامساً: لا تصل الرسالة إلى (فلان).

سادساً: على (فلان) نفسه أن يصل إلى أقرب لجنة تحقيق.

سابعاً: اعفونا من متابعة الموضوع، لأنّ كلّ من يسأل عن فلان- بعد ذلك- سيعتبر شريكاً في المؤامرة.

ويحدث أحياناً أن تصل الرّسالة بسرعة فائقة.. لكن إلى غير صاحبها!

ومبعث ذلك هو التشابه الكبير في الأسماء والعناوين، فماذا يستطيع السّاعي أن يفعل؟ هل يدرس علم التّنجيم؟ الرّسالة موجّهة إلى (أحمد عبدالله- مدينة طرطرة- شارع 13- منزل رقم 7).

ونظراً للتشابه في الاسم والعنوان، يحصل التباس، فتسلّم الرّسالة إلى عبيد خربوش- مدينة شرم برم- بيت عبيد خربوش- قرب دكان أبوسالم)!

ويبقى عبيد هو وحظّه، فإمّا أن ينجو.. وإما أن (يخربشونه) بتهمة الاشتراك في مؤامرة أحمد عبدالله!

واحسرتاه على (فلان) العربي... آخر مرّة ذاق فيها طعم البريد كانت في بداية عهد الحمام الزاجل!

أحمد مطر


--------------------------------------------------------------------------------
حديقة الإنسان : زاوية أسبوعية للشاعر المبدع أحمد مطر بجريدة الراية القطرية
  مادة إعلانية
  #2  
قديم 15/02/2003, 02:28 PM
عضو مساند عضو مساند غير متواجد حالياً
خــــــاطر
 
تاريخ الانضمام: 03/02/2003
الإقامة: مسقط
المشاركات: 20
حلو

مو ضوع حلو كثير وكلامك كله صح يا أخي..................
  #3  
قديم 01/03/2003, 12:15 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

تحت المطرقة

حَلُمَ الرئيس ذات ليلة بأنه يمشي بين الناس، ويضحك معهم من قلبه، ويُقَبِّلُ أطفالهم، ويزهو بهم، وهم من حوله فرحون.

حين استيقظ زقر من أعماقه: يالَه من *****!.

جميع أسلحة الدمار الشامل في بلادنا، هي من صنع وتوريد الدول الغربية. ومن شأننا أن نسعد لسعيها إلى تخليصنا منها، لولا أننا نعلم أنها ستعود، مرة أخرى، لتصنع وتورد لنا.. أنظمة جديدة!.

يظل المواطن العربي محتفظا بقواه العقلية.. إلى أن يقرر استخدامها!.

خذ أي شخص، وأعطه أي حزب، وأعطه أي سلاح، وأعطه أي سند خارجي، ثم لا تُعطِهِ إلا شعباً عربياً، وعندئذ سترى أنك استطعت أن تصنع بكل بساطة: أكبر دكتاتور!.

يستطيع المواطن الغربي، بصوته فقط، أن يعيق تقدم أقوى دبابات الأنظمة.. لكن مثل هذا لا يحدث في الوطن العربي لسببين:

الأول: وجود الدبابة والنظام.

والثاني: غياب الصوت.. والمواطن!

رأس الرجاء الصالح مشبوه، في عرف جميع أجهزة المخابرات، لأنه رجاء، وصالح، وله رأس أيضا!.

نحن على أبواب زمن سنستطيع فيه أن ننام وأبواب بيوتنا مفتوحة. وذلك لأننا سوف لن يكون لدينا أبواب، ولا بيوت، ولا نحن!

جميع دول العالم تتوحد إما باللغة، أو بالتاريخ، أو بالجوار.. إلا نحن العرب، إذ لا تطيب لنا الوحدة، إلا بالدم!.

المسؤول الذي لا يهضم حقوق المواطنين، هو بالتأكيد إنسان يتضايق من طعم الملح الفوّار !.

أحمد مطر


--------------------------------------------------------------------------------
  #4  
قديم 06/04/2003, 01:25 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

تعطيل الإنتاجيّة

- أنت مفصول.. لقد تغيّبت عن العمل مدّة طويلة جدّاً، دون عذر شرعي، ولعلّك تعلم أن هذا معناه تعطيل إنتاجيّة الدّولة.

- هذا صحيح، لكنّه لم يكن بإرادتي، فقد كنت محبوساً منذ عام في السجن المركزي.

- بأية تهمة؟

- إهدار وقت الدولة.

- كيف؟

- عندما جاء رجال الشرطة لاعتقالي في المرّة الأولى لم أكن موجوداً في المنزل، وحين سألوا عني في المعمل لم أكن موجوداً أيضاً.

- أين كنت مختبئاً؟

- لم أكن مختبئاً.. كنت أقضي مدّة حبسي في معتقل الاستخبارات.. أمضيت هناك عامين كاملين.

- بأية تهمة؟

- إفشاء أسرار الدّولة.

- كيف؟

- زلّة لسان. كانوا قد أخذوا منّي تعهّداً بألاّ أتحدث في الموضوع، لكنني سهوت. فعندما قال لي جاري لماذا لا نراك؟ أجبته بأنني كنت محبوساً في إدارة الأمن العامة.

- بأيّة تهمة؟

- التآمر على أمن الدولة.

- كيف؟

- حاولت تهريب رسالة إلى أهلي، لكي أطمئنهم عليّ، وذلك بعد سبعة أشهر من حبسي في المنظومة الحزبية.

- بأيّة تهمة؟

- عدم التعاون مع الدولة.

- كيف؟

- كان مطلوباً مني أن أكتب تقارير دورية عن العمّال والجيران والأقارب، لكنني تقاعست.. لم يكن الأمر بيدي، فبماذا أكتب، وعمّن أكتب؟ لقد منعوا عني الأقلام والأوراق ورؤية الناس، كأي معتقل في زنزانة انفرادية.

- أين كنت معتقلاً؟

- في المباحث العامة.

- بأيّة تهمة؟

- بثّ الإشاعات المسيئة للدولة.

- كيف؟

- كنت قد بعثت رسالة إلى المحافظ، أشكو فيها من تعرضي للتعذيب.

- متى؟

- بعد خروجي من سجن العاصمة الذي قضيت فيه خمسة أشهر.

- بأيّة تهمة؟

- توزيع مناشير على العمّال.

- ما فحوى هذه المناشير؟

- ليس لها أيّة فحوى.. إنها مجرد مناشير.

- وَضّحْ.

- ذلك جزء من وظيفتي، أيها السادة، فأنا كما تعلمون مسؤول عن قسم النجارة.

أحمد مطر


--------------------------------------------------------------------------------
  #5  
قديم 07/04/2003, 09:11 AM
شقيص شقيص غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 22/02/2001
الإقامة: السراب وراحتي برحلة غياب
المشاركات: 1,353
طرح متميز أخي العزيز ،، وأرى أنك تحمل هما يثقلنا جميعا

هم هذه الأمة التي تتراجع إلىالخلف عكس ما كانت عيه ، وربما تتأقلم استعدادا للعد التنازلي الذي يحيلنا إلى أمة متخلفة ( من العالم التاسع ) حسب رؤية ونظر أولاد السام .

،،

وتحية تقدير مني إليك
  #6  
قديم 12/04/2003, 05:50 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

سجين بالأجرة!

توقّفت سيّارة السجن، وتوقّف قلبي عن الخفقان. رمقني السائق، ثم أشار إليَّ بأن أتقدّم.

اقتربت من نافذة السيارة، وتطلعت إليه دون أن استطيع الكلام.. ولما لاحظ امتقاعي، اجتهد أن يكشطه بابتسامة هي أكثر صفرةً من وجهي.

سألني: إلى أين تريد الذهاب؟

قلت متلعثما: كنت أريد أن أذهب إلى المحطة الجديدة.

عاد يسألني: أما زلت تريد أن تذهب إلى هناك؟

قلت: نعم.. إذا تيسرت لي سيّارة أُجرة..

هتف بصوت قاطع: اركب.

سألته بتردد: إلى أين يا سيّد؟

قال: إلى حيث تريد.. لا تخف.. اركب، أنا رجل على باب الله.

تساءلت بشجاعة مصطنعة: على باب الله.. بسيّارة السجن؟!.

ابتسم ثانيةً، وقال: هي سيارة مثل كل السيارات، وأنا خارج الدوام.. كم تدفع في العادة للوصول الى المحطة؟

قلت: من دينار الى دينار ونصف.

أعطاني عرضا لا يمكن أن أرفضه حتى لو كانت سيّارته سيّارة جهنم.

قال: سآخذ منك نصف دينار فقط..

فتحت الباب حالاً، وركبت.

قال معزّزاً موقفه: ومع ذلك فستصل بوقت أقل.. لن يعترضنا زحام.. ولن يوقفنا شرطي مرور.. إنها سيّارة حكومة.

بلعت ريقي قبل أن أسأله: لكنها سيّارة مُخصصة لنقل السجناء.. ألا تعتقد أنّك ترتكب مخالفة بتشغيل سيّارة الحكومة في غير الغرض الذي خصصت له.

ابتسم ابتسامة عريضة وسكت.. ولم يلبث أن التفت إليَّ وقال بلامبالاة: أعتقد أن مخالفتي الوحيدة هي أخذ الأجرة منك ومن غيرك، وفي ما عدا ذلك فالسيارة تشتغل، دائماً، في الغرض الذي خصصت له.

أم تعتقد أنّك حُرّ، وأنّ الوطن ليس سجناً؟!.

قلت له مازحاً: ألا تخشى أن أبلّغ عنك؟

قال ببرود: حاول إذا استطعت، وحينئذٍ ستركب معي مجّاناً، في وقت الدوام الرسمي.. وتذكّرْ أنني سأكون أيضا على باب الله.. أم انك لا تدري أن باب السجن غالباً ما يؤدي إلى الآخرة؟!

تشجعت على سؤاله: لماذا لا تترك هذه الوظيفة، وتمارس بدلاً منها عملاً حُرّاً؟

قهقه قائلا: فأل الله ولا فألك.. أتريد أن تخرِّبَ بيتي؟ لعلّك لا تدرك أن الأحرار هم وحدهم الذين يركبون معي مجاناً؟!.

أحمد مطر
  #7  
قديم 23/04/2003, 08:23 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

حكومة الظِلّ .. الشمسية !

في أمسية هادئة صافية، التأم شمل الحمير في الزريبة. ولأول مرّة في تاريخها المجيد، فوجئت بأكبرها ينصرف عن بقايا البرسيم، ليعلن بشكل صاعق عن ضرورة تشكيل حكومة!

قال: لقد حان الوقت أيّها الرفاق المناضلون، لأن نواكب تطوّر الحياة. إنّنا نتعرض للضرب ونحمل الأثقال ونُعامَل كالحمير، برغم كوننا بلا حكومة. هل هذا معقول؟! لا بدّ لنا من رفس هذه الازدواجية. نحن أمام أمرين لا ثالث لهما: إمّا أن نتخلّى عن حموريّتنا، وإّما أن تكون لنا حكومة حتى يكون لحموريّتنا معنى.. ومن رأيي أنه لا بأس في أن نبدأ بتشكيل (حكومة ظِلّ). لكنْ رُبَّ ناهقٍ ينهق: كيف تكون لنا حكومة ظِلّ في حين أننا نعمل تحت الشمس؟!

وللردّ على هذا السائِل أقول بإيجاز: اسكت يا حمار. إنّ التناقض ما بين الشعار والفعل هو من صميم عمل الحكومات. وإلاّ فكيف تستحق أن تسمّى حكومات؟ هل سمعت في حياتك عن وزير أشغال يشتغل؟ أو عن وزير إعلام يعلم؟ أو عن وزير تنمية كامل النمو؟ أرجوك يا رفيق.. كفى أسئلة من هذا النوع. لا تكن حماراً جداً. كن حماراً فقط.

الآن، وقبل البدء، سأكون ديمقراطياً، لا لشيء إلاّ لأنني حمار أصلي. فاسمحوا لي بأن أستفتيكم في شكل نظام الحكم.. ما شكل النظام الذي يُعجبكم؟ الملكي أم الجمهوري؟

نهق الرفاق بصوت واحد: النظام الجمهوري!

قال كبير الحمير: تم الاتّفاق بالإجماع على شكل النظام، والآن نبدأ بتوزيع الزكائب الوزارية.

نهق جحش: لكن.. من هو رئيس الحكومة؟

قال كبير الحمير: أنا طبعاً.. ألم نقل إن المسألة ديمقراطية؟

أنا أكبركم وأنا أقواكم وأنا صاحب الفكرة وأنا أريد الرئاسة.

وبما أنني حمار فأنا مقتنع بكوني أفضل من أيّ واحد منكم، وبما أنكم حمير فإنكم يجب أن توافقوا وتأكلوا تبناً.

هيه.. أنت.. لكَ زكيبة الإعلام.

صاح الآخرون: لكنه غير مؤهل! كيف يستطيع أن يدير الوزارة؟

قال كبير الحمير: ليس عليه سوى أن ينهق. هل هذا صعب؟!

انهق لهم يا جحش.

نهق الجحش: هاء هاء.. هذا عارٍ عن الصحّة.

قاطعه كبير الحمير: كفى يا بني. أعتقد أنكم قد أخذتم فكرة واضحة عمّا يمثّله الإعلام. ثم لا تنسوا أن رفيقكم يستطيع أن يحمل أسفاراً أيضاً.

أنت أيّها الواقف هناك. اقترب. قررّت أن تكون لك زكيبة الداخلية.

صاح الآخرون: الداخلية؟! الداخلية دفعة واحدة؟! ماذا يعرف عن هذا الأمر؟

قال كبير الحمير: اشرح لهم يا بني. قل لهم ماذا تعرف.

صاح حمار الداخلية: هاء.. هاء.. هاء.

تساءل الآخرون: وهذا أيضاً ليس عليه سوى أن ينهق؟

قال حمار الداخلية: عفواً أيّها الرفاق.. لم أكن أنهق.

كنت أضحك.. أضحك من الإشاعات المغرضة التي يروّجها الخونة عملاء الاستعمار.

قال كبير الحمير: نعم أيّها الرّفاق. من حقّ حمار الداخلية أن يضحك، فالأمن مستتب. ثم لا تنسوا أنه يرفس بحافر من حديد.

أنت يا مَن هناك.. لك زكيبة المواصلات.

لم يعترض الآخرون. هم يعرفون أنّ المواصلات تقع في صلب اختصاصه. لكنهم تساءلوا:

- ألسنا جميعاً نصلح لحمل هذه الزكيبة؟!

قال كبير الحمير: كلاّ.. وإلاّ فسوف تتعطّل أعمال الدولة!

فلكي يكون الواحد حمار مواصلات حقيقياً، فإنه يجب أن يتكاسل عن حمل أيّ شيء، وأن يمتنع عن إيصال أيّ شيء لأيّ مكان. طبيعة عمله تفرض عليه ذلك. لكنه سينهق في المناسبات الضرورية، لتحديد عدد المكاسب والمنجزات.

اسمع أنت.. لقد قررّت أن تكون لك زكيبة المعارف.

فوجىء الأتان، فتساءل: ولكنني حمار يا عمي!

قال كبير الحمير: وماذا تريد أن تكون أكثر من ذلك؟

أنت هناك.. ألم تنته من القضم؟ لقد أوشكت أن تبتلع كلّ البرسيم الذي في الزريبة. أنت والله أصلح واحد لحمل زكيبة المالية.

نهق حمار من أقصى الزريبة: وأنا؟ إنني أنهق أطول وأعلى من هؤلاء جميعاً. ألا يؤهلني ذلك لعضوية الحكومة؟

قال كبير الحمير: لم أنسك يا رفيق. إنني أعرف جيداً حجم موهبتك. اطمئن. لقد اخترتك للمهمة التي تناسبك. أنت (الناهق الرسمي) باسم الحكومة. قل للرفيق الذي بجوارك أن يكفّ عن رفس ابنه. ليس من الضروري أن يقتله رفساً لكي نؤمن بصلاحيته لزكيبة البيطرة.

صاح الحمار الرفّاس: البيطرة؟! كنت أعتقد أنني سأكون وزيراً للصحة.

قال كبير الحمير: وما الفرق يا هذا؟! في وزارة الصحة يعاملون الناس كالحمير.. وفي وزارة البيطرة يمكنك أن تعامل الحمير كالناس. ألم ترفس ابنك، الآن، بقسوة بالغة وكأنه مواطن؟

اسمع يا من هناك.. أنت لك زكيبة الدفاع.

قال حمار الدفاع: الدفاع؟ عن ماذا؟

قال كبير الحمير: لا عن شيء. فقط انهق وراء كل وجبة:

(إنّ قطعاتنا الباسلة تقف على أهبة الاستعداد لتحرير فلسطين).

قال حمار الدفاع: وهل يجب على قطعاتنا الباسلة، فعلاً، أن تحرّر فلسطين؟

قال كبير الحمير: كلاّ، كلاّ. لقد قام بهذه المهمة حمار غيرك. أمّا قطعاتك فعليها فقط أن تقف كلّ يوم على أهبة الاستعداد. هل هذا صعب؟

بعد استكمال الاختيار صدر (برسيم حمهوري) بتشكيل الحكومة. لكنّ الناهق الرسمي تساءل:

- ما الجديد؟ لسنا سوى حمير، وليس لنا من مواهب سوى النهيق والرفس. ما الفرق بيننا وبين أيّة حكومة عربية؟!

قال كبير الحمير: يا حمار.. الجديد هو أننا حمير بالأصالة لا بالانتحال. والفرق بيننا وبين أولئك هو.. إننا نعمل!

أحمد مطر


----------------------------------------------------------------------------
  #8  
قديم 27/04/2003, 01:57 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

شهقات من تحت الأنقاض

لم يعد بعيداً أو غريباً أن نسمع غونداليزا رايس وهي توجّه الى أمّ درمان تهمة كونها أم معارك متنكرّة!.

ولن تسكت حتى يكون دونالد رامسفيلد قد عرض لنا تقارير دقيقة ومؤكدة عن ان السلطة الفلسطينية تخطط جدّياً لغزو الأسكيمو!.

أما جورج بوش الابن فسوف يُبرّىء أم القيوين من تهمة تصنيع القنبلة القيوينية، لكنه سيحذّرها، في الوقت نفسه، من مغبة جعل أراضيها ملاذا لسكان الصين!.

عندما جاءنا المغول، أول مرة، لم تكن عندنا متاحف آثار ولا آبار نفط.

إنّي أكاد، الآن، أسمع رميم هولاكو يضطرب غيظاً وحسداً!.

هُم مَن وظّف الطباخ، وهم من اعطاه السكين والثقاب والوقود والقدر والأثافي، وهم من أمره بأن ينتفنا ويسلخنا ويضعنا على النار.. حتى إذا نضجت الطبخة، طردوه من المطبخ، ومدوا إلينا مغرفة الإنقاذ.

الحرية: هي المسافة الممتدة بين القدر والطبق!.

كان من الممكن ان نطمئن الى أولئك الذين اخترعوا القنبلة الذكية، لو لم يكونوا قد اخترعوا لها رئيساً غبياً!.

ذكرت صحيفة الزمان الصادرة في لندن أن القوات الأميركية قد عثرت على مجموعة من الوثائق الخطيرة التي تثبت العلاقات المتشعبة بين صدام حسين وبعض القوى السياسية والشخصيات الصحفية في دول عربية عدة، وان مجموعة من هذه الوثائق كشفت عن حصول العديد من الشخصيات السياسية العربية على مبالغ طائلة، مقابل الوقوف مع النظام ومساندته.

ونحن الآن، ننتظر بفارغ الصبر، نشر قوائم بتلك الأسماء والمبالغ.. وأحسب أننا سنفهم، حينئذ، لماذا كانت رنة النائحات أعلى من رنة أهل الميت.

وإذا كان اللطم والعويل ينطلق عادة بعد وقوع المصيبة، فإن مصيبة هؤلاء، ويا للمفارقة، ستقع بعد انتهاء عويلهم بوقت طويل!.

كم أنت كريم يا رب..

لقد كانوا، بالأمس، يضربوننا بكعوب الأحذية، وها قد يسرت لنا أن نضربهم، غدا، بكعوب الشيكات!.

سؤال: هل جربت في حياتك أن تصنع فرحة محزنة، وتحررا مقيدا، وأمانا مخيفا؟

جواب: هذه الأمور فوق طاقتي.. إنني لست اميركا.. أنا مجرد شيطان رجيم!.

أحمد مطر
  #9  
قديم 12/05/2003, 11:26 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

مُراوحة الجِن!

أضحكُ من أعماقي، وأنا أقرأ عن تقديرات الخبراء لتكاليف إعمار العراق.. لا لشيء إلاّ لأنّ هؤلاء القوم الذين يُفترض أن يتعاملوا مع الأرقام بحذر حامل الزئبق، يعمدون في طروحاتهم إلى استخدام مفردة المراوحة بخفّة لم يسبقهم إليها حتّى سعد بن عبدالرزّاق العاقول في مسلسل درب الزّلق الشهير!.

فالمراوحة، كما هو معروف، تكون بين حدّين متقاربين، بحيث يمكن للمرء أن يساوق نظرته إليهما دون أن يضطر إلى كسر رقبته.. وسواء أكانت المراوحة باليدين أو الرِّجْلين أو بالمروحة اليدوية أو بمرواح تذرية بذور الحصيد، فإنّ المسافة بين الحدّين الأدنى والأعلى لا تتجاوز ذراعاً أو ذراعين. أمّا إذا اتّسع معنى مراوحة شخص ما، بحيث تكون إحدى قدميه على الأرض والأخرى في الطابق الرابع، فإنّ المسألة تخرج فوراً من مجال التقدير لتدخل في مجال التنكيت.

إنّك، مثلاً، لو وضعت خريطة بيتك الجديد بين يدي مقاول وطلبت منه أن يقدّر تكاليف البناء فقال لك إنها تتراوح ما بين خمسين ألف دينار وعشرة ملايين دينار، فلا ريب أنّك حينئذ ستسارع إلى الاتّصال بإحدى جهتين: مخفر الشرطة أو مصحة الأمراض العقلية.. إذ لا يعدو أن يكون هذا المقاول نصّاباً أو مجنوناً.

وأنت غير ملوم في هذا، بل اللّوم كلّه يقع على سوء حظّه الذي جعله مجرّد مقاول بناء، ولم يجعله خبيراً اقتصادياً عالمياً.. لأنّ أرقام هؤلاء هي وحدها المعفاة من تهمة الجنون أو الاحتيال.

فهذا إدموند أوسوليفان رئيس تحرير ميدل إيست إيكونوميك دايجست يُقدّر أنّ تكاليف إعمار العراق تتراوح ما بين 25 و200 مليار دولار.. ممّا يعني أنّ المراوحة قد دخلت ميدان رياضة القفز العريض .. ولا بأس في ذلك، إذ لا يُنبئك مثل خبير ، لكنّ المشكلة تبدأ بعد انصرافك عن اعتدال هذا الخبير، لمواجهة تطرّف الخبراء الآخرين على ضفتي المحيط.

فالمحللون الاقتصاديون البريطانيون - استناداً إلى سي أن أن - يرون أنّ هذه التكاليف تتراوح بين 84 و500 مليار دولار، أي أنّ المسافة بين الحدّين الأدنى والأعلى تبلغ ستة أضعاف تقريباً. وحيال هذا فإنّ أوّل ما سيخطر في بالك من شأن هذه المراوحة هو أنّها تعبير ملطّف عن القفز بالزّانة ، لكن من غير المؤكد أن تحوز أفكارك على موافقة خبراء الرّياضة، لأنّ مثل هذه المسافة لم ترد على الإطلاق في سجّل أرقامهم القياسية!.

وأنت نفسك، على أيّة حال، ستنسى هذا الأمر تماماً، عندما يُعلمك أحد الاقتصاديين الأميركيين من جامعة ييل، بأن تكاليف إعمار العراق قد تصل خلال السنوات العشر المقبلة إلى (1600) مليار دولار.. أي إلى تريليون وما يزيد على نصف تريليون دولار!.

وما بين الرقم الأدنى وهو 25 مليارا، والرقم الأعلى وهو ما لا تطيقه آلتك الحاسبة، مسافة لا يمكن قطعها بالمراوحة ولا بالزّانة ولا بالصاروخ، ولا يمكن استيعابها مطلقاً إلاّ إذا استعنّا بقفزة جِنّي، وليس أي جنيّ، بل بجنّي سليمان نفسه الذي أتاه بعرش بلقيس قبل أن يرتد إليه طرفه!.

صحيح أن كلّ شيء عند الأميركيين Big، لكنّ رقماً مثل هذا كفيل باقتلاع فروة رأس الكرة الأرضية. فلو أنتج العراق نفطاً بقيمة عشرة مليارات دولار كلّ عام، فإنّه لن يستطيع سداد قيمة التكاليف إلاّ بعد مائة وستين عاماً.. وهو ما يعني أنّ بلداً على وجه الأرض، منذ بدء الخليقة، لم يشهد تدميراً أعتى وأقسى من هذا الإعمار الذي سيشهده العراق!.

إنّ تكاليف إعمار أوروبا كلّها، بإعقاب الحرب العالمية الثانية، لم تتجاوز 13 مليار دولار.. فإذا افترضنا أنّ القيمة الشرائية للدولار قد تدَنّت، منذ ذلك الوقت، أربعين مرّة، فإنّ تكاليف إعمار جميع الدول الأوروبية تبقى - بمقاييس هذه الأيّام - أقلّ من ثلث تكاليف بناء هذه الدولة الوحيدة المنكودة التي تسمّى العراق !.

وبعيداً عن المراوحة بين الوقت الراهن والماضي القريب، فإنّ تكاليف إعمار أفغانستان، الدولة المطحونة طيلة ثلاثة عقود بحروب أهلية وخارجية جعلتها قاعاً صفصفاً، لم تتجاوز في أعلى تقدير أكثر من 900 مليون دولار!. فأي سرٍّ مقدّس هذا الذي يجعل من العراق وحده، دون سائر البلدان، منذوراً لأن تكون حتى مسألة بنائه.. قنبلة عنقودية؟!.

إنّها جناية الإصابة بداء النفط.. لا أكثر ولا أقل.. وعندما نعلم أنّ عشرة مليارات من هذا المبلغ ستغطّي كلفة مساعدة أصدقاء التحالف يعني رشوتهم ، وأنّ 361 ملياراً ستخصّص لخدمة ديون العراق، فإننا سنكتشف أنّ شايلوك حيٌّ يُرزق، وأنّ وجوده سيكفينا مشقّة البحث عن جنّي لتكليفه بمهمة المراوحة !.

ويا أيتّها الأرض الحبلى بالنفط.. لا بارك اللّه في جنينك.

أحمد مطر
  #10  
قديم 12/05/2003, 11:57 AM
صورة عضوية روح الأخوة
روح الأخوة روح الأخوة غير متواجد حالياً
دفء البـــوح
 
تاريخ الانضمام: 14/09/2000
الإقامة: >>|| فِيْ مَمْلَكَتِهَا ||<<
المشاركات: 29,724
مشكور مشرفنا على هذا الطرح الجميل...

بالتوفيق...
  #11  
قديم 15/06/2003, 01:49 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

البيت

شب حريق في بيتنا.. أيقظنا أبي واحداً واحداً، وقال وهو يدفعنا إلي الخارج: اسرعوا لكي نتدفأ.

أمضينا أكثر من ساعة ونحن نمد أذرعنا إلي النار، ونعود بها إلي وجوهنا المقرورة، حتي خمدت أنفاس الحريق، وتراكم الرماد الأسود تحت لحاف الدخان الأبيض.

قال أبي بحنان: هل استمتعتم بالدفء يا أولاد؟

قلنا جميعاً: استمتعنا جداً.. لم ننعم بمثل هذا الدفء طيلة الشتاء.. لقد كانت صدفة عظيمة.

قال أبي ببرود: كلا.. لم تكن صدفة.. أنا الذي أحرقته.

هتفنا بذهول لا يشوبه أي أسف..لماذا؟!

قال وهو يجذب أمي للجلوس علي حافة الرصيف: هذا الشارع صحي أكثر.. كان البيت بارداً مثل هذا الرصيف، لكننا لم نكن نستطيع إشعال الرصيف لكي نتدفأ.. إن بيتنا كان فارغاً إلا منا.. احسبوا أنفسكم جميعاً لكي أطمئن علي سلامة الأثاث.. ثم تعالوا لنحسب معاً فوائد الحريق: الآن لن يدق بابنا ضيف لا نستطيع إطعامه حتي ماء صالحاً للشرب..والآن لن يُداهم الشرطة بيتنا، والآن لن نخجل من خروج اللصوص من بيتنا فارغي الأيدي، والآن لن نعيش في الظلام والعزلة.. لدينا أعمدة النور والمارة.

قالت أختي: سيحبسوننا بتهمة التشرد.

قال أبي هذه فائدة أخري.. سوف يكون لنا مأوي بعد أن كنا مشردين في بيتنا.

قلت بفزع: سوف يضربوننا في الحبس!

قال أبي بارتياح: علي الأقل.. سيكون هناك لأول مرة.. سبب لضربنا!

قالت أمي: وهل ستصبر علي حياة السجن؟

قال ضاحكاً: أنت غرة مثلهم.. فأي فرق بين أن نكون في السجن أو الشارع أو البيت؟

الغربة هي الغربة.. كلها وطن!

أحمد مطر
  #12  
قديم 29/06/2003, 03:47 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

فوائد متراكمة!

ساهمتُ، ذات زمن، في كفالة يتيم، ولا أزال حتي هذا اليوم أتحسس راحة يدي وأضحك.. وليس ما يدفعني إلي الضحك هو إحساسي بفرح لأنني فعلت خيراً، كما لم يكن تحسسي لراحة يدي تمسحاً ببركة الجميل الذي أدته.. ويمكن القول أيضاً إن ضآلة مساهمتي التي لم تتعد عشرة فلوس ليست هي سبب سروري لقلة الخسارة.. كلا، فإن العطايا القليلة تدفع بلايا كثيرة، وهي مقبولة عند الله عندما تُوهب من القلب ولا تكون مشفوعة بالأذي.. وهما أمران لا أدعي أنني فعلتهما، فقد دفعت العشرة كارهاً، وأتبعتها بتوشيح اليتيم بسيل من الشتائم التي تعدته إلي أقاربه الأبعدين، وذلك يعني أن مساهمتي لم تحظ بالقبول اللازم لإثارة الفرح.

إن ما يضحكني هو أنني حين لم أستطع استرداد مساهمتي، عمدت إلي تمزيق جيب بذلة اليتيم وياقتها، ووضعتهما في جيبي كتعويض، ومازلت أحتفظ بهما حتي الآن.

بدأت حكاية مساهمتي حين هبط علي ستوري وأنا واقف أمام باب بيتنا، وأسبل جفنيه بخشوع، وألقي كفيه الثقيلتين علي كتفي، ومضي يُفرغ فوق رأسي طيلة نصف ساعة، محاضرة في التضحية والإيثار وإغاثة الملهوف، ختمها بالقول:

- الدنيا بخير إذا كان أهلها بخير.. الواحد منا يستطيع أن يصنع المعجزات بأقل التكاليف.

أنت مثلاً تحب أن تساهم في كسوة يتيم.. أليس كذلك؟ وترغب من قلبك في ملء معدته بوجبة غنية بالفيتامينات.. ألستُ علي حق؟ فما المشكلة؟ أنا أقول لك.. المشكلة هي أنك لا تملك مالاً كافياً لأداء مثل هذا العمل المبارك.. وبصراحة.. أنا مثلك، والجميع مثلنا.. فكيف يمكن للدنيا، إذن، أن تكون بخير؟ أنا أقول لك.. نفتت المبلغ، وعندئذ سوف لن يدفع الواحد منا إلا فتفوتة صغيرة يمكنك أن تسميها بصقة.. نعم بصقة، لكنها عند الله أعظم من بحر.

سألته بحياء:

- ما مقدار هذه البصقة مثلاً؟

فرك سبابته بإبهامه مزدرياً:

- لنقل عشرة فلوس.. أرأيت؟ حتي الطفل الرضيع يستطيع المساهمة بمثل هذا المبلغ التافه.. أليس كذلك؟

ثم مد يده في جيبه وأخرج عشرة فلوس وضعها في كفه اليسري، وبسطها أمامي قائلاً:

- هذه عشرتي أنا.. هل أجد أحداً غيري محباً لفعل الخير؟

شعرت بالخجل، فمددت يدي في جيبي، وهيأت فوق كفه رفيقة لعشرته.

قال لي وهو يهرش شعري:

- بارك الله فيك.. والأن سأسعي إلي استثارة نخوة أهل الخير، وفي هذا أجر آخر أكسبه هو أجر العاملين عليها.

ظل طيلة اليوم يدق الأبواب، ويعترض السائرين، واستطاع أن يستحلب العشرات من جيوب الآباء والأمهات وأصحاب الدكاكين والتلاميذ والمصلين في الجامع، وكان الجميع يرمون العشرات في يديه كما يقذفون البصقات بالفعل، فقد كانت قطعاً نقدية صغيرة لا تسبب وجعاً لليد ولا للقلب، وتكسب أصحابها هيبة واطمئناناً بأرخص الأثمان.

وبعد ثلاثة أيام، بدا أن المبلغ المُفتت قد تماسك واستحال في هيئته النهائية مبلغاً ضخماً، وأن اليتيم قد نال كسوته وطعامه، إذ أقبل ستوري من مركز المدينة طافحاً بالسرور.

دهشت لمنظره الجديد، فسألته بغيظ:

- من أين لك هذه البذلة؟

- اشتريتها من السوق.

- أعرف هذا، فهي جديدة وجميلة، وإن تكن ضيقة علي مقاسك كبغل.. لكن كيف اشتريتها وأنت أفقر من شحاذ؟!

- لم أدفع إلا القليل جداً من ثمنها.. الباقي دفعه أهل الخير.. الدنيا لاتزال عامرة بالطيبين.

وجدتني أسأله؟

- وأكلت جيداً؟

- طبعاً.. دجاجة سمينة مشوية وثلاثة أرغفة، تمنيتها لمعدتك.

- إذن فأنت هو اليتيم؟!

- نعم.. لا حرمك الله من والديك.

صرخت مغتاظاً:

- لكنك شاب بالغ.. وفوق ذلك لم يحرمك الله من والديك!

قال بانكسار وهو يحاذر من تدفق ضحكته المكتومة:

- لكنني أفقر من شحاذ كما تقول.. ألا يمكنك أن تعتبرني يتيم وطن

صحت بغضب:

- في هذه الحالة يمكنك أن تعتبر جميع سكان المنطقة نزلاء في ملجأ الأيتام هذا.. وأنا أولهم. ثم لم ألبث أن قفزت عالياً فانتزعت جانباً من ياقة سترته، وعمدت بيدي الأخري إلي قطع واحد من جيوبها، وعدوت بهما، وهو يصرخ في أثري متألماً:

- ماذا تفعل؟!

رددتُ عليه مُتشفياً وأنا لا أزال أعدو:

- أخذت قيمة عشرتي.

زمجر من ورائي:

- إن عشرتك لا تساوي خيطاً واحداً من هذه البذلة!

أجبته وأنا أحاول جاهداً أن أفلت من بين يديه:

- الخيوط الزائدة.. فوائد متراكمة!

أحمد مطر
  #13  
قديم 24/12/2003, 11:57 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

ما بعد الإفراج

أوّلَ لقائه بالحريّة، عرف أنه أمضي ستة أعوام، ذلك هو الفرق بين أن يكون داخل المعتقل أو خارجه.. خارج المعتقل يستطيع حساب الزمن. ذلك هو الفرق.

شعرهُ شاب تماماً، وروحُهُ شابت. شَعرٌ أبيض، وروح سوداء. ستة أعوام، إثنان وسبعون شهراً، أكثر من ألفي شمسٍ.. وراء الشّمس. ماذا يهم العدد؟ الشمس في الخارج هي أيضاً وراء الشّمس!.

رَبّتَ الشرطي علي كتفه:

- متأسفون يا أخ. كان الأمر مجرّد اشتباه .

الشرطي نفسه الذي طالما قدّمَ إليه - من بين فخذيه - أنواعاً مختلفة من زجاجات المرطبات.. الفارغة.

- حقيقةً متأسفون. كان مجرّد اشتباه. هل نأمر لك بزجاجة كولا؟ .

الشرطي نفسه الذي...

ضحك، وأمسك بكرشه كي لا ينفرط:

- قه قه.. لا تَخفْ، من فوق هذه المرّة .

لم يرفض ولم يقبل.. تناول بقايا عافيته وانصرف.

لم يجد أحداً في استقباله. زوجته غادرت المنزل منذ عامين، والمنزل غادر المنزل قبل سبعة أشهر. قيل إن الدولة استولت عليه. أمّا الزوجة فلا أحد يدري من استولي عليها بالضبط.

كان قد خلَّف ولدين وبنتاً، قبل اعتقاله، واختفوا. وكانت زوجتهُ قد خلّفت من بعده ولداً، واختفي أيضاً.

عرف أن ابن زوجته جاء بطريقةٍ رسمية، إلاّ أنّه مات مخنوقاً بعد ولادته بساعات، فانقطع الأمل في أن يصبح ذات يوم رئيساً للدولة!.

ولده الأكبر مات بلا عينين. قيل انه رأي ما يزعج الدولة. الأوسط مات من الجوع والخوف في المنزل الخاوي.

أمّا الصغيرة، فيغلب الظنُّ أنها كأمّها، صارت من ممتلكات الدولة.

واساه الجيران كثيراً.. ثم انصرفوا.

قعد في المقهي صامتاً. قعد صامتاً عدّة ساعات. وبغتة رفع رأسه الي السماء:

كان الأمر مجرّد اشتباه

وأطرق صامتاً.

بينه وبين الطاولة مرّت زوجتهُ، واختفت. مرَّ أبناؤهُ الثلاثةُ، واختفوا. مرّت لَفّة قماش مخنوقة بالقماط، واختفت. ومرَّ وراءهم رئيس الدولة يحمل زجاجة كولا فارغة. ومرَّ وراءه طابور من ****** ببزّات الشرطة. طابور يهتف بانفعال تسقط الامبريالية .

كانت الرّيح عاصفةً. صَفّقَ العلم بعنفٍ علي سارية مبني البلدية. التف العلم حول السّارية بشدّة، واندلق بشدّة. رفرف، ورفرف، ثم اختفي.

رفع رأسه عالياً حتي ثقب السماء.

كان.. مجرّد.. اشتباه .

سقط رأسه علي الطاولة.

وظلّت الهتافات تنطلق مدوّية:

تسقط الإمبريالية .

أحمد مطر
  #14  
قديم 10/01/2004, 03:05 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

لغة الأضداد!


الاوروبيّون ليسوا جادّين حقا في مسألة الوحدة. كلاّ. إنّهم فقط يفعلون ذلك نكاية بي. دول مثل سوق الخردة، كلّ دولة لها في رقبة الاخرى طوفان من الدّم، خلطة متنافرة من الألسن مثل بهارات كالكوتا.. ومع ذلك، يتسمّت هؤلاء الخبثاء حول الطاولة، ويتصنّعون المودّة والألفة، وينفقون الوقت والمال والجهد، ولاهدف لهم من وراء ذلك إلاّ أن يجعلوني أتسمّم من الغيظ.

هراء. لن اترك لهم فرصة للفتك بي. لن اشاهد التلفزيون، ولن أقرأ الصّحف، ولن اسمح بدخول (اليورو) الي مطبخنا حتّى لومتنا من الجوع. دعهم يكملوا وحدتهم. دعهم يخسروا الوقت والمال والجهد، ليكتشفوا في النهاية انني لم أرَ ولم اسمع ولم أتسمّم من الغيظ، وأن مؤامرتهم لم تنجح.

ثمّ تعالوا.. لماذا اغتاظ؟

ماذا عندهم احسن ممّا عندنا؟

عندهم (بطاطا)؟ عندنا (بتاتاً)، واحذية (باتا) ايضا! عندهم شبكات مواصلات متلاحمة؟ عندنا شبكات كلمات متقاطعة: كلّ ثلاث او اربع خانات تقف في بلعومها خانة سوداء: (الموت للخونة)!

- أفقيا: يحاول زيارة بلد شقيق (ملحوظة: اسمك على الكومبيوتر. هل تودّ الرّجوع من حيث جئت، ام تُفضّل الدّخول في هذه الخانة الناصعة السّواد؟):

أربعة حروف: (يُحَبس)!

- عموديا: يطمح إلى المعالي: اربعة حروف: (يُشنق)!

ماذا عندهم؟ هاه؟ قوس (الرّخام؟ عندنا قوس قزح، ونجوم الظهر ايضا. عندهم (انتخابات)؟ عندنا (انتحابات). عندهم بيتزا؟ عندنا خارطة الوطن العربي! هل عندهم (لغة ضاد)؟ هيهات. نحن فقط عندنا، ومرفق طيّها شاعر أشعث أيضاً ينطّ في وجهك كلّما فتحت الاطلس:

فلا حَدٌّ يُباعدُنا

ولا دينٌ يُفرّقُنا

لِسانُ الضّادِ يجمعنا

بعدنانِ وقحطانِ

أمّا الدّين الذي لا يفرّقنا فمعلوم!

وأمّا (الضّاد) فنحن بفضل الباري ننطق به مثل الكناري: في الخليج والعراق نٌدلّله فنجعله (ظاءً). وفي مصر والشام ندلّلهُ أيضاً فنجعله (طاءً). أمّا في المغارب المزيانة ف..(إشنو يعني الدّاد؟).

هذا ليس مُمهّاً. المهم أن الضاد يجمعنا بعدنان وقحطان. ولأننا اسريّون جدا، فنحن لا نجتمع في العادة الا في (بيت خالتنا)!

قل لي.. هل عند الاوروبيين اسماء اضداد؟

مستحيل. ليس على وجه الارض أمّة عندها اسماء (زهيرية) أكثر منّا.

مثلاً: مولى: سيّد مطاع، وأيضا عبد مملوك.

مثلاً: سليم: صحيح البدن، وايضا ملدوغ.

مثلاً: جُونه أبيض خالص ، وايضا اسود خالص.

مثلا: مهيب: رتبة عليا للعسكري الاصيل المخضرم في الجندية، وايضا لابن الشوارع الهارب من التجنيد.. وهَلمجّرا..

وعلى فكرة، ليس لدى الاوروبيين (هَلُمَّ جَرّاً). المواطن عندهم لا يأتي جَرّاً حتى لو ارادت اجهزة المخابرات ان تطمئن على صحّته!

كلّ هذا، والمرحوم عبدالله القصيمي ظل يردد حتى آخر حياته ان العرب ظاهرة صوتية!

غفرالله يا رجل. هذا افتراء فمتى كان لنا صوت حتى يكون ظاهرة؟!

الصوت الوحيد الذي امكن للعرب ان يطلقوه خلال اربعة عشر قرناً هو.. (صوت السهارى)!
  #15  
قديم 15/06/2004, 06:39 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

كل الطرق تؤدي إلي قبرص!


لا يهمني أن تظل قضية قبرص بلا حل الي أبد الآبدين، لكنني، مع ذلك، مضطر الي متابعة تطوراتها بسبب اضطراري الي حلاقة شعري كل شهر ذلك لأن حلاقي قبرصي يوناني، وهو ينتظرني بفارغ الصبر ليناقش معي، حال جلوسي علي الكرسي، آخر مستجدات تلك القضية، ولابد لي من مجاراته، لكي أستطيع من خلال تعاطفي ان ألفت نظره، بين الحين والآخر، الي الاهتمام بالقضية ذات الأولوية التي جئت من أجلها: حلاقة شعري!

كان ولدي بصحبتي حين توجهت الي الحلاق في المرة الأخيرة، ووجدتني أشكو اليه بثّي كأنني مقبل علي كارثة:

- لا أدري ماذا أصنع؟ إن اسابيع مرضي الطويلة شغلتني عن متابعة أهم ما يتعلق بقضية بلادي، فما بالك بقضية قبرص؟

تساءل ولدي بدهشة:

- وما شأنك بقبرص؟!

قلت له:

إنه شأني يا ولدي.. وستري ان صديقي جورج سيبدأ المعزوفة حتي قبل أن أجلس علي الكرسي. إن شعري مبرمج علي ذلك، إذ لا يمكن لجورج ان يقص لي شعري دون ان يقص علي قضيته. بادرني ولدي بطوق نجاة:

- اسبقه أنت هذه المرة. اخترع فاجعة من أي نوع واشغله بها حتي النهاية.

وجدتها فكرة جيدة، فبدأت أبرم خيوط مأساة قابلة للاستطالة، حتي اذا دخلنا الصالون ووجدناه خالياً من الزبائن، ساورني القلق، فهمست لولدي:

- لن يكون متعجلاً. لديه وقت كاف لأخذ حصة وافرة من الكلام.

حييت جورج، وانطلقت رأساً نحو المغسلة، فتبعني وهو يسألني عن الأحوال، وتلك هي عادته قبل ان يبدأ العزف.. فاغتنمت الفرصة حالاً واطلقت زفرة حارقة:

- أوه يا جورج.. لا تسأل. إنها كارثة. كارثة بكل المعاني. لم يبق لي من كل اسرتي سوي أمي، وهي عجوز متهالكة لا أظنها ستعيش بعد هذه الصدمة. تباطأ جورج وهو يصب الشامبو في كفه استعداداً لفرك شعري، وتساءل بهلع واضح:

- ماذا حدث؟!

قلت له وأنا اخفي ابتسامتي في قعر المغلسة:

- لا أدري من أين أبدأ.. لقد وقع انفجار في البصرة فأودي بحياة جميع أهلنا في العمارة.

صفر جورج متأثراً وأبدي جميع ألوان الحزن والأسي وكفت يداه عن فرك شعري، لكنني في اللحظة نفسها، كنت مشفقاً علي ولدي الذي أعلم انه كان يحاول جاهداً ان يكتم ضحكته. فالمسافة بين البصرة والعمارة تستغرق ساعتين بالسيارة، اذا انطلقت بأقصي سرعتها. قلت بحسرة:

- شكراً لله علي أن أمي لم تكن في العمارة عند وقوع الانفجار. لا أحد يعلم علي وجه اليقين من هم الأوغاد الذين وراءه.

فرك جورج شعري بعصبية، ومضي الي التضامن معي الي أقصي حد، اذ بادر متطوعاً بأريحية الي كشف الغموض عن هذه القضية.

- إنهم الأتراك.. صدقني. هذا ما يفعلونه دائماً. انهم يغتنمون أية فرصة لكي يقوموا بالتخريب، ولا تنس ان الأبواب مشرعة امامهم بسبب علاقتهم القوية بأمريكا واسرائيل. سلني عنهم.

ثم لف شعري المبلل بالمنشفة وقادني الي الكرسي قائلاً:

- من باعتقادك وراء الانفجارات الأخيرة في أثينا؟ انهم هم.. لقد ساءهم ان يصوت القبارصة اليونانيون ضد انضمامهم الي الاتحاد الأوروبي. هم يحسبوننا أغبياء لنقول نعم .. كلا، عليهم ان يدفعوا الثمن أولاً برفع أيديهم عنا. نحن القبارصة اليونانيين والأتراك لا شأن لنا بتركيا.. ليرفعوا أيديهم عنا.

ومضي يطقطق بالمقص ليصنع توازناً بينه وبين طقطقة فكيه.

ولمحت في المرآه وجه ولدي، ورأيته يرفع يديه وحاجبيه معاً، اشارة الي ان لا فائدة علي الاطلاق من طوق النجاة، الأمر الذي حفزني علي مقاومة الغرق بكل ما أوتيت من قوة، فخبطت الموج بيد العاريتين، محولاً الموضوع نحو جهة بعيدة جداً:

اسمع يا صديقي جورج.. لدينا نكتة تروي عن صاحب الجمل. إنه تلميذ مهووس بالجمل، فمهما كان موضوع درس الانشاء فانه لابد ان يتحول بين يديه الي حديث عن الجمل.. وقد وجد المدرس ان الحل الوحيد لهذه المعضلة هو ان يوجه التلاميذ لكتابة موضوع عن الكمبيوتر، فبدأ صاحبنا موضوعه قائلاً: إن الكمبيوتر جهاز الكتروني حديث قد انتشر في جميع مدن العالم، لكنه لم يصل الي الصحراء، فأهل الصحراء لا يتمتعون بخدمة الكهرباء، وهم يعيشون متنقلين طلباً للعشب، ووسيلة نقلهم هو الجمل، والجمل حيوان يستطيع ان يختزن في جوفه الماء والطعام لفترة طويلة.. وهكذا.

ولم يبق أمام المدرسة، بعد هذا، إلا ان تطرد هذا التلميذ، فكتب شكوي الي وزير التربية قال فيها: إنني علي الرغم من ظلم المدرس لي، فقد تحملت هذا الظلم طويلاً، وصبرت عليه صبر الجمل. والجمل كما تعرف سعادتك هو حيوان يعيش في الصحراء، ويتصف بالصبر والقدرة علي اختزان الماء في جوفه لفترة طويلة.

انفجر جورج ضاحكاً، ونسي كل ما كان من كارثتي التي تُبكي الحجر، فحمدت الله علي نجاتي، وغمزت لابني في المرآة، فوجدته يبتسم فرحاً لقدرتي علي الانتصار أخيراً. وطقطق جورج بالمقص فالتهم خصلة من شعري، لكنه لم يلبث أن توقف، وقال وهو لا يزال يضحك.

- أتعرف؟ لقد أصبت الهدف تماماً. إن صاحب الجمل هذا مثل تركيا بالضبط. كلما حاولنا ان ننجو بأنفسنا باعتبارنا دولة اسمها قبرص، عضت علينا بأسنانها باعتبار ان نصف القبارصة أتراك.

ومضي في معزوفته حتي نهايتها المعهودة، وهو لا يكف عن الضحك بين الفينة والأخري، من صاحب الجمل، دون ان يخطر في باله انه هو نفسه صاحب الجمل.

قلت لولدي بعد مغادرتنا الصالون:

- لم يعد في القوس منزع.. إما ان تحل قضية قبرص، واما ان أبدل هذا الحلاق. والمشكلة هي انني لا أستطيع تبديله.. فهو حلاق جيد.

قال ولدي، وقد تأكد من ان جورج محصن ضد أية خطة حربية مهما كانت بارعة:

- ليس أمامك، اذن، إلا ان تحل قضية قبرص.
  #16  
قديم 15/06/2004, 11:30 PM
الجنرال2010 الجنرال2010 غير متواجد حالياً
عضو متميز جداً
 
تاريخ الانضمام: 05/02/2002
الإقامة: فوق هامات السحاب
المشاركات: 2,159
عودا حميدا
  #17  
قديم 16/06/2004, 04:06 AM
تيم تيم غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 29/11/2003
المشاركات: 659
راااااااااااائع
  #18  
قديم 23/06/2004, 06:23 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

خط بين نقطتين

كل الانجازات الباهرة في الدنيا كانت وراءها أفكار صغيرة. ومن الطبيعي أن يحتاج تنفيذها وارساؤها علي أرض الواقع الي الفطنة والموهبة والجهد، لكن كل هذه الأشياء لا تشفع للمرء في تحقيق أدني النجاح اذا لم يكن مؤمنا حقا بما يفعل، ومتدرعا بالاصرار وعدم التسليم بالفشل مهما طالت التجربة، ومهما كانت المعوقات.

إن هذا هو مؤشر التمايز بين الناس، واذا كان لنا ان نندب سوء أوضاعنا وتخلفنا عن الآخرين، فينبغي ان ندرك ان ليس مرد ذلك الي كوننا فقراء الي المواهب والطاقات، ولكن لكون الآخرين أطول منا نفسا، وأكثر صبرا، وأكبر قدرة علي التحدي والمواصلة.

اننا نتناقل جيلا بعد جيل، حكاية القائد المغلوب الذي ألهمته النملة باصرارها علي نقل كسرة خبز ثقيلة ونجاحها بعد طول الجهد والمحاولة، ان يجمع فلول جيشه المهزوم وينتصر في النهاية.

لكن الحكاية تبقي معنا مجرد طرفة نزجي بها ليالي السمر، فيما هي عند الآخرين تجربة حية وحثيثة علي أرض الواقع.

كذلك كانت تلك الحكاية بالنسبة للصبي جيمس وات الذي رأي غطاء ابريق الشاي يرتفع حاليا بتأثير تصاعد البخار، فكان ان اخترع المحرك البخاري الحديث، وكذلك كانت بالنسبة لبائع الصحف الصغير توماس أديسون الذي أضاء لنا ليلنا باختراعه المصباح، لكي نقطعه بالسمر وترديد حكاية القائد المغلوب والنملة، مضيفين اليها والي الآلاف غيرها حكايته وحكاية صاحبه وات ايضا.

منذ زمن طويل كان هناك شاب صغير من مدينة كنساس مولع بالرسم، لم يترك جريدة الا وتقدم اليها محاولا بيع رسومه الكاريكاتيرية، لكن المحررين جميعا جابهوه بالبرود، بل وبالرفض القاطع، مصرحين له بغلاظة بأنه عديم الموهبة وان عليه ان ينسي تماما أمر الاشتغال في هذا المجال.

لكن ذلك لم يثبط الشاب، بل راح يواصل الرسم والبحث عن اية فرصة متاحة لاستثمار امكاناته.

وفي النهاية عرض عليه أحد القساوسة ان يرسم للكنيسة اعلاناتها في المناسبات لقاء أجر زهيد. لكن الشاب الغر أعرب عن حاجته الي مرسم .. وهو في الواقع كان بحاجة اليه لا للرسم فقط بل للنوم ايضا، اذ لم يكن لديه مكان يأوي اليه!

ويبدو انه كان لدي الكنيسة مرآب مهمل تزحمه الفئران، فأشار القس علي الشاب ان يقيم فيه. لكن.. من يصدق ان واحدا من تلك الفئران سيصبح فيما بعد اشهر فأر في التاريخ، وان ذلك الشاب سيصبح واحدا من اشهر الفنانين في العالم؟!

ذلك الفأر معروف الآن لدي الملايين باسم ميكي ماوس ، اما الشاب فهو والت ديزني .

وتلك حكاية اخري تضاف الي غيرها من المسامرات الليلية.. وحظنا منها ان نسمعها بانبهار واعجاب، ولا شيء غير ذلك، لأن نظرتنا اليها ستظل مقتصرة علي نقطتي البدء والنهاية وحدهما. أما حظ الآخرين فهو السير الواقعي علي الخط المتعرج الطويل القائم بينهما: خط الايمان بالفكرة والثقة بالنفس والتجربة الدائبة والجهد الحثيث لتذليل العقبات والاصرار علي النجاح وعدم الاعتراف بالفشل علي الرغم من تكرره
  #19  
قديم 25/06/2004, 03:59 PM
الندىالبارد الندىالبارد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 11/04/2001
الإقامة: زهرة يانعة يترقبها الذبول
المشاركات: 1,436
ما اجمل الموضوع والاسلوب الممتع للكاتب...

تحياتي لك مشرفنا العزيز...
  #20  
قديم 28/06/2004, 11:54 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

سوق الخطف

كنت قد كتبتُ، منذ عدة أعوام، حكاية عن لصوص يسطون علي بيت فلا يجدون فيه سوي امرأة عجفاء بصحبة نصف دزينة من الأطفال الجاذعين الذين يفترشون معها العراء، ويتراشقون بالشتائم الذّاوية لشدة ما بهم من وهن!

وحيث انّ البيت كان فارغاً حتي من قدر، فإن المرأة التي تخففت من واجب الهاء أولادها بطبخ الحصي، كما في الحكاية التراثية، لم تفزع، بل رأت في مقدم هؤلاء اللصوص بارقة أمل، فانتشلت واحداً من الأولاد وقدمته لهم هدية، لكي لا يخرجوا من بيتها فارغي الأيدي!

غير ان اللصوص اعتذروا عن عدم قبول الهدية، وصارحوها بأنهم لم يحترفوا السطو إلا بسبب كثرة العيال وضيق ذات اليد، وان أخذ ولدها لن يفيدهم في شيء، بل سيحملهم هماً اضافياً، وذلك لانهم سيضطرون الي اطعامه دون ان ينتظروا من ورائه فدية!

ولم أتخيل أبداً ان مبالغتي الساخرة هذه ستكون عرضة لسخرية ما يجري واقعياً في عراق اليوم الذي فتحت فيه عصابات العنف الأعمي الهابّة من الجهات الأربع، سوقاً عمياء للخطف يتداول بضائعها تجار يملكون رأس المال نفسه الذي يملكه اللصوص في حكايتي، لكنهم، غالباً، لا يملكون حنكتهم في عدم قبول البضاعة الفاسدة!روت لي صديقة كويتية ان خطيب اختها -وهو عراقي يعيش في الكويت مع أهله ذوي الدخل المحدود -كان قد غادر الي البصرة، بعد زوال نظام جرذ تكريت، لكنه اختطف في الطريق من قبل عصابة طالبت أهله بفدية مقابل إطلاقه.

وعبثاً حاول أهله اقناع العصابة بأنهم عراقيون علي مدِّ الله، وانهم لا يملكون حتي رائحة المبلغ المطلوب، فلما يئسوا اسلموا امرهه وأمرهم الي الله.

وطال الوقت بالخاطفين وهم ينقصون من مقدار الفدية مرة بعد مرة، دون ان يجدوا اذناً صاغية.. حتي استحال المخطوف الي ورطة بالنسبة لهم، فتفتقت اذهانهم عن فكرة بيعه الي عصابة أخري، ولم يكن حظ هذه أفضل من حظ سابقتها، فاضطرت في النهاية الي الاستحواذ علي ثياب الرهينة واطلاقه بملابسه الداخلية!

وحكي لي صديق عائد من العراق حديثاً ان ابن جارهم قد تعرض للاختطاف، وتلقي والده رسالة من الخاطفين تطالبه بفدية من اجل انقاذه، ولأن الوالد كان -كما يؤكد صديقي- في حالة مالية مزرية، فقد أرسل من يسأل الخاطفين عما اذا كان يطعمون ولده جيداً، فجاءه الرد بالايجاب، وعندئذ أرسل اليهم متوسلاً ان يخطفوه هو ايضاً مع اولاده الآخرين!

وانهي الصديق حديثه بأن الولد عاد سالماً الي البيت في الليلة ذاتها.

وحين أعربت عن دهشتي من غباء مثل هؤلاء الخاطفين الذين يحاولون سرقة الأحذية من الحفاة، طمأنني الصديق الي ان السوق لا تخلو من التجار الأذكياء العارفين الذين يعملون حساباتهم بالقلم والمسطرة.

وقال لي، في هذا السياق، إن عصابة خطفت ولداً آخر وحاول أبوه تقليد جارهم، فادعي انه لا يملك من حطام الدنيا شيئاً، لكنه فوجيء بالعصابة وهي ترسل اليه كشفاً دقيقاً بجميع ممتلكاته!

ولكونه تاجراً حاذقاً، فقد جرّب طريقته المعتادة في المساومة، للوصول بمبلغ الفدية الي أدني مستوياته، مقفلاً الموضوع بقوله ان الذي خلق ولده هو الكفيل بأخذ روحه أو إعادته حياً.

ويبدو انه كان في ضلاله القديم، اذ أبلغه الخاطفون بأنهم لن يقتلوا ولده، لكنهم سيقطعون ذراعه قبل ان يعيدوه اليه. وعندئذ أذعن ودفع المبلغ الثقيل بالدولار.

عندما لمح الصديق علائم الشحوب علي وجهي، حاول ان يواسيني بقوله: انها مجرد حوادث شاذة ليست من صميم طبيعة مجتمعنا، وستزول باذن الله، بعد ان يسترد الوطن عافيته.. وهي تبقي أكثر رحمة من أعمال خاطفي الاسلام و خاطفي الوطنية والقومية الذين يخطفون أرواح الناس لمجرد إرواء عطشهم للدماء، ثم بعد ذلك فقط قد يفكرون في تسليم الجثث المقطعة الأوصال الي أهلها لقاء فدية مخفضة -لوجه الله- وبالدولار أيضاً!
  #21  
قديم 13/07/2004, 11:48 AM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

مرشّح رئاسي

منذ مائة وخمسة وعشرين عاماً بالضبط، أي في عام ،1879 ارتأي الكاتب الأمريكي الساخر (مارك توين) أن يُرشحّ نفسه لمنصب الرئاسة في بلاده. ولم يكن، بالطبع، جادّاً في هذا الأمر، لكنّه أراد الإشارة إلي أنّ الفساد هو جوهر جميع المرشحين لهذا المنصب، وأنّ سرَّ التفاوت بينهم يكمن في كون بعضهم يستخدم مساحيق التجميل بمهارة كافية لطمس ماضيه الأسود!

وعليه فإن النقطة الأساسية التي ارتكز عليها (توين) في خطاب ترشيحه، هي أنه أكثر المرشحين جدارة بالثقة، لأنه أوّل وآخر مرشّح يعلن عن مفاسده منذ البداية!

وفي ما يلي خطاب الترشيح المنشور في كتاب قصصه ومقالاته ضمن سلسلة الكلاسيكيات التي تصدرها دار (بنغوين):

لقد عقدت النيّة تماماً علي أن أخوض انتخابات الرئّاسة. إنّ ما تحتاجه البلاد هو مرشّح لا يمكن أن تلحق بسمعته لطخة إذا تمّ استقصاء تاريخه الماضي، وذلك لكي لا يتاح لأعداء حزبه أن يستخدموا ضدّه أيّة واقعة لم يكن أحد قد سمع بها من قبل.

إذا كنت تعرف منذ البداية أسوأ الأشياء عن المرشّح، فإنّ أية محاولة لتشويه سمعته سوف تكون فاشلة. إنني، الآن، أدخل الساحة بملف مفتوح. سأعترف مقدماً بكل الأشياء الشريرة التي اقترفتها. وعليه فإذا فكّرتْ أية لجنة في الكونغرس لها موقف عدائي مني، أن تنقّب في سيرتي بأمل العثور علي صنيع أسود ومميت أخفيته، فلتفعل.

في المقام الأوّل أعترف بأنني، في شتاء عام 1850م ألجأت جَدّي المصاب بالروماتيزم إلي تسلّق شجرة. لقد كان عجوزاً وغير حاذق في صعود الأشجار، لكنّني بشخصيتي الوحشية المميّزة جعلته يعدو مسرعاً، بثياب النوم، خارج الباب الأمامي، متحامياً من الخردق الذي كنت أطلقه عليه من بندقيتي، مما ساعده علي أن ينطلق بخفّة ورشاقة إلي قمّة شجرة القَيْقَب، حيث أمضي الليلة كلّها هناك، فيما كنت أسدّد الطلقات نحو ساقيه.

لقد فعلت ذلك لأنه يشخر، وسأعيد الكَرّة لو كان لي جَدّ آخر، فأنا لا أزال أتّصف بالوحشية نفسها التي كانت لي في عام 1850.

اعترف صراحة بأنني هربت من معركة غيتيسبرغ. لقد حاول أصدقائي أن يلطفّوا هذه الحقيقة بتأكيدهم علي أنني فعلت ذلك بهدف محاكاة واشنطن الذي توغّل في الغابة خلال معركة فالي فورغ، من أجل تأدية صلواته. لكنّ هذه كانت حيلة بائسة منهم، لأن السبب في انطلاقي خارج مدار السرطان هو أنني كنت خائفاً. إنني أحب إنقاذ بلادي، لكنني أفضّل أن يتم إنقاذها علي يد شخص آخر. ولا أزال أفضل هذا الخيار حتي الآن.

إذا كان إحراز المرء لفقاعة السمعة الطيبة لا يتم إلا بمواجهة فوهة المدفع، فأنا مستعد للذهاب إلي هناك، علي شرط أن تكون فوهة المدفع فارغة.

أما إذا كانت محشوة بالذخيرة فإن هدفي الخالد الذي لا يمكن تغييره هو أن أقفز فوق السياج وأمضي إلي البيت. أفكاري المالية واضحة الملامح إلي أبعد حدّ، لكنها ليست واعدة، ربما، بزيادة شعبيتي بين المدافعين عن التضخم.

أنا لا أصّر علي التميز الخاص للنقود الورقية أو النقود المعدنية، فالمبدأ الأساسي العظيم في حياتي هو أن أستولي علي أيّ نوع استطيع أن أصل إليه.

الإشاعة التي تقول انني دفنت عمتي الميتة تحت عريشة العنب.. صحيحة.

العريشة كانت تحتاج إلي سماد، وعمّتي كان لابُدّ لها أن تُدفن، وعلي هذا فقد كرّستها لذلك الهدف السّامي. هل في هذا ما يجعلني غير لائق للرئاسة؟ إن دستور بلادنا لا يقول ذلك، وليس هناك مواطن، علي الإطلاق، قد اعتُبر غير مستحق لهذا المنصب بسبب كونه غذّي عريشة عنبه بجثث أقربائه الميّتين. فلماذا ينبغي انتقائي كأوّل ضحية لهذا الحكم المجحف والسّخيف؟! أعترف أيضاً بأنني لست صديقا للفقير. فأنا أنظر إلي الفقير، في حالته الرّاهنة، باعتباره كميّة كبيرة من المادة الخام المُضيّعة. وبتقطيعه وتعليبه كما ينبغي قد تكون له فائدة في تسمين سكّان جُزر الكانابال، وكذلك في تطوير سوق صادراتنا مع تلك المنطقة. إنني سوف أتقدم بمشروع قانون حول هذا الموضوع في أوّل رسالة لي. شعار حملتي سيكون: (احفظوا العامل الفقير، جفّفوه وحولوه إلي سجق هذه تقريباً هي أسوأ الأشياء في ملفي، وبها أتقدم لمواجهة بلادي.

وإذا كانت بلادي لا تريدني، فإنني سأرجع علي أعقابي. لكنني أعتبر نفسي الرّجل الجدير بالثقة - الرجل الذي يبدأ من الأساس الشامل للفساد، ويعتزم أن يبقي شريراً حتي النهاية!

وهكذا.. يمكننا أن نري أن (توين) برغم مبالغته في السخرية، قد عرض لنا صورة فاضلة عن زمانه. إذ لو أنه عاش حتي يومنا هذا، ورأي رؤساء من نوعية كلنتون وبوش الابن، فأي شيطان كان سينجد خياله في السخرية؟

ماذا سيكون إقلاق راحة الجَدّ المريض.. أمام إقلاق راحة الكرة الأرضية كلّها؟

وماذا سيكون دفن العمّة الميتة.. أمام دفن شعوب كاملة وهي علي قيد الحياة؟

وهل كان سيتحدث عن فساده الشخصي لو سمع بقصة مونيكا والرئيس الذي يفعل ما يفعل فقط لأنه يستطيع أن يفعل؟

وهل كان سيذكر شيئا عن فساده المالي، حين يري عصابة تخطف الولايات المتحدة وتستخدم جيشها لتدمير كل مكان، فقط لكي تملأ أرصدتها؟!
  #22  
قديم 10/08/2004, 03:17 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

ساعة شيطان (مرافعة خصاونيّة)


سامحه. هاه. عقلك كبير وقلبك أبيض، واللّه يحبّ المسامح. ثمّ أنّ الأمور إذا كبّرتها تكبر وإذا صغّرتها تصغر. إي واللّه. خذ علي نفسك بعض الشيء.. لا تكن متصلّباً. سامحه، هاه.

أعلم أنّه كسر أنفك. ما كان ينبغي أن يفعل ذلك. هذا عمل شرير، ولك الحقّ في أن تغضب. لكن لو نظرت من زاوية أخري لوجدت أنّ الأمر قد جري في ساعة شيطان، والشيطان شاطر. لعنة اللّه علي الشيطان. سامحه واكسر الشّر. العوض علي ربّ العالمين. نحمده علي سلامة فمك. تنفّس من فمك. دعني أُقبّل أنفك المكسور. سامحه.

أعرف أنّه سرق مصاغ زوجتك وسرق نقودك وسرق الأثاث حتّي. لا شكّ أنّ هذا من عمل اللصوص، لكن دعه لربّك. إنّ ربّك لبالمرصاد. كن أحسن منه. اكسر عينه وسامحه. العافي حبيب اللّه.

أعلم أنّه قتل ابنك. أين يذهب من الله؟ اللّهم اجعله في الشهداء والصالحين. أعني المرحوم ابنك. كيف فعل الملعون ذلك؟ لا أعني ابنك. علي كلٍّ العوض برأسك، والصبر طيّب. لست أحسن من أيّوب عليه السّلام. قل عليه السّلام. مات جميع أبنائه، فصبر وشكر. جعلك اللّه قرينه في الصبر والشكر، وزادك عليه في العفو. العفو جميل، ولا يلقّاه، إلاّ ذو حظّ عظيم. ولو نظرت إلي القضيّة من زاوية أخري فأنت الرّابح. ابنك شهيد. توكّل علي اللّه وسامحه. ستسامحه، أليس كذلك؟

نعم. أدري أنّه قتل ابنك الثاني أيضاً. أسأل اللّه أن يزيدك صبراً وأجراً، وأن يهبك ثلاثة أبناء.. اثنان منهم علي سبيل التعويض، والثالث اكرامية.

لقد وقع القضاء ولا مَردَّ له. واحد أو اثنان، لم يعد ثمّة فرق. المصيبة هي المصيبة. ضع أملك باللّه.. وسامح. إنّ اللّه يغفر الذّنوب جميعاً إلاّ أن يُشرك به.

أأنت أحسن ممّن خلقك؟ لا تكفر يا رجل. سامح.

آه، صحيح. تذكّرت الآن أنّه خطف ابنك الثالث. إذن اصرف النظر عن الإكرامية. وإذا خلّفت ثلاثة، بإذن اللّه، فاعتبرهم جميعاً علي سبيل التعويض. أنت مؤمن ولا ينبغي أن يكون قلبك أسود. أين أنت ممّا جري للأنبياء والصّالحين؟ فبهداهم اقتده.. قال ما أنا صانع بكم؟ قالوا أخ كريم وابن أخٍ كريم.

قال اذهبوا فأنتم الطّلقاء. أتري؟ أين أنت من عفو رسول اللّه؟ سامحه. هاه.

نعم لم يغب عن ذهني أنّه هتك عرض ابنتك. اللّهم اخزه يوم الحساب. هذا هو الزّني بعينه. الأمر للّه. ماذا يمكنك أن تفعل؟ لقد وقع الفأس في الرأس، وكلّ غضبك لن يرجع ما ضاع. دعه لربّك. ضاعت عفّة المحروسة فلا تضيّع العفو من يديك.

ماذا تجني من العداوة؟ ما جري قد جري، والصّلح خير.

إنَها حماقة كبيرة أن يهدم بيتك.. هدم اللّه حَيْلَه. لكنّ ربّك كريم. سيعوّضك قصراً في الجنّة. وربما سيرزقك فتبني بيتاً غير الذي انهدم. يا رجل إنّ هذا مكسب. سيتيح لك ذلك أن تبني البيت وفق الطّراز الحديث. هيّا اطرد الضغينة من قلبك. من أجل صحتك قبل كلّ شيء، فلا تنسَ أنّ زوجتك المسكينة بحاجة إليك بعدما أقعدها الصّدمة، وفقدت علي أثرها النطق والسّمع والبصر. سامحه اللّه. لماذا فعل كلّ هذا؟ ألا لعنة اللّه علي الشيطان الرّجيم. إنّ له لغواية كبري. قال لأحتنكنّ ذرّيته. هذا من ذريّة آدم المُحتَنكة. لا تكن أنت والشيطان عليه. قوِّ قلبك والتمس له الصفح.

إي واللّه. من حقّك أن تتألّم بعد كلّ هذه الأعوام التي حبسك فيها تحت الأرض وجرّب فيك كلّ صنوف التعذيب. ابكِ قليلاً. فضفض عن نفسك. لكن إيّاك أن تسرف في الانفعال فتلوّث لسانك. لا تفجر. ليس المؤمن بطعّان ولا لعّان ولا فاحش ولا بذيء. أنت أكبر من هذا، ثمّ أنّ ما جري هو شهادة علي إيمانك، فالمؤمن مُبتلي. أمّا الظالمون فإنّما يؤجّلهم ليوم تشخص فيه الأبصار. سامحه إذن وكثّر ذنبه عند الله.

قل إنّك سامحته. بحقّ معزّتي عندك قل إنك سامحته. ما بالك لا ترد؟ قل شيئاً.. ما هذا؟ إنّا للّه وإنّا إليه راجعون. منذ متي فاضت روحك أيّها الطيّب؟

واأسفاه. أهكذا علي غفلة تُسلم الرّوح وترحل؟ لكن مهلاً.. إنّك لو نظرت إلي المسألة من زاوية أخري لوجدتها في صالحك. لقد أراحك اللّه جزاء إيمانك، إذ لا راحة لمؤمن إلاّ بلقاء ربّه. لكنني كنت أودّ لو أنّ العفو كان آخر عمل لك في هذه الدنيا الحقيرة الفانية.. أرجو أن تكون قد سامحته قبل أن تموت. سامحته؟ هاه؟
  #23  
قديم 01/09/2004, 08:38 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

تخليص الإبريز

الغضب الساطع: في الوقت الذي يبدأ فيه ثمانية آلاف معتقل وأسير فلسطيني في سجون إسرائيل إضراباً مفتوحاً عن الطعام.. السّلطة الفلسطينية تستنفر جميع وزاراتها وأجهزتها لدعم (عمّار حسن) الفلسطيني المشارك في البرنامج الغنائي (سوبر ستار)!.

تنزيلات: السفير البريطاني في العراق: لم تأتِ قوّاتنا إلي هنا طمعاً في النفط، فقد عرضه صدّام حسين علينا (قبل الحرب) بسعر خمسة دولارات للبرميل، مقابل أن نتركه في السّلطة!.

بَندقة المحراث: بعد زوال (فدائيّي صدّام).. جماعة (فدائيّي القذّافي) تصدر بياناً تتوعدّ فيه كلّ من يحاول إثارة موضوع الإمام (موسي الصّدر) الذي اختفي خلال زيارته إلي ليبيا عام 1978!.

سياحة العنكبوت: صدّام يطلب نقله إلي سجن سويدي!

عجلة الإصلاح تدور: قرار سوري بتغيير لقب العضو الحزبي من (رفيق) إلي (سيّد)!.

خذوا الحكمة: الرّئيس السوداني يطلب تدخّل القذّافي لحلّ مشكلة دارفور!.

مباديء: رغد ابنة صدّام تطلب محامياً أمريكياً للدّفاع عن أبيها، وتقول للصحافية الأمريكية دافني باراك : المحامون يثيرون جنوني بمطالباتهم الماليّة!.

اجتثاث الفساد: (قريع) يصدر بياناً يعلن فيه منع تناول (الفطائر) في اجتماعات الحكومة!.

مكافأة دارفورية: ترقية الرّئيس عمر البشير من (فريق) إلي (مشير)!.

وَصلة حزن: الرّاقصة (دينا) تعتزل الرّقص (مؤقتا) حزناً علي وفاة والدها!.

|||

خلاصة: كان بطل رواية (الجوع) للكاتب النرويجي كنوت هامسون يصف ظلام غرفة بات فيها ذات ليلة بقوله: الظلام يتوالد من حولي.. الحلكة اللاّنهائية لا يمكن سبر غورها، حتّي أن أفكاري تغصّ بها ولا تستطيع لفظها.

بماذا يمكنني مقارنتها؟

لقد بذلت محاولات يائسة من أجل العثور علي كلمة سوداء بما يكفي لوصف هذه الظلمة.. كلمة بالغة السّواد بحيث أنني إذا نطقتها فإنّ من شأنها أن تُلوّث فمي !.

لو كان المؤلف حيّاً لنصحته، من أجل إنهاء معاناة بطله، بأن يضع علي لسانه عبارة (الوضع العربي)!.
  #24  
قديم 28/09/2004, 12:00 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

المنبوذ

في عامه السادس والسبعين، يبدو شيخ كتّاب أمريكا اللاتينية (غابرييل غارسيا ماركيز) وكأنه قد عاد الي صباه، فمثل أيّ تلميذ كسول ومشاغب يطرد من الصف، يواجه ماركيز، الآن، قرار منعه من المشاركة في المؤتمر العالمي للّغة الإسبانية الذي ينظمه، كلّ أربع سنوات، مجمع الدّول الناطقة بالإسبانية.

إذا صحّ هذا الخبر المدهش والمؤسف الذي نشرته (الغارديان) البريطانية قبل أيّام، فهو يعني أنّ الناس هناك ليس عندهم (كبير) حين تصل الأمور إلي حدّ المساس بهيبة اللّغة.

السيدة (ماجدالينافيلاسي) وزيرة الثقافة الأرجنتينية التي تستضيف المؤتمر الحالي، قالت إنّ مؤلف (مائة عام من العزلة) قد منع من الحضور بسبب ما أحدثه من ازعاج في المؤتمر الذي عقد في المكسيك قبل ثمانية اعوام، حين قال إنّ الإملاء.. ذلك الإرهاب النازل علي البشرية من المهد الي اللّحد، يجب ان يحال علي التقاعد !

ويبدو أنّ ماركيز، عندما اقترح رمي الإملاء في مقلب النفايات، لم يكن يتوقع أن يصبح منبوذاً إلي هذا الحد.. لكن هذا هو ما حصل.

وقد استفز قرار منعه زميله الرّوائي البرتغالي الحاصل علي جائزة نوبل (خوزيه ساراماغو) الذي صرّح بأنّه سيعيد بطاقة الدعوة الخاصّة به الي منظّمي المؤتمر، إذا صحّ خبر منع ماركيز من الحضور.

ومن جهتها أكّدت وزيرة الثقافة الأرجنتينية أنّ مجمع اللغة هو الذي أصّر علي منعه من المشاركة.

وفيما يدور التساؤل حالياً حول صحّة هذا الأمر أو عدمها، يستوقفنا تساؤل آخر، لا يقلّ أهمية، عن الدافع الحقيقي الذي دعا الرّوائي الكبير إلي اقتراح إلغاء (الإملاء) من اللغة الإسبانية. أكان ذلك نابعاً من حكمة خبير باللّغة، رأي، بعد طول التجربة، أنّ الوقت قد حان لتخليص اللغة من زوائدها غير الضرورية، وتيسير الأمور علي الناشئة من الكتّاب؟

كلاّ.. فالإملاء ليس زائدة دودية تلحق باللغة. إنّه اللغة نفسها، وعلي الكاتب أن يبذل الجهد من أجل إتقانه، إذا كان يعد نفسه للكتابة بالقلم، لا للرواية باللسان.

ما سبب دعوة ماركيز الغريبة إذن؟

السبب، ببساطة شديدة، هو ضعف ماركيز الشخصي في الإملاء، وتلك مشكلة رافقته مثل كعب أخيل طيلة حياته.

وقد اعترف ماركيز في سيرته (عشت لأروي) بضجره من الإملاء، لأنّه لا يحسنه، وروي حكاية من ماضيه الدّراسي، حين كان عليه أن يكتب الخطاب الافتتاحي لأحد احتفالات المعهد الرسمية، فقال إنّه بعد أن قابل المدير لعرض الخطاب عليه، نبّهه الأخير بفظاظة إلي عدد من الأخطاء الإملائية التي ارتكبها.

يقول ماركيز: إنّ أكثر ما أثّر بي في تلك المقابلة هو مواجهتي، مرّة أخري، لمأساتي الشخصّية في الإملاء. فأنا لم أستطع فهمه. وقد حاول أحد أساتذتي أن يوجّه إليّ الضربة القاضية، عندما قالي لي إنّ سيمون بوليفار لا يستحق كلّ تلك الأمجاد، بسبب أخطائه الإملائية. بينما حاول آخرون مواساتي بالقول إنّه داء يصيب كثيرين. وحتّي اليوم، بعد أن صار لي سبعة عشر كتاباً منشوراً، ما زال مصمّمو تجاربي المطبعية يٌشرّفونني بكياسة تصويب أخطائي الإملائية، علي أنّها مجرّد أخطاء مطبعّية !

حسناً.. إنّها مشكلة شخصّية، كان من الممكن لماركيز أن يذلّلها بالاستيعاب، أو بالتعايش معها، ما دامت قد أصبحت علّة مزمنة، خاصّة أنّ المصحّحين لن يتخلّوا عن كياستهم أمام روائي عظيم مثله. لكنّه بدلاً من ذلك، حاول أن يتفادي المشكلة بإلغائها وكأنّها بثرة في يده وحده، وليست ضرورة حيوية للغة أمّة كاملة.

ويبدو أن ماركيز كان يحتمي بشيخوخته وبطول قامته الإبداعية، عندما واتته الجرأة علي المطالبة أخيراً بإعدام ذلك (الإرهابي) الذي رافقه منذ الطفولة. لكن لم يدر بخلده أنّه، بعد كلّ هذا العمر وكلّ هذه الشهرة، سيواجه مَن له القدرة علي طرده، ببساطة، من الصّف!

لو كنت في مكان ماركيز لهززت يدي في وجوه سدنة اللغة الإسبانية، ولقلت لهم بمنتهي الاستخفاف: ما هذا الهراء؟ لم يبق إلاّ أن تطلبوا مني إحضار وليّ أمري. ماذا فعلت يا سنيورات حتي أستحق كلّ غضبكم هذا؟ إنّه إملاء ليس إلاّ.. مجرّد إملاء. أأهون عليكم من أجل هذا الشيء التافه؟ ماذا سيقول عنكم إخوانا العرب إذا وصل إليهم خبر تحجّركم وقلّة عقلكم؟ إنّ صبيانهم هناك قد تجاوزوا من زمان مسألة ضرب الإملاء علي مؤخرته. إنّهم الآن لا يتورّعون عن المطالبة بإعدام النحو والصرف، بل ويعمدون بكلّ سلاسة وعذوبة إلي تجريد الكلمات من معانيها، وإنهم ليتساءلون بسخرية مُرّة: ما حكاية المعاني هذه التي جاءتنا علي آخر الزّمن؟

ومع ذلك فإن لغتهم الرؤوم تبدو سعيدة بهم، ولا يهمها شيء سوي ألم فراقهم الغالي عليهم، ولا تزال تناغيهم بكلّ حنان:

(أنا البحر في أحشائه الدّرُّ كامِنٌ

فهل سألوا الغوّاص عن صَدفاتي؟)

وهي علي يقين تام من أنهم، عندما يكبرون، سيسألون الغوّاص عن صدفاتها وعن الرّبيان أيضاً، لكي تستطيع مجامعهم اللغوية المجدّدة أن تطبخ (الكامخ) بالرّبيان، حين تعدّ لهم الشاطر والمشطور في الأعوام المقبلة!
  #25  
قديم 30/10/2004, 06:28 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

الأخ الأكبر.. إلي الأبد!

من المؤكّد أنّ جورج أورويل عندما اخترع مصطلح (الأخ الأكبر) للتعبير عن قسوة متابعة السّلطة المستبّدة لدقائق حياة المواطن، لم يكن يقصد من إشارته لهذه الحقيقة أن يغري المجتمعات باتخّاذها برنامجاً لِلّهو والمتعة. بل هو، علي العكس من ذلك، أراد أن يثير رعب المجتمعات منها، بغية الثورة عليها وإلغائها نهائيّاً من برنامج الحياة الواقعيّة.

وإذا كان أورويل قد بني بعض أعماله الأدبية علي أساس هذه الفكرة، فإنّ صانعي فيلم ترومان شو قد ترجموها سينمائياً بشجاعة نادرة، فوضعونا مباشرة أمام حالتنا الرّهيبة الرّاهنة كأرقام تعيش وتموت تحت وطأة رقابة السلطة الجبّارة المسيطرة، وسط ديكورات معدّة بإتقان ضمن نطاق موقع تصوير واسع يسمّي (العالم)!.

العجيب أنّ هذه الصورة المتخيّلة التي حاولت أن تعرض للناس ملخّصاً للصّورة الحقيقية البشعة التي يحيون داخل إطارها، قد استحالت إلي ملهاة يعشقها الناس ويتابعونها بدأب وشغف، عبر برامج مستنسخة في كلّ البلدان، لا تستحي من أن تحمل بفخر واعتزاز عنوان (الأخ الأكبر)، ولا تتورّع عن الاتفاق بأجمعها علي إصابة الإنسان السَويِّ بالصدمة والشعور بالغثيان!.

ولو أنّ حياة أورويل امتدت إلي زماننا، لكان من المؤكّد أن يتساءل بمرارة: ما حاجتكم إلي تجزئة البشاعة وعرضها كنماذج مقلَّدة في أكثر من مكان؟ إنكم تعيشونها في الواقع فعلاً، وفي مكان واحد هو عالمكم المُدجَّن .

عندما شاهدت فيلم ترومان شو أدهشتني شجاعة منتجيه، وأسعدني أن أري السينما الأمريكيّة وهي تقتحم، بهذه القوّة، مجال إثارة الوعي بدلاً من تغييبه. وزعمت أنّه يكفي هذا الفيلم نجاحاً أنّه حمل الي الناس رسالة مهمّة وضرورية، واستطاع، بشكل ذكيّ ومقنع، أن يضعهم أمام حقيقة وجودهم المخيفة محليّاً ودوليّاً.

لكن لم يخطر في بالي مطلقاً أن يكون مُلِهما بصورة عكسية، ولم أتوقّع أن يبلغ شغف القطعان بالزّريبة المتخيّلَة حدّاً يدعوها إلي إعادة انتاجها ووضعها ثانية داخل الزّريبة المخيفة القائمة أصلاً في الواقع، علي نسق الدُّمي الروسيّة !

فها هو برنامج (الأخ الأكبر) بنسخته الألمانيّة، يبشّرنا بأنّه سيقفز، في الربيع المقبل، قفزة عملاقة، بافتتاح مدينة صغيرة علي أرض الواقع، تحاكي بالضبط مدينة فيلم ترومان شو !.

هذه المدينة التي تمّ بناؤها خارج (هامبورغ) لا تختلف عن مدينة ترومان إلاّ من حيث مشاركة سكّانها في العرض، وهم بكامل وعيهم وإرادتهم!.

وتقضي الخطّة أن يقيم المشاركون لأعوام قد تمتّد لعدّة عقود، في هذه المدينة التي ستحتوي علي غابة وميدان ومتاجر وكنيسة ومدارس وشركات، حيث سيحيا هؤلاء ويتعلّمون ويُحبّون ويتزوّجون وينجبون، تحت نظر ملايين المشاهدين من كلّ أنحاء العالم، وعلي مدار السّاعة!.

يقول منتجو البرنامج إنّه سيتّم انتقاء أفضل مجموعة من الناس، للعيش في هذا المكان الذي يعتبر مزيجاً من فيلم ترومان شو و عالم ديزني ، وسيكون جميع أفراد المجموعة التي ستتجاوز المئات.. عاطلين عن العمل، حيث سيمكنهم، هناك، أن يتعلّموا اللّغات، وأن يُؤدّوا مختلف الاختبارات المهنيّة التي تؤهّلهم للنجاح في الأعمال التي سوف يختارونها.

ولهذا فإنّ هؤلاء المنتجين يأملون في إغراء الشركات بفتح فروع لها في المدينة من أجل تشغيل سكّانها العاطلين، مثلما يأملون في إغراء المدرّسين والأطباء بالعيش فيها.

وربّ سائل يسأل عمّا منع أمريكا (وهي الرّائدة في ابتكار مثل هذه المشروعات المدمّرة) من أن تكون هي البادئة؟

والجواب علي ذلك هو أنّ فكرة إنشاء هذه المدينة الألمانية مأخوذة أصلاً من تجربة قناة فوكس التلفزيونية الأمريكية، التي أنتجت في هذا المنحي برنامجها الخاصّ (جنّة عدن إلي الأبد) واتّخذت لإقامة المشاركين فيه واحدة من الجزر الكاريبية.

وكان مقرراً أن يبقي عرض هذا البرنامج غامضاً وغير محدّد الأمد، لكنّه، ولأسباب غير معلومة، ألغي في أبريل الماضي بعد أن بُثّت منه ثلاث حلقات فقط.

غير أنّ بثّ هذه الحلقات لم يكن عبثاً، فقد كان من شأنها أن تبثّ، بسرعة عجيبة، نعمة دماره الشامل إلي أبعد مدي، لتلتقطها ألمانيا، ولتلتقطها من ألمانيا - كما هو متوقّع - جميع دول عالمنا الحرّ السعيد!.

يقال إنّ فكرة هذا البرنامج الذي سيسمّي (الأخ الأكبر إلي الأبد) لن تكون مطابقة حرفياً لعالم ترومان الذي كان يجهل منذ ولادته أنّه مادّة تلفزيونيّة تعرض علي النّاس أربعاً وعشرين ساعة، وذلك لأنّ مدينة هذا البرنامج ستمنح المعجبين حقَ الدّخول إليها لزيارة سكّانها. لكنّ المنهج الذي سيُتّبع في هذا المشروع سوف لن يختلف عن منهج برنامج (الأخ الأكبر) من حيث اهتمامه بمتابعة حالات المصاعب الجنسية، ونوازع الافتتان التي تنطوي عليها طبيعة البشر!.

عالم النفس جو غرايبل المتخصّص في سايكولوجيا الإعلام، عبّر عن قلقه حيال هذا المشروع بقوله إنّ النّاس الذين سيمكثون في مدينة البرنامج، ومهما كان طول مدّة إقامتهم، سيجدون صعوبة فيما بعد في التكيّف مع (العالم الواقعي).

ولا أعلم بالضبط ما إذا كان السيّد غرايبل يقصد أنّ البرنامج سيدمّر شخصياتهم، أم أنّه سيلطّف حياتهم، نوعاً ما، فيتيح لهم عند عودتهم إلي الواقع، أن يدركوا، ولو بشكل متأخر، شدّة وطأة عالمهم الواقعي وبشاعته؟!.

لكنني أعلم جيداً أنّ هذا البرنامج بعد اجتذابه المشاهدين وتواصل عرضه، سَيبسط جاذبيته علي جميع قنوات العرب الفضائية (السبّاقة إلي فعل الخيرات) وستعمل بأمانة متناهية للحفاظ علي كلّ ما يحتويه من شوائب أخلاقية، لكنّها سوف لن تتردَد أيضاً عن المساهمة بحصّتها في إنماء بنائه الحضاري، وذلك بأن تضيف إلي البرنامج لمسة تجديدية خاصة نابعة من صميم تقاليد العالم التالف. وتلك اللمسة ستتمثّل في جعل نصف سكَان المدينة المفترضة.. من رجال المخابرات.

صحيح أنّهم لن يستطيعوا ممارسة أعمال التعذيب المعهودة تحت رقابة ملايين الشهود، لكنّ لهم ملايين الوسائل الأخري غير المنظورة التي يستطيعون بها أن ينتزعوا المعلومات!.

___________________________________________
  #26  
قديم 02/03/2005, 03:20 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

اسمَعْ.. وأطِعْ!


ضمن كتاب (المقاومة بالحيلة) لجيمس سكوت، ورد هذا المقتطف من تعليم مسيحيّ كان مُعدّاً للرّقيق في الجنوب الأمريكي قبل الحرب الأهلية:

س: أليس الخدم مُلزمين بطاعة أسيادهم؟

ج: أجل، إنّ التّوراة تنصح الخدم بأن يُطيعوا أسيادهم وبأن يرضوهم في كلّ الأمور.

س: إذا كان السيّد غير صالح، فهل للعبد أن يعصيه؟

ج: كلاّ. إنّ التّوراة تقول: أيُّها الخدم، كونوا خاضعين لأسيادكم بكلّ خوف. لا للصّالحين واللّطفاء فقط، بل للفاسدين أيضاً .

س: إذا عاني الخدم دون حقّ، فماذا يفعلون؟

ج: يجب أن يتحمّلوا ذلك بصبر.

في هذا المقطتف نلمح جريمة ترتدي ثياب القانون، ورغبة أرضيّة دونيّة تنتحل إرادة السّماء، ونسمع في نبرته القاطعة هراءً فجّاً يتلفّع ببلاغة مقدّسة.

إنّه آتٍ من مكان وزمان بعيدين، لكنّنا نكاد نسمعه الآن بكلّ قوّة وحيوّية،يندلق بشكل فوري من أذهاننا إلي أسماعنا.

وهو عابر في صيغته الآنفة من حنجرة اليهودّية إلي شفاه المسيحيّة، لكنّه يَنصَبُّ في آذاننا بصوت عربيّ فصيح متأسلم!

ألا يُذكّرنا ذلك، حالاً، بتلك النبرة الفصيحة التي تُعدّد للمؤمن جميع موبقات وليّ الأمر، ثمّ لاتُنهيها بالشجب والدّعوة إلي الثورة عليها، كما يتوقّع كلّ حرّ وعاقل، بل بأمر المؤمن بطاعة ذلك الوليّ السّافل مهما فعل، قائلة له: (اسمَعْ وأطِعْ)!

لا يمكننا القول بأنّ متأبّطي التوراة والإنجيل في أمريكا، كانوا يمتحون من بئر تراثنا البرمائي المجيد، كما لا نستطيع القول بأنّ أهل القرآن قد قفزوا ذات ليلة مقمرة عبر المحيط، ليلتقطوا تلك اللّقية الثمينة من أيدي أولئك المتأبطين.

لكنّنا نستطيع القول بأنّ الشياطين من كُلّ جنس وفي أيّ زمان ومكان، يستطيعون ارتداء الجُبّة وإطالة اللّحية وانتحال الكلمة الإلهية، من أجل الوصول إلي مباهج الدّنيا علي أشلاء الدّين.

القرآن من أوّله إلي آخره يعيد علينا قصّة موسي وفرعون، عارضاً لنا قطبي الخير والشرّ مُمثَّلين بالحريّة والطغيان، ومحرّضاً لنا كبشر أحرار، علي مقارعة الطغاة، لكنّنا ما أن ننتهي من قراءة دعاء الختمة، حتّي يباغتنا محتال أشعث ويجرّنا من أرجلنا لكي نسجد -باسم اللّه- لفرعون، انصياعاً لنبأ من وكالة أنباء تراث الاستبداد، وهو نبأ يمسح بثانية واحدة كلّ ما قرأه المؤمنون في الكتاب المجيد علي مدي ألف وأربعمائة سنة!

(اسمَعْ وأطِعْ).. حتّي لو ضربك دون ذنب، حتي لو حرمك دون حقّ، حتّي لو سجنك دون جرم، حتّي لو سرق لقمتك أو قطع لسانك أو هتك عرضك، اسمعْ وأطعْ. دعه ينفتق تخمة من شواء (الوِِزر) واشبع أنت من رائحة (الأجر)!

بالعبرية أو بالآراميّة أو بالعربّية.. هنا أو هنالك أو هناك. لا فرق في مضامين الوصفة، ولا فرق بين أهلها، ولا فرق بين أهدافها.

إنّ جوهر مأساتنا الرّاهنة هو أنّنا جميعاً مثل قوم موسي وأنّنا محصورون بين سواطير الفراعنة وفتاوي الهامانات: أولئك يذبحوننا حتّي نكفر، وهؤلاء يُكفّرونّنا حتّي نُذبح.

ولأنّنا لا ننهض لكي نسترد دنيانا من أولئك، ولا نثور لكي نستنقذ ديننا من هؤلاء، فقد حقّ علينا بينهما طول العذاب. ولن نخرج من هذا التّيه حتّي نكون أهلاً للعثور علي إرادتنا التائهة. ولا أمل لنا بأنّ ينقذ اللّه أنفسنا، حتّي نؤمن باللّه وبأنفسنا.
  #27  
قديم 12/06/2005, 01:26 PM
الصقر الذهبي الصقر الذهبي غير متواجد حالياً
الصقر الذهبي
 
تاريخ الانضمام: 02/03/2000
الإقامة: عمان
المشاركات: 2,288
حديقة الإنسان

أحمد مطر

... ولو في الصّين!


هناك، بعيداً، في أقاصي شرقنا السّارب في سعادته اللاّنهائية.. فوجئت بحضوره دون أن أطلبه أو أتمنّاه أو أتوقعّه.

كنت بعد فراغي من قراءة كتاب (بجعات بريّة) للكاتبة الصينية (يونغ تشانغ) الذي تناول محنة ثلاثة أجيال من أسرتها، وبعده كتب (آنتشي مين) الخمسة التي تناولت أحوال الصين منذ غروب امبراطورية أبناء السّماء حتي قيام امبراطورية أولاد الشوارع.. قد بدأتُ، بإصرار، رحلة جديدة إلي ربوع الأوجاع المركّبة، عبر كتاب (ورقة في الرّيح القارسة) للكاتبة (تنغ- هسنغ يي).

ولم يكن يدفعني إلي استطلاع كُلّ هذه العذابات الصينيّة إلاّ الطمع في العثور علي السلوي، تبعاً للمأثور القائل بأنّ مَن رأي مصائب غيره هانت مصيبته.

ومع أنّ مصيبتي لم تهن - لا في عهد سلالة الهان ولا في عهد رفاق الهوان - فإنني كنت أواسي النفس، خلال رحلتي المؤلمة، بأننّي لا أري في ما أري إلاّ مآتم الغرباء، وحسبي من ذلك أن أتشاغل، ولو إلي حين، عن مآتمي الشخصيّة التي عشت عمري كُلّه وأنا أراها منصوبة في طول وعرض (بلاد العُرب أوطاني) بفضل عدد من قُطّاع الطرق الأميّين المدجّجين بالنياشين والأوسمة!

غير أنني لم أنعم حتي بهذه المواساة المصطنعة التي وطّنت نفسي علي إغماض عينيّ وبلعها.. إذ أنني وجدته أمامي، بكلّ حصافته ولطفه وثقافته ولياقته، وقدرته الهائلة علي إشعاري بالخجل من نفسي، وبأثر رجعي، لا لشيء إلاّ لانتسابي إلي الأرض نفسها التي ابتليت به وبأمثاله.

ولأنّ (السَّيّءَ بالسَّيّءَ) يُذكر، دعني أقل أوّلاً إنّ مآسي المواطنين الصّينيين في عهد ماوتسي تونغ، لا يمكن حصرها في كتاب واحد، فعلي الرّغم من تشابه سِيَر هؤلاء المواطنين، فإنّ باستطاعة المرء أن يعثر في تجربة كُلًّ منهم علي مشاهد جديدة توسّع الجرح وتعمّق الألم. وذلك بالضبط ما وجدته في كتاب (تنغ- هسنغ يي)، برغم أنّ تخمتي بالآلام التي صبّتها (يونغ تشانغ) و(آنتشي مين) في نفسي قد جعلتني أعتقد أنني قد أحطت بالمأساة الصينية كلّها ولم أعد بحاجة إلي مزيد.

لن أستعرض هذا الكتاب، لأنني إذا شئت ذلك فسأحتاج إلي تأليف كتاب جديد، لكنّني سأكتفي بعبرة ونموذج.. فأمّا العبرة فهي أنّ ما نلقاه من عنت وعذاب تحت أيدي قطّاع طرق الإصلاح الداخلي عندنا هو ليس إلاّ ترجمات عربية رديئة، مزيدة أحياناً، ومكبّرة أحياناً أخري، وغير منقحّة دائماً، للنسخة الصينية المترجمة بدورها عن أسوأ نسخ الشموليات البغيضة في الشرق أو في الغرب.

وأمّا النموذج فهو ظاهرة هيام الطغاة بالألوان، علي الرّغم من كونهم أبناء الظلام وحارسيه!

في تجربة الصين المُرّة، قام اللّون الأحمر بديلاً لبوذا، وانتصب الكتاب الأحمر بديلاً لكونفوشيوس. الأحمر هو اللّون المقدّس الذي انتظم أسماء البشر، والمعاني، والمباني، وجميع المناسبات.

وبأثر من هذا الولع المرَضَي الخارج علي المنطق والذّوق، نجد أنّ بعض القادة العقائديين جداً في صين ماو، قد اقترحوا بحماسة ثوريّة منقطعة النظير، تصحيح عمل إشارات المرور، لتستقيم وفق النهج الثوري، وذلك بجعل اللّون الأحمر إشارة للانطلاق، واللّون الأخضر اشارة للتوقّف، علي نقيض ما يجري في جميع أنحاء العالم!

ولأعد، الآن، إلي ذكر البلاء الذي فاجأني بطلَّته فيما كنت أحاول التشاغل عنه بمواجهة بلاء الآخرين: لقد انتهت (تنغ- هسنغ يي) في أواخر تجربتها المريرة، إلي العمل مترجمة للوفود الرسميّة الزّائرة للصين. وهو عمل كانت تقوم به تحت سطوة رقباء عليهم هم أيضاً رقباء لا يغفلون!

تروي الكاتبة بعض وقائع مرافقتها لمسؤولين أجانب كبار، وشخصيات ملكيّة من الشرق والغرب، فتدهشنا بذكر بساطة هؤلاء النّاس وعفويتهم وتواضعهم، وتميّز زياراتهم باللّطف والهدوء، وانصرافهم كمقدمهم مثل نسمات عذبة.

ومن أمثلة ذلك أنّ ملكة إسبانيا شكرت كاتب مخزن لأنّه لفت نظرها إلي تنسيل في جواربها، وأنّ السيدة شولتز . زوجة وزير خارجية أمريكا كانت امرأة لطيفة وودودة، وأنّ إيد كوغ عمدة نيويورك، لم يتورّع عن مغافلة حرّاسه، ليجرّب كنس أحد شوارع شنغهاي بمكنسة من صنع صيني، لتجربتها من أجل عقد صفقة لشراء عدد منها لمدينته!

لكنّ الكاتبة - سامحها اللّه- لا تلبث أن تنصرف عن هذا كلّه، لتوجّه صفعة عنيفة إلي وجهي.

تقول: (أمّا القائد اللّيبي العقيد القذّافي، فقد كان يمثّل نوعاً آخر من المشاكل.. كنت أتطلّع إلي رؤية رجل سمعت عنه كثيراً، ووصفته البلدان الغربية بأنّه مجنون، بينما اعتبرته الصّين صديقاً عظيماً (قرين الشيء منجذب إليه).. ففي خريف 1982 تلقّي ترحيباً حارّاً عندما زار بكّين. وقبل عودته إلي ليبيا أقيمت وليمة كبري علي شرفه في شنغهاي بدعوة من عمدة المدينة. وعندما وصلت إلي قاعة الولائم علمت أنّ القذّافي رفض الحضور. كان غير راضٍ عن المحادثات في بكّين. وكان رفضه حالة غير مسبوقة في خرق البروتوكول.. وقد حاول أناس مختلفون ثنيه عن قراره، ففشل الجميع، واختصر القذّافي زيارته وغادر في اليوم التالي، وفي المطار كان جلّ ما رأيت منه هو حركة عباءته السوداء الملتفّة وهو يركب الطائرة)!

أمّا عن خرقه البروتوكول فذلك أمر لا يدهشني، لأنني وجميع العرب الكرام نعلم أنّه من أصحاب السوابق واللواحق في خرق كلّ شيء.. لكنني أتساءل عمّا جري حقّاً في محادثاته مع المسؤولين الصينيين في بكين، حتّي بلغ به الأمر هذا الحدّ من عدم الرّضا، ولا أستطيع منع نفسي من التفكير في مسألة الألوان.. فهل يكون قد نمي إلي علمه تفكير القيادة الصّينية بالإصلاح الدّاخلي لإشارات المرور، فشعر من جرّاء ذلك بالإهانة الشاملة التي تنسف كلّ المكاسب الثوريّة التي بذل الغالي والنفيس من أجل أن يحيا اللّيبيون في نعمها الخضراء.. من الثورة إلي السّاحة إلي الزّحف إلي الكتاب إلي تفسيرات الكتاب؟!

كلّ شيء في ليبيا كان ولا يزال أخضر.. إلاّ ليبيا، وسبب ذلك بالتأكيد هو أنّ حظّها العاثر الذي جعلها من مكاسبه، لم يجعله في يوم من الأيّام واحداً من مكاسبها!
  #28  
قديم 05/02/2006, 05:05 PM
لي أستاهله سويه
ضيف
 
المشاركات: n/a
الموضوع جميل جدا
 


قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 03:26 PM.


سبلة العرب :: السنة السابعة والعشرون
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.