![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
** الروحيه في الإسلام **
بسم الله الرحمن الرحيم بدايتا ً:هذا المقال ، أثار اهتمــام كثير من الناقدين والمهتمين بالشؤون الدينية، ، و الكثيرين يناقـشون هذا الجانب من الإسلام، ويقفون عند تدخل الإسلام في الشؤون المادية، وعند مقابلة التعدي بالمثل، وردِّ الكيد بالكيد، والاهتمام بالزواج والـتأكيد عليه، وحتى الجنة عند الإسلام التي تشبَّه ببستان أيضاً، أي وصف الجنة وإظهارها على شكل بستان جميل. وتجاهل بعض هؤلاء الباحثين، الروحية المتناهية التي تتجلَّى في العقائد الإسلامية، في الخالق وصفاته وأسمائه، وفي جعل الإيمان بالغيب الركن الأساسي للإسلام في القرآن. ومهما كان، فعلينا أن نناقش هذا الموضـوع بصورةٍ موجزة، بعد لفت نظر المستمع الكريم إلى مقدِّمة إيضــاحية، وهي أن التقليد الشائع، يقتضي تقسيم الأشياء عامةً، وأعمال الإنسان خاصةً، إلى مادية وروحية. وحسب هذا التقسيم، فإن هــناك أموراً مادية، يُعد الاشتغال بها إنصرافاً إلى المادة، نظير الأكـل، والشرب، والزواج، والتجارة، وأمثال ذلك. ومقابل هذه الأمـــور، فالـصلاة والعبادة والفداء والتضحية، والانصراف إلى التفكر، تعد من المــعنويات والروحيات، لأن القسم الأول، هو أمور زائلة تناسب جسد الإنسان ورغباته الآنية، والقسم الثاني هو تلبية لميول ســامية، ولرغبات روح الإنسان وقواها، فتعدُّ أموراً غير مادية. والحقيقة، أن هذا التقسيم خالٍ من الدقة، ولا ينطبق على التفسير الفلسفي، ولا على التعاليم الدينية ولا يحظى بإقناع روح المؤمن الفاحصة. فالــمادة في التفسير الفلسفي، هي كلّ موجود يحتاج إلى الحيّز والأبعـاد، أو كل موجود متحرك، متطوّر الحقيقة، والمجرد، أي غير المادة، هو ما ليس له أبعاد، وما لا يحتاج في ذاته إلى زمان أو مكان أو حركة. وعلى هذا التفسير، فجميع الحركات الصادرة عن الإنسان مادية، حتى العــبادات، والفداء، والإحسان، وحتى التفكّر، فإنه يقترن بحركات خلايـا الدماغ التي هي مادية. ولا يتمكن الفيلسوف أن يتصور انفصــال الجسم عن الروح، وصدور أفعال من أحدهما بمعزل عن الآخـــر، لكي يسمي بعضها أفعالاً مادية، وبعضها الآخر أفعالاً روحية. بل التفاعل بين الجسم والروح، يبلغ درجةً تجعل منهما، عند كثير من الفلاسفة، تركيباً اتــحادياً. وقد أبدع صدر الدين الشيرازي حيث جعل الروح ذات حدوث جسماني وبقاء روحاني. فالميزان الصحيح لمعرفة مـادّية شيءٍ وروحيتــه في أعـمال الإنسان، هو باعث العمل وغايته، فكم من صلاة أو صــدقة أو تفكر، هي من المادة في الصميم. وما أكثر الأعمال الماديـة، أو الاجتماعية، أو الإدارية التي تصدر لغايات سامية، فتجعل مـنها عبادات مقدَّسة. ويتمكن المؤمن أن يجعل حياته كلها سجوداً لله. ومن جهة أخرى، إذا لاحظنا أن جميع الموجودات من خلق الله، وجميع جوانب وجود الإنسان حقيقة واقعة تبرز الإرادة الإلهـية، إذا لاحظنا هذا كله، فمن الصعب جداً أن نفرق بين وجود وآخر، وأن نمّيز بين الجانب والعمل، وبين سائر الجوانب والأعمال، بل لا يمكن الـتفريق والتمييز، إلا إذا انحرف الإنسان بعمــله عن الرسالة الحياتية التي أرادها الله له. والآن نعـود لكي نبحث الجانب الروحي من الإسلام فنقول: إن الإســلام يقدِّس جميع الموجودات الكونية، ويعتبرها، بمادياتها ومعنوياتها، كلها ساجدات لله، مسبحات بحمده. وحتى الموجودات الشريرة أو الـضارة، فشرورها وأضرارها نسبية، وإذا استعملت بقدرها وفي موضعها فلا شرّ ولا ضرر. وبالنسبة إلى الإنســان، يعترف الإسلام بجميع جوانب وجوده، وجميع رغباته، ويحترم ذلــك، ثم يحاول تنظيم صلاته بغيره، وتنسيق نشاطاته، وتعديل رغباته، لـكي يلعب دوره الكوني، أي دور خلافة الله في الأرض، فيعيش بـجميع جوانب وجوده أفضل عيش، وأطيبه، وأكثره تمتعاً بالكون. وفي هذا الخطّ، خطّ أداء الواجب، كل عـمل من الإنسان عبادة، وكل حركة منه مقدَّسة، والعكس بالعكس. وهكذا ترى أنَّ الإسلام يعطي صفة الروحية لجميع أعمال الإنسان الصـادرة عن باعث سليم، ويصبغ جميع الــموجودات بصبغة القداسة. فالأصــحّ في التعبير ألاّ نقول بضعف روحية الإسلام واهتمامه بالماديات، بل نقول بقوة هذا الجانب إلى حد يحوِّل كل شيء إلى الروحيات. ولعلَّ السبــب في تعبير القرآن في أغلب المواضيع بالنفس دون الروح، لأجــل هذه المقارنة، حيث إن الروح المهتمة بتصريف شؤون الجسد، تسمى نفساً. أما الروح، فهي أسم خاص للــشأن التجردي المطلق، الذي يتجلى حال نزول الوحي، وتدبير الشرع، والذي يواكب الملائكة في بعض الآيات القرآنية. ومن أطرف ما يرى في الأحكام والتعاليم الإسلامية، أنها تؤكـد على أن ما خلـق الله من الزينة والطيبات إنما خلق للإنســان، وتوجه باللوم إلى من حرم نفسه منها. وعلى الرغم من الــتأكيد على ذلك، إلاّ أنها جعلت هذه الأمور فتنة، وذلك من خلال التأكيد على أن النِّعم كلما ازدادت، والأموال كلما كثرت، والجاه كلما عرض، يجب، بالقياس نفسه، العمل على زيادة الإيمان والإكـثار من التقوى، وإلا فالإنسان يقع في خطر الانحراف عن الخط الـــمستقيم، والالتهاء بالجانب الشخصي والاستسلام لها، وبهذا الشـأن يقول الإمام علي(ع): "ليس الزهد ألا تملك شيئاً، بل الزهد ألا يملكك شيء". وعلى ضوء واقع الإنسان، وواقـع الخلق، وتفسير المعاد، وكون الجزاء بنفس الأعمال... على ضوء هذه الأمور، نفهم واقع الجنة والنعم التي هيأها الله لعباده المتقين. وقد حاول القرآن بعد ذلك، أن يسبــغ على النعم هذه صـفات روحية، كالخلود، والـطهارة، وعدم السأم، والخمول، ووجــود الصفاء، وشمول الأخـوة، وعدم استمـاع اللغو والتأثيم، "إلا قيلاً سلاماً سلاماً". ومع ذلك كله جعل القـرآن رضوان الله أكبر نعمة من نعم الجنة وأفضلها، ولكنها للنفوس الكبيرة التي كانت تقول: "إلهي ما عبدتك خوفاً من نارك، ولا طمعاً في جنتك، بل وجدتك أهلاً للعبادة فعبدتك". أما حديث مقابلة التعدي بمثله، من دون ظلمٍ ولا تجاوز، فهو جزء من النظام العام، الـذي وضع لصيانة المجتمع وسلامته، وحفظاً للإنسان. وأحبُّ أن أذكر هنا نــقطةً واحدةً، هي أن الإســلام في هذه المـواضيع أيضاً، اعتبر العفو خيراً وأقرب للتقوى، إذ لا يوجب تمادي الطغيان والركون إلى الظلم، وإلا فهو ظلم، يُعدُّ الإنسان به أحد الظالمين. شؤون المجتمع: إن الإسلام لم يكتف في تعاليمه بالعقائد وبالتوجيه الخلقي، بل قدم نـــظاماً عاماً للحياة، يشمل صلات الفرد بالآخرين وبالدولة، وتنظيمات إدارية ودولية، فضلاً عن قوانين الأحوال الشخصية. هذه التداخلات التفصيلية في الشؤون الحياتية، تفتح مجالاً للتساؤل عن سببها، ثم هل بالإمـكان وضع نظام ديــني، يتمتع بالقداسة والثبات للمجتمع وشؤونه المتطورة في كل عصر، حتى أصبحت كل يوم هي في شأن. ولأجل إيضاح هذه النقطة، الــتي أعتبرها أهم النقاط في هذه المحاضرة، والتي تجاوز السؤال عنها نـطاق الكتب الباحثة عن الإسلام، بل أصبحت مجالاً لتساؤلات الجــميع حتى المسلمين أنفسهم، لأجل إيضاح هذه النقطة نطرح أولاً هذا السؤال: هل الذين يكتفون أو يريدون من الأديان أن تـــكتفي بالإيمان والأخلاق، يعتقدون أن صـيانة الإيمان والمحافظة على الأخلاق الحسنة، أمران ممكنان، لمن لا يـرتبط في عمله الخارجي بخطة تتناسب مع الإيمان والأخلاق المذكورين؟ هل الإنسان من جهة كونه موجـوداً واحداً لا موجودات متعددة، يتمكن من أن يعزل روحه عن تأثيرات جسده، أو يمنع جسمه من التفاعل مع روحه؟ والإيمان والأخلاق اللذان همــا من أفعال النفس وصفاتها، هل يمكن إبعادهما عن تأثيرات أعمال الجسد؟ طبعاً الجواب سلبي وواضح. فإن التفاعل بين جوانب وجود الإنسان أمر بديهي، ولهذا، ولأجل صيانة الإيمان والأخلاق، لا بد للإنـسان من أن يتقيد بعمله، وأن يرتبط برباط يتناسب مع الصيانة الروحية المذكورة والقرآن الكريم مثل بقية الكتب المقدسة، يؤكد هذا التفاعل، ويعلن أن ممارسة الأعمال السيئة تنـزع الإيمان من القلب: {ثم كان عاقبة الذين أساؤوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون}[الروم/10]. ثم هل من المعقول أن يــعيش الإنسان في مجتمع يناقض الخط الذي يسلكه في عمله، ويتنافــى مع إيمانه وأخلاقه، ثم لا ينفعل بذاك المجتمع؟! إن الإنسان في تكوينه، في حياته، فــي حاجاته، في وعيه، في تفكيره، وفي جميع جوانب حياته... الإنـــسان في جميع ذلك، موجود اجتماعي يتفاعل مع مجتمعه الذي يعيـش فيه. فهل يمكنه أن يعزل إيمانه وأخلاقه وأعماله الشخصية عن تفاعلات مجتمعه؟ أعتقد أن الجواب عن هذا السؤال سلبي أيضــاً، ولهذا فقد أكد الإسلام، على لزوم إيجاد مجتمع يتناسب مع الإيـمان والأخلاق، والأعمال الصالحة، وأعلن بصراحة: "ما آمـن بالله واليوم الآخر من بات شبعاناً وجاره جائع". أكرر كلمة "ما آمن"، لكي ننتبه إلى التناقض الذي يـراه الإسلام بين الإيمـان وبين سوء الوضع الاجتماعي الذي يوجــب هذه الظاهرة، والقرآن يؤكد هذا المبدأ: {أرأيت الذي يكذب بالدين * فذلك الذي يدعُّ اليتيم * ولا يحضُّ على طعام المسكين}[الماعون/301]. وعلى هذا الأسـاس، نجد أن الإسلام، الذي يؤكد نبيه "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخــلاق"، يحاول لأجل هذه الغاية أن يتدخل في الحياة العملية للإنسان، ثم في الحياة الاجتماعية، فيضع للأول مبدأ الحلال والحرام، وللثاني الأنظمة القانونية الواسعة، التي تشكِّل ما يقرب النصف من التعاليم الإسلامية. فلندخل الآن في مطالعة السؤال المهم الذي يطرح، وهو صعوبة انسجام القوانين الثابتة مع المجتمع المتطور. والجواب عن هذا السؤال يحتاج إلى عرض أمور ثلاثة: أولاً: إن التطور فـي الحياة، وفي التاريخ البشري، معناه تفاعل الإنسان مع الكون. فالإنسان في كل يوم تزداد تجاربه، وتتقدم علومه، فيكشف أِشياء جديدة من الكــون، ثم يستعمل معرفته الجديدة، ويمارس وعيه الجديد، فيستفيد مـن القوى الكونية المكتشفة، ويطوّر بذلك حياته الشخصية والاجتماعية، وينتقل إلى فصل جديد من فصول التاريخ البشري الطويل. فالتطور هو قراءة الإنسان سطراً جديداً من كتاب الكون، وطيّ صفحة جديــدة من هذا الكتــاب، وممارسة معرفته الجديدة والمتغيرات الناتجة عنها. هذا هو مفهومنا عن التطوّر، فليس هناك موجبٌ غريب للتطور، يدخل من عالم آخر في حياة الإنسان وفي العالم الذي يعيش فيه. ليس هناك شيء يطور حياة الإنسان من الخارج، ولا هناك فقد عامل من عوامل الحياة الإنسانية، لكي تتغير الحياة من أجله. إن التــطوَّر، هو تفاعل الإنسان مع الكون فقط، والمعروف أن الإنسان والكون، عنصران كانا في مسرح الحياة من أوَّل الخلق، ما زاد فيهــما شيء، ولا نقص منهما شيء، بل تبدأ كل صفحة جديدة من الحياة بكشف جديد للإنسان عن الكون وبتفاعل بينهما. ثانياً: إنَّ الدّين حسب رأي الإسلام، شريعةٌ وضعها خالق الكون والإنسان، أي الله سبـحانه. وخالق الكون، يعرف جميع جوانب وجوده، ظواهره وبواطــنه، ويعرف أيضاً جميع جوانب وجود الإنسان، وجميع حاجاته ورغباته. إن الله يعرف هذا كله، وقد وضـــع قوانين لكي يتمتع الإنسان بالكون، فيحيا حياةً طيبة كاملة، تماماً مثلما تضع مؤسسات صنع السيارات توجيهاتٍ لصيانة السيارة، والاستفادة الكاملة منها، لأن المؤسسة، خبيرة بكـيفية صنع السيارة، مشــخصاتها، وطرق الاستفادة الكاملة منها. قلنا إن الله خالقٌ للكون وعارفٌ به، وخالقٌ للإنسان وعارفٌ به، وقد وضع نصوصاً وتوجيهات، لكي يعيش الإنسان في الكون حياةً طيبةً كاملةً، ذات هدف كبير. وحسب رأي الإسلام أيـضاً، وضع الله الشريعة والتوجيهات المذكورة بكلمات صادرة عنه، وهي الآيات القرآنية. والإيمان الإسلامي يرى، أن معاني القرآن منـزلة بألفاظه بعينها. والمعروف أن كلام الله يـختلف عن كلام البشر تماماً، حيث إن فهم كلام البشر محدود بمستوى معرفة القائل، ولا يمكن التجاوز لهذا الحدّ. وكلما ازداد مستوى معرفة المتكلم، ازداد إمكان تفسير كلامه والتعمّق فيه. ولهذا الـسبب، يتعمق القضاة والمحامون في تفسير نصوص القوانين، إلى درجـات تتجاوز جداً حدود تفسير كلام العامة من الناس. وحيث إن مستوى معرفة الله لا حدّ له، فيمكن الاعتماد على جميع مراحل مدلولات كلامه، وكلّما ازداد التعمق فيه، يتبين معنى جديد لكلامه. فكلامُ الله من هذه الناحية، مثل الحقائق الكونية، بل هو بعينه من الحقائق الكونية، يكتشف الإنسان منـه في كلِّ مرحلة شيئاً جديداً، كما يكتشف من الكون في كل مرحلة شيئاً جديداً، وكما تظهر كل يوم صفحة جديدة من حقيقة الإنسان بمعرفته الجديدة. وبعد عرض هذه المقدمة، نعود إلى الجواب عن التساؤل المذكور فنقول: إن الإنسان له تفاعلات مع الكــون تشكِّل أسس التطور، وهذه التفاعلات تنظمها شريعة الله، ولها أيضاً مع كل مرحلة من التطور، تعاليم متطورة، تتناسب مع المرحلة التي يعيشها الإنسان، فتنظم الصلات والتفاعلات الثابتة بين الإنسان والكون. وخلاصة الجواب، أن على مسرحنا عوامل ثلاثة، كل واحد منها يواكب غيره، باكـتشاف مراحل جديدة، وحــقائق جديدة، هي: الإنسان، الدين، والكون. وبهذه الطريقة الموجزة، يمكننا أن نحتفظ بصفة القداسة للأنظمة الدينية العائدة للإنسان والمجتمع، مع إفساح المجال لتطــويرها ضمن الإطار العام الذي يتضح للـباحث عنه. ومن هــنا، فإن التعاليم المتطورة تحتفظ بإلهيتها وقوتــها وقيادتها قيادةً متطورة مستقاة من القواعد الثابتة الدينية. والله على ما اقول شهيد |
|
مادة إعلانية
|
|
|