![]() |
|
|
#51
|
|||
|
|||
|
· الجانب الثالث : العلم والتعلم .رمضان هو الشهر الذي أنزل فيه القرآن ، الذي هو هداية للناس ومصدر الخير لهذه الأمة ، وأساس كل الفضائل ، ومنبع العز والشرف لها . قال تعالى: ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) . إخبار بأن هذا الشهر أنزل فيه القرآن ، ثم بعد ذلك يأتي الأمر : ( فمن شهد منكم الشهر فليصمه ) . ( إنا أنزلنا في ليلة القدر) . ( إنا أنزلناه في ليلة مباركة ) .
· ولأن القرآن أنزل في شهر رمضان ، فقد كان دأب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يكثر من دراسته وتلاوته فيه ، وكذلك كان دأب صحابته والصالحين من سلف هذه الأمة وخلفها . فمع روحانية الصيام يزدادون نورا وهداية . ( من قرأ حرفا من القرآن فله بكل حرف حسنة . لا أقول " ألم " حرف ، ولكن " ألف " حرف و " لام " حرف و " ميم " حرف . والحسنة بعشر أمثالها ) . وأنتم تعرفون أن أجور الأعمال تضاعف في رمضان ، ونفس التلاوة هي عبادة يتقرب بها الصائم إلى الله سبحانه وتعالى . فكيف لو اقترنت بحفظ كتاب الله . ثم كيف لو ارتفع وحرص على أن يعمل بما في القرآن العظيم ويتدبر في هذا الكون الواسع. · فالفرد على أقل تقدير عندما يلجأ إلى القراءة فإنه سوف يحسن بمشيئة الله سبحانه وتعالى الصورة القاتمة التي ارتسمت عن هذه الأمة ، وأنها أمة لا تقرأ ، وأنها مهملة لطلب العلم . · فلا بد للأمة أن تتقدم في علومها ومعارفها ، وهذا يبدأ من جهد الفرد . حينما يتعلم ( زيد وعمرو ومحمد و ... ) فإن هذا يعني أن الشريحة سوف تتسع ، وبمجموع الأفراد تصبح الأمة بأسرها أمة علم وقراءة ومعرفة . · هذه كما قلت ( ثلاث من الأمور ) التي يتيحها لكم الصيام وتحقق صلة وثيقة بين الفرد وأمته . و تؤدي إلى مصالح للفرد ( طاعته لربه ) ومصالح الأمة ( العزة والرفعة والرقي ) . فلندع الكسل في هذا الشهر الكريم إلى رحابة وفسيح ميدان طاعة الله عز وجل بأداء هذه العبادة على أحسن ما تكون . انتهى ملخص الدرس العاشر بحمد الله وتوفيقه . |
|
مادة إعلانية
|
|
#52
|
|||
|
|||
|
" بسم الله الرحمن الرحيم " ملخص الدرس ( الحادي عشر ) للشيخ د . / كهلان بن نبهان الخروصي الذي ألقاه ظهر يوم الخميس : 20 من رمضان 1425هـ بولاية العوابي بعنوان : ما الذي يوصلنا إلى رضوان ربنا ؟ · حديثنا اليوم ليس كما يبدو من المقدمة التي قلتها عن العشر الأواخر من رمضان ، بل هو عن موضوع سهل بسيط ، لكنه في الوقت نفسه غاية في الأهمية . فهو مهم لأنه يتعلق بالعقيدة . وهو سهل لأن العقيدة (عقيدتنا الإسلامية) سهلة واضحة نقية بيضاء ، لا تحتاج إلى كبير عناء لفهمها والالتزام بها ، وإنما هي غاية في الوضوح والنقاء ، تلامس شغاف القلب فتحرره من الأوهام والخرافات . وتحرر العقل إلا مما يتصل بالله سبحانه وتعالى . دينونة صافية ويقينا خالصا ، يملأ فراغ هذه النفس ويوجهها بعد ذلك إلى كل ما فيه خير ، بطمأنينة وسكون حتى يلقى المرء ربه سبحانه وتعالى بقلب سليم فينال الأجر والثواب في الآخرة. · هذا الموضوع العقدي يجيب على سؤال عن الذي يبلغ العباد القرب من الله سبحانه وتعالى .. فهل على العبد أن يفعل شيئا حتى ينال رضوان الله تعالى ؟ أم أنه لا حاجة له لفعل شئ ، بل يسرح ويمرح ويتلذذ بشهوات الحياة ثم لا يخسر شيئا في الآخرة ؟ هل الأمر كذلك ؟ · بكل سهولة وصراحة .. الذي يبلغ العبد المنازل العالية عند الله عز وجل هو كسبه في هذه الحياة الدنيا من أعمال . هذه الأعمال وهذا الكسب هو الذي لأجله أرسل الله سبحانه وتعالى الرسل لعباده . وبه أنزلت الكتب . لأجل أن يبينوا للناس كيف يعبدونه عز وجل . وما هي الأعمال التي ترضي ربهم ، وما هي الأعمال التي تسخطه . · هذه القاعدة مهمة .. لأنها تلخص لنا مهمة الرسل . ومنها نعرف ما الذي يطلب منّا نحن العباد ؟ فإذاً يطلب منّا أن نكسب الصالحات ، وأن نعمل الطاعات وفق ما بلغنا إياه رسل الله سبحانه وتعالى . ولا ريب أننا ننتمي إلى أمة خاتم الأنبياء والرسل سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ، ولذلك فنحن مأمورون أن تكون أعمالنا موافقة لشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم . · ولننظر في بعض آيات من كتاب الله عز وجل ، وكيف أن الله عز وجل يقرر لنا هذه الحقيقة في أبسط صورها ، وفي أقصر سور القرآن الكريم ، في سورة العصر: ( بسم الله الرحمن الرحيم . والعصر . إن الإنسان لفي خسر . إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ). فالله عز وجل يقسم بالعصر – أيا كان المقصود بالعصر ، هل هو وقت العصر ، أم العصر الزمان ، أم العصر بمعنى الدهر – إعلاءً لشأنه وتعظيما للمقسم عليه . فما هو الذي يقسم عليه ربنا سبحانه وتعالى ؟ ( إن الإنسان لفي خسر ) هذه القاعدة الإجمالية الأولى. لكن الله عز وجل استثنى بعد ذلك صنفا من الناس فقال : ( إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر ) . · وذلك يعني أن من لم يكن متصفا بتلك الصفات ، فإنه لا يدخل في الاستثناء من الإنسان الذي يناله الخسر ( إن الإنسان لفي خسر ، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات ) . وما ذكر بعد ذلك من التواصي بالحق والتواصي بالصبر هو من عمل الصالحات ، وإنما خصت بالذكر تنبيها لأهميتها ولعظم شأنها في واقع حياة المسلمين . · إذا فالإيمان ليس مجرد دعوى يدعيها الإنسان ويحسب أنه حين ينتسب إلى صنف المؤمنين لا يطلب منه شئ بعد ذلك ، ولا حاجة له إلى الكسب والعمل لكي ينجو بنفسه من الخسران.. لا ، فهذه السورة صريحة في اقتران الإيمان بالعمل الصالح. يتبع بإذن الله >>> |
|
#53
|
|||
|
|||
|
• وأنتم تعرفون أن أعلى منازل الجنة هي “ جنة الفردوس “. حتى أن النبي صلى الله عليه وسلم أرشد أمته إلى أن تسأل ربها “ الفردوس الأعلى “ لأنه أعلى الجنة ووسطها . ووسط الجنة أي أفضل الجنان . فمن يستحق جنة الفردوس ؟
• نجد في آخر سورة الكهف أن الله تعالى يقول : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات كانت لهم جنّات الفردوس نزلا ) فإذا هي لمن ؟ إنها للذين آمنوا وعملوا الصالحات. ما هو نُزُل الذين آمنوا وعملوا الصالحات ؟ جنّات الفردوس. ( خالدين فيها لا يبغون عنها حولا ) ولا ريب أن من أكرمه الله بجنة الفردوس لا يمكن أن تحدثه نفسه بأن يتحول عنها أو ينقل منها . لأن فيها كل ما يتصور وما لا يتصور من النعم الأبدي الخالد المقيم . • نفس هذا المعنى نجده في اسم من أسماء النعيم . وقيل اسم من أسماء الجنان أيضا وقيل هو وصف للمكافأة والإحسان . هذا الاسم هو كلمة ( طوبى ) التي اختلف فيها المفسرين هذا الاختلاف . . والحاصل أن المعاني تتوسع أو تضيق لتدور حول الثواب . فنجد أن الله سبحانه وتعالى يقول : ( الذين آمنوا وتطمئن قلوبهم بذكر الله ألا بذكر الله تطمئن القلوب . الذين آمنوا وعملوا الصالحات طوبى لهم وحسن مآب ) . فمن الذي يستحق هذا النعيم و حسن المآب ؟ الذين آمنوا وعملوا الصالحات . تقرير وتأكيد لحقيقة لا ينبغي للمسلم أن ينساها لحظة واحدة: الإيمان والعمل الصالح يبلغان الدرجات العالية . • ولا ريب أن الآيات في هذا السياق كثيرة جدا . ففي سورة يونس : ( إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات سيهديهم ربهم بإيمانهم تجري من تحتهم الأنهار في جنّات النعيم . دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيها سلام . وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين ) . ما الذي أبلغهم هذه المنازل العالية ؟ الإيمان والعمل الصالح . • لا نكاد نجد في القرآن العظيم ذكرا للإيمان إلا ويقترن معه ذكر العمل الصالح . حتى أن المفسرين يقولون أن المواضع التي لم يرد فيها التصريح بالعمل الصالح مع الإيمان فإنه متضمن وداخل فيه ، ومفهوم من السياق . • كما أننا نجد في مواضع أخرى التركيز على العمل الصالح دون ذكر الإيمان . ولكن الإيمان متضمن وشرط لقبول هذه الأعمال الصالحة . والشرطان يوجدان في نفس سياق الآيات التي اقتبستها قبل قليل من سورة الكهف : ( قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إليّ ) ما الذي يوحى إلى نبينا محمد صلى الله عليه وسلم ، النبي البشر ؟ ( أنما إلهكم إله واحد . فمن كان يرجوا لقاء ربه فليعمل عملا صالحا ولا يشرك بعبادة ربه أحدا ) . قدّم العمل الصالح هنا ، ثم تلاه عدم الإشراك . أي أن يؤمن بالله تعالى . • وفي مجال المقارنات .. نقرأ باستمرار قول الله تعالى : ( فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى . وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى ) . • فالطغيان والظلم يبدأ من الإشراك بالله تعالى ، ليصل إلى اقتراف المعاصي والآثام ، والشرك ظلم للنفس والمجتمع والكون بأسره . ( يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ) . فكل معصية يقترفها العبد إنما هي طغيان : فهي طغيان على النفس بالتسبب في إيذائها بالعذاب الأليم في الآخرة .. وطغيان في الدنيا لأن ضرر المعصية يمتد ليشمل المجتمع بأسره . • وفي سور أخرى نجد نفس هذا المعنى واضحا صريحا مع بيان بعض الأعمال الصالحة لكي يتنبه الناس لهذا النوع من الكسب . يقول الله سبحانه وتعالى : ( أفمن يعلم أنما أنزل إليك من ربك الحق كمن هو أعمى ) الذي يعلم ويوقن أن هذا الذي أنزل على نبينا محمد صلى الله عليه وسلم هو الحق . هل هو كالأعمى ؟ ( أفلا يتذكر أولو الألباب ). ثم ذكر الله صفات هؤلاء الذين يؤمنون بأن ما أنزل على محمد هو الحق وبالتالي فإنهم يتبعونه ( الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق . والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب . والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية ويدرؤون بالحسنة السيئة . أولئك لهم عقبى الدار . جنّات عدنٍ يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار ) . • هؤلاء يبتغون ما عند الله . يخافون ربهم . يقيمون الصلاة . ينفقون مما رزقهم الله تعالى سرا وعلانية . وإن فعلوا سيئة فإنهم يتوبون إلى الله عز وجل ويتبعونها حسنة لمحو آثارها . ويخافون ربهم ويخشون أليم عذابه . ولذلك فإنهم يعملون وفق ما أمرهم الله به فيفوزون ويسعدون . • في مقابل هؤلاء مباشرة قال الله تعالى : ( والذين ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه. ويقطعون ما أمر الله به أن يوصل . ويفسدون في الأرض . أولئك لهم اللعنة ولهم سوء الدار) والعياذ بالله . اللعنة : تعني الطرد من رحمة الله . وسوء الدار: جهنم. • وهكذا فالمتأمل لكثير من آيات الله عز وجل يجد أن سبب الحيازة لرضى الله تبارك وتعالى إنما يكون بالكسب الصالح " بالعمل الصالح " . بأن يعرف أن الدنيا دار عمل ، والآخرة دار جزاء . ودار العمل قصيرة منتهية ويجب استغلالها لنيل الدار الآخرة . يُتبع بإذن الله تعالى .. |
|
#54
|
|||
|
|||
|
• وبفضل من الله تعالى جعل عملنا مع قلّته وحقارته سببا لنيل النعيم المقيم , الذي لا يحدّه حد ، ولا يبلغه عد . مع أن أعمالنا ما عساها أن تصل ؟ كيف يمكن لنا أن نشكر الله على كل نعمة ؟ لا يمكن لنا ذلك . لأنه في الحقيقة هو الذي يسر لنا أن نشكره . فهيأ لنا الأسباب والظروف ووفقنا وهدانا أن نعبده وأن نكسب الأعمال الصالحة .. ولكن لأنه بر كريم ، تفضل على عباده فكافأهم بأكثر مما يستحقون.
• ومعايير البعد والقرب من الله تعالى ، تختلف عن معايير البعد والقرب عند ملوك الدنيا . فملك الملوك الذي لا تخفى عليه خافية بيّن لنا أنه لا سبب ولا نسب بينه وبين أحد من خلقه . وإنما هي التقوى التي تقرب العباد من ربهم سبحانه وتعالى , والأخذ بها هو الذي يبلغهم الدرجات العالية . كما أن عدم التقوى هي التي تقطع الصلة بين العبد وربه . "إن أكرمكم عند الله أتقاكم ". • ومن أحب الله عز وجل فإنه يسعى إلى أن يعمل ، لأن معنى الحب أن يعمل لإرضاء من يحبه ، والله تعالى نص على ذلك صراحة في كتابه ، فإن كان ملوك الدنيا لا يحتاجون ممن يحبون إلى كثير عمل لأنه كما قلت تختلف موازينهم ومعاييرهم في محبة الناس وقد لا ينال هذه المحبة إلا من يُصادفه الحظ ، فالأمر ليس كذلك عند الله سبحانه وتعالى ؛ فإن من وَفّى بما أُمِر فإنه ينال هذا الشرف ، شرف محبة الله سبحانه وتعالى له ، لأنه قبل ذلك هو الذي أحب ربه سبحانه . • أما أن تكون محبته لله عز وجل دعوى فارغة فهذا يعني أنه يُمني نفسه الأماني الكاذبة التي حذرنا الله تعالى منها " ليس بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب من يعمل سوءا يُجز به ولا يجد له من دون الله وليا ولا نصيرا " فالله تعالى يقول : " قل عن كنتم تحبون الله فاتبعوني يُحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم " فبكل صراحة يُقعّد الله سبحانه وتعالى لنا هذه القاعدة " قل عن كنتم تحبون الله فاتبعوني" أي يامحمد قل لهم : إنكم إن كنتم تزعمون فعلا أنكم تحبون الله تعالى فاتبعوني –أنا رسول الله – " يُحببكم الله " ساعتها حين تتبعون رسول الله صلى عليه وسلم " ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم ". • فإذا للمحبة بين العبد وربه وبينه سبحانه وتعالى وبين عباده أسباب سببها اتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولِم جُعل نبينا صلى الله عليه وسلم قدوة لنا ؟ إلا لنعمل ونتأسى به . • ولو كان الأمر فقط محبة بلا عمل فمن أحب الناس أجمعين إلى الله تعالى ؟ هو خاتم الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، ومع ذلك فقد أُمِر بالعمل وأُمر بالتبليغ وأُمر بالعبادة والاجتهاد حتى أن بعض النوافل علينا نحن هي فرائض على رسول الله صلى الله عليه وسلم كقيام الليل " ياأيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا " الذي يحب أحدا هل يُريد أن يشق عليه ؟ الأصل أنه لا يشق عليه ، ولكن الله عز وجل يأمر نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بهذا الأمر بهذه الصراحة " ياأيها المزمل قم الليل إلا قليلا نصفه أو انقص منه قليلا أو زد عليه ورتل القرآن ترتيلا إنا سنلقي عليك قولا ثقيلا" • لأن عمله ذلك هو خير له وهو الذي استحق به النبي صلى الله عليه وسلم أن ينال هذا الشرف البالغ ، وهو عليه الصلاة والسلام على ما غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر كان يقوم الليل حتى تتشقق قدماه الشريفتان ، وكان يُناشد ربه سبحانه وتعالى حتى أن صحابته يُشفقون عليه ويقولون " كفاك بعض مناشدتك ربك يا رسول الله إن الله منجزك ما وعدك " ، وكان يستغفر في اليوم والليلة أكثر من مائة مرة وهذا من ؟ هذا أحب الخلق إلى الله سبحانه وتعالى ، وهو خير الناس وأتقاهم وأخوفهم له سبحانه وتعالى . ولذلك جُعِل لنا أسوة حسنة لك نتأسى ونقتدي به عليه الصلاة والسلام ، وهكذا كان أيضا إخوانه من الأنبياء والمرسلين حيث كانوا من أكثر الناس اجتهادا في عبادتهم لربهم سبحانه . • ولذلك –كما قلت- هو أمر عقدي يتصل بعقيدتنا ؛ أن نوقن ونعلم أن سبيلنا للفوز والنجاة إنما هو بأن نعمل ( الكسب الصالح ) لأنه إن لم نعمل ولم نكسب الصالحات فإن العاقبة هي معروفة منصوص عليها في كتاب الله عز وجل ، ولا ينبغي للمسلم أن يركن إلى الأماني الكاذبة وأن يحدّث نفسه بالآمال الفارغة ، بل عليه أن يعمل وأن يحسن ظنه بربه ، والله تعالى لم يُكلفنا شططا ولم يأمرنا بما فيه مشقة وإنما امرنا بما هو في استطاعتنا " لا يُكلف الله نفسا إلا وسعها " ، " ما جعل عليكم في الدين من حرج " ، "يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " فنفس ما أمرنا الله سبحانه وتعالى جعله لنا يسيرا مقدورا عليه ، نستطيع أن نقوم به ولم يُكلفنا عنةً ولا مشقة وهذا كله بفضل منه سبحانه وتعالى . • والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: "إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن أمر فانتهوا " كيف في جانب الأمر قال:"فأتوا منه ما استطعتم" وفي جانب النهي لم يقل فانتهوا منه ما استطعتم أو فانتهوا عنه ما استطعتم ؛ لأنه لا يُتصور في جانب النهي أن تنتهي عن بعض الفعل . • ففي جانب الأمر يُتصور: (الصلاة مثلا ) مأمورون بالصلاة بهذه الكيفية والهيئة التي نصلي عليها ، لكن من كان منا مريضا ولا يستطيع أن يقوم فإنه يصلي قاعد ، فإن كان لا يستطيع أن يصلي قاعدا يصلي جالسا ، وإن كان لا يستطيع يصلي مضطجعا،وإن كان لا يستطيع أن يقرأ إلاّ الفاتحة قرأ الفاتحة ، وإن كان لا يقوى حتى على قراءة الفاتحة بسبب مرضه أو عجزه فإن يكبر لكل فريضة خمس تكبيرات . • كذلك يتصور الصوم : يصوم الصحيح القادر البالغ، فإن كان مريضا أو كان مسافرا يشق عليه الصوم فإنه يُرخص له الإفطار ثم يقضي بعد ذلك الأيام التي أفطر فيها ، وكذلك سائر العبادات . يُتبع بإذن الله تعالى >>> |
|
#55
|
|||
|
|||
|
• لكن في جانب النهي نُهينا عن ارتكاب الفواحش، فكيف يتصور من أحد أن ينتهي عن شيئا ما، لهو إما أن ينتهي أو يكون غير منتهي ، ولذلك في جانب النواهي مأمورون بالانتهاء لأن الانتهاء كف وامتناع ؛ تمنع نفسك من فعل أمر ما ( تحمل أو لا تحمل) فليس فيه درجات متفاوتة لأنك إن أدخلت درجات متفاوتة فهذا يعني أنك فعلت (ارتكبت) وبالتالي وقعت في المحظور ، وساعتها تحتاج إلى التوبة و من فضل الله تعالى سبحانه وتعالى على عباده أن فتح لهم أبواب التوبة "قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا " فعليه أن يبادر إلى التوبة،وأن يتبع تلك السيئات بحسنات وأن يؤدي الحقوق الواجبة عليه تجاه ربه وتجاه الناس إن كانت ذنوبه وما ارتكبه يتعلق بشيء من حقوق الله عز وجل أو حقوق العباد .
• وإلاّ-كما قلت- لماذا جاهد صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم وضحوا بأرواحهم في سبيل الله ، ففي معركة مؤتة : جعفر بن أبي طالب بُترت يده اليمنى فأخذ الراية باليسرى فبترت اليسرى ، فكان مبتور اليدين وهو يعتضد لواء المسلمين بيدين تسيل منهما الدماء ، ثم بعد ذلك يُطعن ، ولما غسلوه وجدوا في بدنه أكثر من تسعين طعنة ما بين ضربة سيف وطعنة رمح . لماذا يفعل ذلك ؟هل لأنه فقط يقول: أنا يكفيني أن أدعي المحبة أو لا حاجة لي إلى العمل . • ثم يأتي بعده عبدالله بن رواحة وكان صائما في معركة في شدة الحر مع أضعاف أضعاف عددهم ( كما في بعض الروايات أن عدد المشركين كان مائتي ألف وكان المسلمون ثلاثة آلاف وفي بعض الروايات كان المشركون مائة ألف ) كان عبدالله بن رواحة صائما ، يقول بعض أصحابه كنا في أسفار ما كان يُرى فيها صائما إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وعبدالله بن رواحة ، وكان في هذه المعركة وهو القائد الثالث - زيد بن حارثة ثم جعفر أبي طالب ثم عبدالله بن رواحة- كان صائما فقال ناولوني شيئا، ليأكل حتى يتقوى لأخذ الراية واستلام قيادة الجيش والجهاد في سبيل الله فأُتي بقطعة لحم من قدر فما استساغها وهو صائم، لكن كبده صادئة مما يراه من الرؤوس التي تطير والدماء ، ويرى أمامه إخوانه قد سبقوه إلى الجنة فما استطاع فرمى قطعة اللحم وشق الصفوف شققا حتى استشهد في سبيل الله ، ومثل ذلك حصل لغيرهم في كل جهادهم . • هذا عبدالله بن رواحة لمّا ودع المدينة نسي أن يودع حتى أهله ، ودع رسول الله صلى الله عليه وسلم فقط من فرط حبه للنبي صلى الله عليه وسلم، نسي بعد ذلك أن يودع أهله وودع المدينة وداع مفارق غير راغب في العودة ، قال: إنما هي الجنة . فلماذا يفعلون ذلك ؟ • حتى أنهم لمّا تشاوروا قبل المعركة في أمر الإقدام أو الإحجام قال بعضهم بأن الله سبحانه وتعالى قد كلفنا أن يكون الواحد منا في مقابل اثنين ، لكن واحد في مقابل عشرات هذا مما لم يكلفنا إياه الله سبحانه وتعالى ، فقال عبدالله بن رواحة منذ متى كنا نقاتل الناس بعددنا إنما نقاتلهم بهذ الدين ، فصوب القوم رأي عبدالله بن رواحة ودخلوا المعركة . لماذا كل ذلك ؟ • أن يأتي اليوم من يزعم بأن من المواقف ما لا يصل إليها إلا لمعصومون من الأنبياء والمرسلين كما في قصة يوسف عليه السلام حينما تزينت له امرأة العزيز وتهيأت وغلقت الأبواب وقالت : هيت لك ، فيأتي بعض الناس ويقول بأن هذا لا يستطيعه إلا المعصومون من الأنبياء والمرسلين ، فإن هذا يبعث على التكاسل وتهوين ارتكاب المعاصي في أنفس الأمة ، لأن النبي صلى الله عليه وسلم بين أن في هذه الأمة من الشباب من يستطيع ذلك ومن هو قادر عليه بفضل الله سبحانه وتعالى فقال:"سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله" فقال منهم "وشاب دعته امرأة ذات حسن ودلال فقال إني أخاف الله " فهناك شباب يخافون الله عز وجل ويجدون أن هذه فرصة العمر للتقرب إلى الله سبحانه وتعالى حين يقعون في مثل هذا الموقف فيترفعون عنه طلبا لما عند الله سبحانه وتعالى وابتغاء أن يظلهم الله عز وجل في ظله يوم لا ظل إلا ظله . • فقد حدثني من أثق فيه أن شابا في بلد غربي عرضت له شابة حسناء جميلة في مكان ليس فيه سواهما ، وإذا بها تخلع ملابسها قطعة قطعة فلما انتهت قال: أفرغت قالت : نعم ، قال : اخرجي ، وطردها شر طردة وقال هذا لا يؤثر فينا نحن المسلمين ، في زماننا هذا الذي استشرت فيه الفواحش والفتن ومع ذلك نجد شبابا يتصلون بالله سبحانه وتعالى ويرغبون فيما عنده . • ينبغي أن يُذكى الإيمان والعمل الصالح في أنفس شبابنا لا أن تهوّن فيها المعاصي ويتعلقون بأذيال كاذبة من الأماني الفارغة ،هكذا ينبغي أن نكون وهذه هي مبادئ ديننا وهذه هي عقيدتنا السهلة الواضحة التي نلتزم به ونحن بعد ذلك في كنف فضل الله سبحانه وتعالى ورحمته بعباده وعدله وحكمته إنه تعالى غفور رحيم . انتهى بحمد الله وتوفيقه ملخص الدرس الحادي عشر |
|
#56
|
|||
|
|||
|
شكرا لك جزيل الشكر
وننتظر الدرس الثاني عشر وفقك الباري ![]()
|
|
|