![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
الدكتـور جيفـري لانج Jeffrey Lang أسـتاذ الرياضيات في جامعة كنســاس الامريكية .
فيما يلي نص مقتبس عن كتاب حتى الملائكة تسأل لمؤلفه البروفسور جفري لانغ ********** " في اليوم الذي اعتنقت فيه الإسلام ، قدّم إليّ إمامُ المسجد كتيباً يشرح كيفية أداء الصلاة ، غير أنّي فوجئتُ بما رأيتـُه من قلق الطلاب المسلمين ، فقد ألحّوا عليَّ بعباراتٍ مثل : خذ راحتك ، لا تضغط على نفسك كثيراً ، من الأفضل أن تأخذ وقتك ببطء شيئا فشيئا ، وتساءلتُ في نفسي : هل الصلاة صعبةٌ إلى هذا الحد ؟ لكنني تجاهلت نصائح الطلاب فقررت أن أبدأ فوراً بأداء الصلوات الخمس في أوقاتها ، وفي تلك الليلة أمضيت وقتاً طويلاً جالساً على الأريكة في غرفتي الصغيرة بإضاءتها الخافتة ، حيث كنت أدرس حركات الصلاة وأكررها ، وكذلك الآيات القرآنية التي سأتلوها ، والأدعية الواجب قراءتها في الصلاة ، وبما أن معظم ما كنت سأتلوه كان باللغة العربية ، فقد لزمني حفظ النصوص بلفظها العربي وبمعانيها باللغة الإنكليزية ، وتفحصتُ الكتيّب ساعاتٍ عدة ، قبل أن أجد في نفسي الثقة الكافية لتجربة الصلاة الأولى ، وكان الوقت قد قارب منتصف الليل ، لذلك قررت أن أصلّي صلاة العشاء ، دخلت الحمام ووضعت الكتيب على طرف المغسلة مفتوحاً على الصفحة التي تشرح الوضوء ، وتتبعت التعليمات الواردة فيه خطوة خطوة بتأنٍّ ودقة مثل طاهٍ يجرب وصفةً لأول مرة في المطبخ ، وعندما انتهيت من الوضوء أغلقت الصنبور وعدت إلى الغرفة والماء يقطر من أطرافي إذ تقول تعليمات الكتيب بأنه من المستحب ألا يجفف المتوضئ نفسه بعد الوضوء ، ووقفت في منتصف الغرفة متوجهاً إلى ما كنت أحسبه اتجاه القبلة ، نظرت إلى الخلف لأتأكد من أنني أغلقت باب شقتي ، ثم توجهت إلى الأمام واعتدلت في وقفتي ، وأخذتُ نفساً عميقاً ، ثم رفعت يديّ براحتين مفتوحتين ملامساً شحمتي الأذنين بإبهاميّ ، ثم بعد ذلك ، قلت بصوت خافت الله أكبر ، كنت آمل ألا يسمعني أحد فقد كنت أشعر بشيء من الانفعال إذ لم أستطع التخلص من قلقي من كون أحد يتجسس علي ، وفجأة أدركت أنني تركت الستائر مفتوحة .. وتساءلت : ماذا لو رآني أحد الجيران ؟ تركتُ ما كنتُ فيه وتوجهتُ إلى النافذة ، ثم جلت بنظري في الخارج لأتأكد من عدم وجود أحد ، وعندما رأيت الباحة الخلفية خالية أحسست بالارتياح ، فأغلقت الستائر وعدت إلى منتصف الغرفة ، ومرة أخرى توجهت إلى القبلة واعتدلت في وقفتي ، ورفعت يدي إلى أن لامس الإبهامان شحمتي أذنيّ ، ثم همست الله أكبر وبصــوت خافت لا يكـاد يُسمع ، قرأت فاتحة الكتاب ببطء وتلعثم ، ثم أتبعتـُها بسورة قصـيرة باللغة العربية ، وإن كنت أظـن أن أي عربي لم يكن ليفهم شيئاً لو سمع تلاوتي تلك الليلة ! . ثم بعد ذلك تلفظتُ بالتكبير مرة أخرى بصوت خافت وانحنيت راكعاً حتى صار ظهري متعامداً مع ساقي واضعاً كفي على ركبتي ، وشعرت بالإحــراج إذ لم أنحـن لأحــد في حيـاتي ، ولذلك فقـد سررت لأنني وحدي في الغرفة ، وبينما كنت لا أزال راكعاً كررت عبارة سبحان ربي العظيم عدة مرات ، ثم اعتدلت واقفاً وأنا أقرأ سمع الله لمن حمده ، ثم ربنا ولك الحمد أحسست بقلبي يخفق بشدة ، وتزايد انفعالي عندما كبّرتُ مرةً أخرى بخضوع فقد حان وقت السجود وتجمدت في مكاني ، بينما كنت أحدق في البقعة التي أمامي ، حيث كان علي أن أهــوي إليهـا على أطرافي الأربعة وأضع وجهي على الأرض ، لـم أستطـع أن أفعــل ذلك ! لـم أستطع أن أنـزل بنفسـي إلى الأرض ، لم أستطع أن أذل نفسي بوضع أنفي على الأرض شأنَ العبد الذي يتذلل أمام سيده ، لقد خيل لي أن ساقي مقيدتان لا تقدران على الانثناء ، لقد أحسست بكثير من العار والخزي ، وتخيلت ضحكات أصدقائي ومعارفي وقهقهاتهم وهـم يراقبونني وأنا أجعـل من نفسـي مغفــلاً أمامهم ، وتخيلتُ كم سأكون مثيراً للشفقة والسخرية بينهم ، وكدت أسمعهم يقولون : مسكين جف ، فقد أصــــابه العرب بمسّ في سان فرانسيسكو ، أليس كذلك ؟ وأخذت أدعو : أرجوك ، أرجوك أعنّي على هذا ، أخذت نفساً عميقاً وأرغمت نفسي على النزول ، الآن صرت على أربعتي ، ثم ترددت لحظات قليلة وبعد ذلك ضغطت وجهي على السجادة ، أفرغت ذهني من كل الأفكار وتلفظت ثلاث مرات بعبارة سبحان ربي الأعلى "الله أكبر" قلتها ، ورفعت من السجود جالساً على عقبي ، وأبقيت ذهني فارغاً رافضاً السماح لأي شيء أن يصرف انتباهي ، الله أكبر ووضعت وجهي على الأرض مرة أخرى ، وبينما كان أنفي يلامس الأرض رحت أكرر عبارة سبحان ربي الأعلى بصورة آلية فقد كنت مصمماً على إنهاء هذا الأمر مهما كلفني ذلك ، الله أكبر و انتصبت واقفاً ، فيما قلت لنفسي : لا تزال هناك ثلاث جولات أمامي وصارعت عواطفي وكبريائي في ما تبقى لي من الصلاة ، لكن الأمر صار أهون في كل شوط حتى أنني كنت في سكينة شبه كاملة في آخر سجدة . ثم قرأت التشهد في الجلوس الأخير وأخيراً سلـَّمتُ عن يميني وشمالي ، وبينما بلغ بي الإعيـاء مبلغه بقيت جالساً على الأرض ، وأخذت أراجع المعركة التي مررت بهـا ، لقد أحسست بالإحراج لأنني عاركت نفسي كل ذلك العراك في سبيل أداء الصلاة إلى آخرها ، ودعوت برأس منخفض خجلاً : اغفر لي تكبري وغبائي ، فقد أتيت من مكان بعيد ، ولا يزال أمامي سبيل طويل لأقطعه ، وفي تلك اللحظة شعرت بشيء لم أجربه من قبل ولذلك يصعب علي وصفه بالكلمــات ، فقـد اجتاحتني موجـة لا أستطيـع أن أصفهــا إلا بأنهــا كالبرودة ، وبـدا لي أنها تشع من نقطة ما في صدري ، وكانت موجة عارمة فوجئت بها في البداية ، حتى أنني أذكر أنني كنت أرتعش غير أنها كانت أكثر من مجرد شعور جسدي ، فقد أثـّرت في عواطفي بطريقة غريبة أيضاً ، لقد بدا كأن الرحمة قد تجسدت في صورة محسوسة وأخذت تغلفني وتتغلغل فيّ . ثم بدأت بالبكاء من غير أن أعرف السبب ، فقد أخَذَت الدموع تنهمر على وجهي ، ووجدت نفسي أنتحب بشدة ، وكلما ازداد بكائي ازداد إحساسي بأن قوة خارقة من اللطف والرحمة تحتضنني ، ولم أكن أبكي بدافع من الشعور بالذنب رغم أنه يجدر بي ذلك ، ولا بدافع من الخزي أو السرور ، لقد بدا كأن سداً قد انفتح مطلِقاً عنانَ مخزونٍ عظيمٍ من الخوف والغضب بداخلي ، وبينما أنا أكتب هذه السطور لا يسعني إلا أن أتساءل عما لو كانت مغفرة الله عز وجل لا تتضمن مجرد العفـو عن الذنوب ، بل وكذلك الشفاء والسكينة أيضاً .. ظللت لبعض الوقت جالساً على ركبتي ، منحنياً إلى الأرض ، منتحباً ورأسي بين كفي ، وعندما توقفت عن البكــاء أخــيراً كنت قد بلغت الغــاية في الإرهاق ، فقد كانت تلك التجربة جارفة وغير مألوفة إلى حد لم يسمح لي حينئذ أن أبحث عن تفسيرات عقلانية لها ، وقد رأيت حينها أن هذه التجربة أغرب من أن أستطيع إخبار أحد بها ، أما أهم ما أدركته في ذلك الوقت فهو أنني في حاجة ماسة إلى الله ، وإلى الصلاة ، وقبل أن أقوم من مكاني ، دعوت بهذا الدعاء الأخير : اللهم إذا تجرأتُ على الكفر بك مرة أخرى فاقتلني قبل ذلك خلصني من هذه الحياة ، من الصعب جداً أن أحيا بكل ما عندي من النواقص والعيوب ، لكنني لا أستطيع أن أعيش يوماً واحداً آخر وأنا أنكر وجودك .. ********* تأثرت بهذه الواقعة التي تبين مقدار ما بالإيمان بالله الواحد الأحد الفرد الصمد من راحة نفسية واطمئنان وسكينة ، كثير منا في هذه الحياة يغفل عن نفسه ويتخبط في عتمة المشاغل إلا من رحم الله ، فعلينا أيها الأخوة أن نقف مع أنفسنا ساعة لمحاسبتها قبل يوم الحساب .. |
|
مادة إعلانية
|
|
|