البسيوي
07/09/2005, 08:15 PM
عندما نصطدم بما يهز ثوابتنا ويزلزلها، ويلغي معتقداتنا وإرثاً أثقل كاهلنا لسنوات طويلة. عندما ندرك بالحقيقة وهماً عشناه، لا بد أن يكون الدوي عميقا في دواخلنا، وانتصارنا الوحيد ألا يسمع أحد بكاءنا.
هذا ما تبوح به الكاتبة الكويتية الشابة بثينة العيسى في عملها الروائي الأول «ارتطام... لم يسمع له دوي»، الذي أحدث في دمشق صدى يستحق أن يذكر.
تحمل وطنها إلى السويد وتحديداً مدينة أبسالا، حيث تحليقها الأول خارج جغرافيا الوطن للفوز في مسابقة عالمية في علم الأحياء. وتجد صعوبة في التأقلم مع محيط لم تألفه «هنا.. لا تجد العتمة إلا في باطنك العميق، حيث أنت وحدك توغل في التيه، العالم من حولك يتحدث كل اللغات إلا لغتك، وأنت بجلدك الأسمر ناشز عن اللوحة، فاخلع نعليك! ليس امتثالا لطقوس المثول في الأودية المقدسة، وإنما لتركض في داخلك بأسرع ما تستطيع..».
ما حمّلها إياه الوطن مرمّزاً في مادة علم الأحياء، هو ثقافة مضى وقتها ومعلومات تراكم الغبار فوقها لكثرة الجديد الذي لم يصلنا بعد. وهنا تبدأ إشكالية الوطن، (فرح) التي تحمل في داخلها مسؤولية تجاه وطنها، لكنها تطرح على نفسها مجموعة أسئلة في محاولة لكشف الأسباب التي أودت بها إلى الفشل «وأنت ـ بحكم عروبتك ـ عارٍ جدا، وتحتاج إلى أوهام تدثرعارك، أو تدثر عريك، لا فرق! عندما تصبح هويتك عورة في عالم يناقض كل بديهياتك، لا شيء هنا أعرفه، لا شيء هنا يعرفني».
محرضها الأساسي كان شابا كويتيا اسمه (ضاري) يحمل عراقة الكويت في ملامحه، لكن بقالب سويدي كما وصفته الكاتبة، شعرت معه بالأمان والغربة في الوقت ذاته، والرغبة في التمرد وعدم الامتثال إلى الامتحان الثاني «الأستاذ/ أبي/ مدرسة الأحياء/ شلة الثانوية/ أمي، الجمع الذي يراهن علي في قاعة اختبار عملاقة، كل هؤلاء.. أخذلهم الآن لأنتصر لي أو لأنتقم لي... أي حماقة؟ أحقا انني أتمرد على ما سميته «وقاحة وطن» أم أنني مجرد مراهقة مفتونة برجل طاغية؟
وطن يدفعك إلى الصف الأخير
* الوطن احتوى (فرح) حسب رأيها، ودعمها مادياً ومعنوياً لتصل إلى تلك المباراة العلمية، لكنها هناك، وقفت أمام هذا السؤال، إلى أين أوصلني وطني لأكون في الصف الأخير؟ هل الحلم كل ما وهبني إياه مع استحالة التحقيق؟ «تحلم دائما.. وتقضي حياتك في الحلم ثم تسقط بقوة... لتجد نفسك في المؤخرة حيث المكان مخصص لك وحدك.. بمقاساتك أنت».
ضاري منذ البداية كان موقعه في الصف الأخير فهو ينتمي إلى اللامنتمين أو حسب التسمية إلى «البدون» هذا يعني أن تعيش مجردا من أي أوراق رسمية تشير إلى وجودك، رغم أنك تنتمي إلى هذا الوطن.
رغم ذلك يحن ضاري إلى الكويت والأمكنة االتي عرفها، لكنه يأبى العودة إلى مكان نبذه في حين أعطاه السويد الجنسية، وظل يدعو الله أن يرزقه بكويتيه، فالأرض تحولت من مكان إلى مفهوم، إلى روح متمثلة في تلك الفتاة «فرح»، التي تعيش صراع تناقضاتها، بين الوطن والمنفى، الجنون والالتزام بالأعراف، الرجل والوطن، فهو بالنسبة لها ليس وطناً بديلاً كما يراها هو في المقابل.
رغبة في الانعتاق
من هذه الإشكالية الحاضرة دوماً والمحركة، تم الانتقال إلى الفرد، إلى الذات الإنسانية وكيفية التحول من حس الجماعة إلى الفردانية عندما تفيض المشاعر وتبدأ فرح تردد حروف اسم ضاري تميمة شغف، تحبه... لكنها تردع نفسها، فإلى أي جنون سيقودها؟ ضاري حر أحيانا، لكنه يبقى سجينا في مواضع عديدة، لذا استحال اتحاده مع فرح. فهما لا يمثلان شخصين مستقلين لهما حرية الاختيار، إذ حملتهما الكاتبة إشكاليات جيل كامل، ولم تطلقهما على سجيتهما ليتخذا قرارهما بالجنون أو الحب أو التمرد، بل الانصياع لما فرض عليهما من ظرف محيط، والهروب من العتمة إلى العتمة. فرح تعود إلى وطنها تجر ذيول الخيبة دون أن تحصل على الميدالية، وضاري يبقى في أرض منحته حق الانتماء وإن لم تكن وطنه الأم. عند قراءة الرواية، يستشف القارئ صغر سن الروائية بثينة العيسى، إذ تعاملت مع الشخصيات ببساطة لا تحتملها طبيعتها المركبة والمتناقضة، ولم تندفع إلى الحدود القصوى في معالجة الإشكاليات التي طرحتها. ربما يتناسب هذا مع فرح الصغيرة، قليلة الخبرة الحياتية، لكنه لا يتناسب مع فتاة قادرة إلتماس كل ما حولها وإدراك أبعاده ومعانيه.
صدمة بلا دوي
* قصة ، كالتي عاشتها فرح يرتطم بها الواحد منا لتغير مسار حياته، ويبدأ برؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة، إلا أن الكاتبة اختارت رؤية أحادية في صياغة شخصياتها وهي رؤية فرح نفسها، وخلطت بين ضمير الغائب والحاضر ليضيع القارئ أحيانا بين ماضٍ ترويه وحاضر تخاطبه. كما تناولت شخصيتين أساسيتين فقط دون إقامة علاقات أكثر تشابكاً مع آخرين رغم أن الحكاية تسمح بذلك مثل (شخصية الأستاذ ، شريكتها الصينية في الغرفة....)، لكنها ظلت شخصيات سطحية بملامح عامة.
استطاعت بثينة العيسى بأسلوبها الذي اعتمد الثنائيات المتناقضة، والبوح الداخلي، ولغتها الشعرية أن تجذب القارئ منذ سطورها الأولى مما يجعلها كما وصفتها دار المدى: «كاتبة كويتية شابة تقتحم الساحة الروائية بجرأة نادرة، لتعبر، بلغة شعرية ووعي مستقبلي عن هموم جيل ورث عبئاً ثقيلا من الخوف والهزيمة والكبت.. ولكنه ينظر إلى الأمام بغضب، ويكتب إبداعا حرا، يقفز فوق الحدود، ليتواصل مع إبداعات العالم الجديد».
ربما كانت الحكاية في خطها العريض بسيطةً، تشبه العديد من الحكايا، وتتناسب مع ذهنية فتاة الرواية التي تبلغ الثمانية عشر عاماً (يقارب عمر الكاتبة)، وخبرتها الحياتية كشابة صغيرة ممتلئة بعادات وتقاليد وطنها «الكويت»، الذي تعشق تفاصيله من خلال وصفها لنفسها «أنا.. الإخلاص المستميت للعادة بكل أشكالها، حتى لو تلخصت في أرز وهزة فنجان».
ليلاس حتاحت - الشرق الأوسط
هذا ما تبوح به الكاتبة الكويتية الشابة بثينة العيسى في عملها الروائي الأول «ارتطام... لم يسمع له دوي»، الذي أحدث في دمشق صدى يستحق أن يذكر.
تحمل وطنها إلى السويد وتحديداً مدينة أبسالا، حيث تحليقها الأول خارج جغرافيا الوطن للفوز في مسابقة عالمية في علم الأحياء. وتجد صعوبة في التأقلم مع محيط لم تألفه «هنا.. لا تجد العتمة إلا في باطنك العميق، حيث أنت وحدك توغل في التيه، العالم من حولك يتحدث كل اللغات إلا لغتك، وأنت بجلدك الأسمر ناشز عن اللوحة، فاخلع نعليك! ليس امتثالا لطقوس المثول في الأودية المقدسة، وإنما لتركض في داخلك بأسرع ما تستطيع..».
ما حمّلها إياه الوطن مرمّزاً في مادة علم الأحياء، هو ثقافة مضى وقتها ومعلومات تراكم الغبار فوقها لكثرة الجديد الذي لم يصلنا بعد. وهنا تبدأ إشكالية الوطن، (فرح) التي تحمل في داخلها مسؤولية تجاه وطنها، لكنها تطرح على نفسها مجموعة أسئلة في محاولة لكشف الأسباب التي أودت بها إلى الفشل «وأنت ـ بحكم عروبتك ـ عارٍ جدا، وتحتاج إلى أوهام تدثرعارك، أو تدثر عريك، لا فرق! عندما تصبح هويتك عورة في عالم يناقض كل بديهياتك، لا شيء هنا أعرفه، لا شيء هنا يعرفني».
محرضها الأساسي كان شابا كويتيا اسمه (ضاري) يحمل عراقة الكويت في ملامحه، لكن بقالب سويدي كما وصفته الكاتبة، شعرت معه بالأمان والغربة في الوقت ذاته، والرغبة في التمرد وعدم الامتثال إلى الامتحان الثاني «الأستاذ/ أبي/ مدرسة الأحياء/ شلة الثانوية/ أمي، الجمع الذي يراهن علي في قاعة اختبار عملاقة، كل هؤلاء.. أخذلهم الآن لأنتصر لي أو لأنتقم لي... أي حماقة؟ أحقا انني أتمرد على ما سميته «وقاحة وطن» أم أنني مجرد مراهقة مفتونة برجل طاغية؟
وطن يدفعك إلى الصف الأخير
* الوطن احتوى (فرح) حسب رأيها، ودعمها مادياً ومعنوياً لتصل إلى تلك المباراة العلمية، لكنها هناك، وقفت أمام هذا السؤال، إلى أين أوصلني وطني لأكون في الصف الأخير؟ هل الحلم كل ما وهبني إياه مع استحالة التحقيق؟ «تحلم دائما.. وتقضي حياتك في الحلم ثم تسقط بقوة... لتجد نفسك في المؤخرة حيث المكان مخصص لك وحدك.. بمقاساتك أنت».
ضاري منذ البداية كان موقعه في الصف الأخير فهو ينتمي إلى اللامنتمين أو حسب التسمية إلى «البدون» هذا يعني أن تعيش مجردا من أي أوراق رسمية تشير إلى وجودك، رغم أنك تنتمي إلى هذا الوطن.
رغم ذلك يحن ضاري إلى الكويت والأمكنة االتي عرفها، لكنه يأبى العودة إلى مكان نبذه في حين أعطاه السويد الجنسية، وظل يدعو الله أن يرزقه بكويتيه، فالأرض تحولت من مكان إلى مفهوم، إلى روح متمثلة في تلك الفتاة «فرح»، التي تعيش صراع تناقضاتها، بين الوطن والمنفى، الجنون والالتزام بالأعراف، الرجل والوطن، فهو بالنسبة لها ليس وطناً بديلاً كما يراها هو في المقابل.
رغبة في الانعتاق
من هذه الإشكالية الحاضرة دوماً والمحركة، تم الانتقال إلى الفرد، إلى الذات الإنسانية وكيفية التحول من حس الجماعة إلى الفردانية عندما تفيض المشاعر وتبدأ فرح تردد حروف اسم ضاري تميمة شغف، تحبه... لكنها تردع نفسها، فإلى أي جنون سيقودها؟ ضاري حر أحيانا، لكنه يبقى سجينا في مواضع عديدة، لذا استحال اتحاده مع فرح. فهما لا يمثلان شخصين مستقلين لهما حرية الاختيار، إذ حملتهما الكاتبة إشكاليات جيل كامل، ولم تطلقهما على سجيتهما ليتخذا قرارهما بالجنون أو الحب أو التمرد، بل الانصياع لما فرض عليهما من ظرف محيط، والهروب من العتمة إلى العتمة. فرح تعود إلى وطنها تجر ذيول الخيبة دون أن تحصل على الميدالية، وضاري يبقى في أرض منحته حق الانتماء وإن لم تكن وطنه الأم. عند قراءة الرواية، يستشف القارئ صغر سن الروائية بثينة العيسى، إذ تعاملت مع الشخصيات ببساطة لا تحتملها طبيعتها المركبة والمتناقضة، ولم تندفع إلى الحدود القصوى في معالجة الإشكاليات التي طرحتها. ربما يتناسب هذا مع فرح الصغيرة، قليلة الخبرة الحياتية، لكنه لا يتناسب مع فتاة قادرة إلتماس كل ما حولها وإدراك أبعاده ومعانيه.
صدمة بلا دوي
* قصة ، كالتي عاشتها فرح يرتطم بها الواحد منا لتغير مسار حياته، ويبدأ برؤية الأمور من وجهة نظر مختلفة، إلا أن الكاتبة اختارت رؤية أحادية في صياغة شخصياتها وهي رؤية فرح نفسها، وخلطت بين ضمير الغائب والحاضر ليضيع القارئ أحيانا بين ماضٍ ترويه وحاضر تخاطبه. كما تناولت شخصيتين أساسيتين فقط دون إقامة علاقات أكثر تشابكاً مع آخرين رغم أن الحكاية تسمح بذلك مثل (شخصية الأستاذ ، شريكتها الصينية في الغرفة....)، لكنها ظلت شخصيات سطحية بملامح عامة.
استطاعت بثينة العيسى بأسلوبها الذي اعتمد الثنائيات المتناقضة، والبوح الداخلي، ولغتها الشعرية أن تجذب القارئ منذ سطورها الأولى مما يجعلها كما وصفتها دار المدى: «كاتبة كويتية شابة تقتحم الساحة الروائية بجرأة نادرة، لتعبر، بلغة شعرية ووعي مستقبلي عن هموم جيل ورث عبئاً ثقيلا من الخوف والهزيمة والكبت.. ولكنه ينظر إلى الأمام بغضب، ويكتب إبداعا حرا، يقفز فوق الحدود، ليتواصل مع إبداعات العالم الجديد».
ربما كانت الحكاية في خطها العريض بسيطةً، تشبه العديد من الحكايا، وتتناسب مع ذهنية فتاة الرواية التي تبلغ الثمانية عشر عاماً (يقارب عمر الكاتبة)، وخبرتها الحياتية كشابة صغيرة ممتلئة بعادات وتقاليد وطنها «الكويت»، الذي تعشق تفاصيله من خلال وصفها لنفسها «أنا.. الإخلاص المستميت للعادة بكل أشكالها، حتى لو تلخصت في أرز وهزة فنجان».
ليلاس حتاحت - الشرق الأوسط