سبلة العرب
سبلة عُمان الصحيفة الإلكترونية الأسئلة الشائعة التقويم البحث مواضيع اليوم جعل المنتديات كمقروءة

العودة   سبلة العرب > السبلة الدينية

ملاحظات

 
 
أدوات الموضوع البحث في الموضوع تقييم الموضوع
  #1  
قديم 13/05/2005, 04:30 PM
Ibadhiah Ibadhiah غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 07/05/2004
المشاركات: 166
الفتوى... قتلا جماعيا للطفولة

الفتوى... قتلا جماعيا للطفولة

من المؤلم أن يبقى هذا الجزء من العالم هو الوحيد الذي يبحث عن المستقبل في ثنايا الماضي

في زمن اصبحت فيه الامراض السارية والمعدية في ذمة التاريخ، وسطورا في كتب المدارس في العالم المتقدم يقرأ عنها الأطفال بدهشة.. عاد مرض شلل الأطفال ليقتحم عتبات بيوتنا، ويلتهم طفولتنا المنكوبة اصلا. لقد استعاد الفيروس، الذي أوشك على الزوال واصبح ذات يوم من الذكريات الأليمة، استعاد عافيته وعاد يغزوالبلاد والعباد، فها هويظهر ثانية في اليمن والسودان والسعودية واندونيسيا، وبالضرورة سينتشر في الخليج والعراق، وربما تزداد رقعته الجغرافية فيمتد شرقا وغربا وشمالا ما لم تتخذ الاجراءات العاجلة لاحتوائه.

وسيتطلب التحول العضوي الذي طرأ على بنية الفيروس حملة تلقيح جديدة في المنطقة ككل، مما يعني، بالاضافة الى ما سيكلفه من وفيات واصابات، تحميل دول المنطقة الجائعة اصلا مليارات من الدولارات من لقاحات متجددة وايواءات في المستشفيات وجهود ادارية ضخمة لادارة حملات تلقيح واسعة النطاق. وقد قدرت منظمة الصحة العالمية أخيرا تكاليف الحملة بأربعة مليارات من الدولارات، وناشدت الدول الاسلامية الغنية في المؤتمر الاسلامي زيادة مساهمتها التي لم تتجاوز الثلاثة ملايين دولار حتى الآن، رغم ان الدول المهددة اسلامية بالدرجة الأولى.

وقد يتساءل المرء.. وكيف حدث ذلك؟ والاجابة البسيطة بشعة لدرجة الغثيان.. فهنالك فئة من الناس، درجت تسميتها في مناطقنا الرثة بـ "علماء الدين" وما هم بعلماء، ولا ما يفعلونه علما، ولكنهم جزء من النسيج الاجتماعي التاريخي الذي خلقته حركة التطور الاجتماعي البطيئة في مجتمعاتنا منذ اربعة عشر قرنا فاصبحوا جزءا من تحصيل الحاصل، يتعاظم دورهم ويتناقص وفق الظرف السياسي والاقتصادي. قام نفر من هؤلاء، في احدى قلاع التخلف المسماة "نيجيريا"، بالافتاء بأن لقاح شلل الأطفال مؤامرة أمريكية صهيونية، الهدف منها اصابة اطفالنا (رجال المستقبل) بالايدز والعقم، وبالنتيجة افتوا بتحريم التلقيح فامتنع الملايين من البسطاء.. وعاد المرض للانتشار، واستعاد الفيروس حيويته، وانتشر الى المناطق المجاورة بعد تغيير بنيته، فاخذ يحصد الاطفال ثانية لأن اللقاح القديم لم يعد صالحا للتعامل مع الفيروس بصيغته الجديدة. وفي مجتمعاتنا التي تشهد تكاثرا متزايدا في ظل موارد متناقصة، تزداد المشكلة تعقيدا اذ تصعب السيطرة على اعداد المواليد المتزايدة التي سنباهي بها الأمم يوم القيامة، وبالتالي يصعب توزيع حملات التلقيح بصورة متكاملة في ظل غياب البيانات الواقعية.

ان الجرم الذي ارتكبه هؤلاء، لا بحق اطفالهم فحسب، بل بحق الملايين من الأطفال في دول اخرى، يدخل انسانيا في نطاق الجرائم ضد الأنسانية بكل المعايير، فما هم بأقل سادية وقسوة ممن يأمر بقتل الآلاف بجرة قلم، بل هم أسوأ.. فقد استغلوا ايمان البسطاء، ودفعوهم الى الموت الجماعي طوعا. وبدون تسميات، يعلم الكثيرون من الذي يقف وراء هؤلاء في نيجيريا ماليا ومعنويا و"تدريبا دعويا"، والذين قد وصلهم المرض الآن رغم التعتيم الرسمي حيث لن ينفع عض الاصابع ندما بعد ان يبدأ اطفالهم بالتساقط بين ايديهم. ولن نتوقع ان يصدر تنديد أو إنكار من زملاء هؤلاء في المهنة المسماة "علماء الدين"، ولم يصدر شيء من ذلك حتى الآن، ولن يصدر، فالجميع سواء.. ومن يفتي بقتل الابرياء في العراق وغيره جماعيا، لا يختلف عمن يفتي بقتل الاطفال في العالم جماعيا، فهو ذات الإناء الذي لن ينضح بأكثر مما فيه..

ثقافة الفتوى

ان العلة لا تكم فقط بمن افتى، بل كذلك بمن استجاب للفتوى..فقد بنيت ثقافة هذه الشعوب على الاستلاب الفكري والعقلي، والتسليم الجماعي لأية جهة مستعدة للتفكير بالنيابة عنها، فالتفكير والتساؤل وبالتالي اتخاذ القرار عبء كبير عليها، "فاجعل بينك وبين النار شيخا" يفكر عنك ويقرر لك، فهو العالم بالدنيا والآخرة، وما أنت الا عبد جاهل رغم كل علمك وتحصيلك الوضعي، فلا بد بأنه يعلم ما لا تعلم .

ومن المثير ان نقوم برحلة ذهنية في عقل ما يسمى بالارهابي، الذي يقود سيارة مفخخة على سبيل المثال لينفجر بحشد من الناس في سوق أو شارع مزدحم (والعقل كلمة كبيرة لوصف هذه الرؤوس) .. كيف يرى هذا الشخص العالم والحياة بكل الوانها، وهل يرى اصلا .. ما علاقته بالزمان والمكان، وكيف يتخذ قراراته، أهو الأيمان .. وهل يبرر الأيمان القتل الجماعي، وهل كل مؤمن مشروع قاتل بالجملة. هذا الشخص لا قرار له، فهو نصف انسان، قد يأكل ويتكاثر، ولكن لا قرار له فالقرار لصاحب الفتوى الذي يرسله الى الجنة اينما وكيفما شاء، وفي التوقيت الذي يحدده. وهذا يسرى بدرجات متفاوتة على كل متبعي الفتاوى بمختلف درجاتهم. ان الاستسلام الجماعي، لفرد مهما كان وزنه الديني والاجتماعي والسياسي، ظاهرة خطيرة ومثيرة للتأمل في القرن الحادي والعشرين حيث يقف العالم على اعتاب ثورة علمية جديدة. والواقع ان الذهن العربي الاسلامي لم يتجاوز بعد مرحلة الثنائيات وبالتالي التفكير الثنائي الابعاد. فالدنيا لديه بياض وسواد، الله والشيطان، دار الحرب ودار السلام، مسلمون وكفار، وهكذا فلم يدخل هذا الذهن بعد مرحلة النسبية ذات الابعاد الاربعة التي تجاوزها العالم الى مرحلة الكوانتوم (الكم) المتعدد الابعاد. فلا مساحات رمادية في هذه الذهنية، ولا ابعاد ولا احتمالات، انما مطلقات فقط. وتسعى بعض القوى لتثبيت هذه الدرسة المنقرضة في التفكير، ولهذا ترى الحركات السياسية المتشحة بالاسلام في مختلف ارجاء هذه المنطقة، تسعى للوصول الى السلطة عبر السيطرة على المرافق السيادية الحقيقية في جسم الدولة، كما يحدث في العراق مثلا، فالسيادية الحقيقية ليست هي حقائب الداخلية والدفاع وما شابه كما يعتقد الأغبياء من خلفاء العهود الفاشية والشمولية، وانما هي التربية والتعليم والتعليم العالي حصرا.. فهي التي تصنع المستقبل، وأي مستقبل يضمه لنا هؤلاء.

من المؤلم أن يبقى هذا الجزء من العالم هو الوحيد الذي يبحث عن المستقبل في ثنايا الماضي.. فقد فقد هذا العقل القدرة على التجديد والابتكار منذ زمن بعيد، فمن يقود المجتمعات الآن يريد العودة الى سبل الماضي، ومن يعارض يريد الماضي ايضا مع بعض التحوير، فهو الماضي يمنة ويسرة.. قدر لا مناص منه. وعودة الى الحالة العراقية، فمن يقود الآن يتشح بالاسلام، ومن "يقاوم" يتشح باسلام آخر، ومن لم يتشح به لا أفكار جديدة لديه، فكل يريد نموذجا من الماضي لاعادة استنساخه.. ولا عزاء للأطفال.

سعد صلاح خالص GMT 18:45:00 2005 الخميس 12 مايو
  مادة إعلانية
 

أدوات الموضوع البحث في الموضوع
البحث في الموضوع:

بحث متقدم
تقييم هذا الموضوع
تقييم هذا الموضوع:

قواعد المشاركة
ليس بإمكانك إضافة مواضيع جديدة
ليس بإمكانك إضافة ردود
ليس بإمكانك رفع مرفقات
ليس بإمكانك تحرير مشاركاتك

رموز الصور لا تعمل
رموز لغة HTML لا تعمل

الانتقال إلى


جميع الأوقات بتوقيت مسقط. الساعة الآن 02:13 PM.


سبلة العرب :: السنة السابعة والعشرون
لا تتحمل إدارة سبلة العرب أي مسئولية حول المواضيع المنشورة لأنها تعبر عن رأي كاتبها.