![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
سُخْريّة العقل والفلسفة
حسن إغلان
يقتحم رجال الفكر والفلسفة نسقاً مهماً، ويحلو لهم النبش في الظلال والهوامش، والمنفي، والمعزول وكأننا أمام نهاية القضايا الكبرى التي تعودنا قراءتها من زمن ليس بقصير، إن قراءة هذا الاقتحام الجريء، والمعلن عنه في مجموعة من المؤلفات، تروم إلى تحديد هذه الأسئلة، أو على الأقل الانطلاق منها كفرضية في زمن تهمشت فيه كل الفرضيات الممكنة، بمعنى هل انتهينا من طرح القضايا الكبرى في الفكر والفلسفة؟ أم أن التفكير في هذه القضايا أضحى عند أصحابه عديم الجدوى والفائدة؟ في زمن يبحث فيه الاستاذ عن طلبة يُنصِتونَ إلى حركات الفكر، وهاناته، وقوته، أو أن هذا الباحث أو ذاك في مجال الفكر والفلسفة خاصة أضحى خارج السياق الذي توقف عنده ولمدة طويلة. أم أن هذه الكتابات هي نوع من استراحة المحارب؟، قد نقول ذلك أو كانت فردية، ولكن أن تصر مجموعة من الكتب تسير في نفس السياق تقريباً، فهذه مسألة تحتاج لموضعتها موضع سؤال.. وكأنها ظاهرة لا تقبل الحكم، لجرأتها، وخلخلج البذاءات التي تعودنا قراءتها، جراء تروم لوضع العنوان، ليس كقصيدة لقارئه، بل في دفعه للتفكير وإعطائه نصوصاً/ مقالات قصيرة، قد تقرأها، قراءة الماكدونالد، وماذا يعني سير الأستاذ بنعبد العالي من على شاكلة كتبه السابقة.. هل وجد الأستاذ في هذا النوع من الكتابة سبيلاً للتفكير، واستراتيجية للمساءلة، ما دام الكتاب الضخم.../ الأكاديمي .. لم يعد ممكناً الآن؟ أم أنه نوع من أجرأة المقروء الفلسفي على القضايا البسيطة التي يتهرب منها - عادة - الباحث في الفلسفة والفكر -؟ تطرح علينا هذه الأسئلة ونحن نتابع كتابات الأستاذ بنعبد العالي، باعتبارها كتابة الاسماء والاشارة، وكأنها تدفع قارئها لتورطه في حبالها... لا تقدم الكتابة ذاتها أنها كتابة نسقية تدفعك لترسيم حدودها والبحث عن تلك الحدود، بل علي إنجاز لتصور كتابي يحمل متفجراته داخلها، لا لنفجرها بل لتوريط القارئ على ممارسة هذا التفجير، وكأنما يضع في يدي القارئ قنابل ويدفعه لتفجيرها. وذلك للبحث عن المعنى فيما تبقى من ششات الانفجار. لذلك تضعنا هذه الورطة في جدلية الامتناع والمؤانسة، امتاع ذاتي - يبحث فيه القارئ عن الجملة القصيرة، والإيماءة الخاطئة والإشارة البرقية، بلغة جميلة، تُغري القارئ. ولأن إغراء الكتاب محمول في اسم كاتبه. إن إغراء الأسئلة المعلقة في الراهن تضع الكاتب والقارئ معاً في سلة القلق بامتياز لما تتقاذفه وسائل الإعلام من قضايا، وما يطرحه الاستهلاك العالمي من مواد، لا يستطيع إلا لمكتوي بنار برمتيوس لموضعتها في أسئلة وإزالة بداهاتها، بل لطرحها موضوع تفكير عميق يميل في بعض الأحيان لسخرية لاذعة، فتكون هذه السخرية، سخرية من الذات ذاتها، وليس موضوع موازنات.. إن الأستاذ بنعبدالعالي يطرق موضوعات الساعة، ليس في سبيل الاستهلاك الصحفي، بل في الاهتمام الفلسفي لهذه القضايا التي تبدو كجرافة تجرف كل شيء، ولا تضع الأستاذ الباحث امكانية لمساءلتها. وخلخلة بنيانها.. ليس الموضوع إذن هو بحث ابستملوجي، كما يقدم الأستاذ كتابه من خلال عتبته الأولى (العنوان)، بل في امتلاك التداخلات المعرفية لطرق الموضوعات تلك .. لا لإصدار الأحكام ورسم الحدود، بل إن «العقل الساخر - يسخر من دقة التقسيمات وصرامة التبويبات. وجدية التنظيمات، ذلك أنه يلعب على التّلْميح والايماء أكثر من الإبانة والوضوح.... إنه عقل المفارقات، إنه يضع نفسه فيما وراء الصواب والخطأ، ولكن أيضاً فيما «وراء الخير والشر»، كذلك فهو محتال..» ص8,7. هكذا إذن يطرق الأستاذ بنعبدالعالي موضوعاته بنوع من الاحتيال، لا يعني الاحتيال هنا، احتيال على القارئ/ المتلقي، بقدر ما هو احتيال على الأنساق الفاعلة في تاريخ الفكر، فهو لا يهمه الأفق الاستراتيجي الذي دأب عليه كتابه الأول، لرسم الفوارق وتأسيس الاختلاف، والبحث عن العتمات المستورة خلف الخطاب، وبين الفوارق. إن البحث إذن لا يقتصر في وضع الحدود بين الصواب والخطأ، ما دامت الثنائية الميتافيزيقية تلك أضحت خارج النسق الذي تختفي داخله، بدون معنى، وما دام الخطأ يعيش داخل الصواب والعكس صحيح.. إن الحد إذن ليس رسماً معيارياً لتبويب المواضيع كما لو كنا في متجر كبير. في تفجير هذه الفوارق عبر خلخلتها، وكيفية التعامل معها.. إن القراءة الأولى لأسئلة الكتاب تدعونا من جديد للأمانة والإخلاص من جديد الفكريين، لفلاسفة الاختلاف - نتشيه - هايدجر - فوكو - ديريدا وآخرين .. ولا عجب من هذا الإخلاص، بل من خلال كميته على هذا لاعتبار بسيط وهو أن أكثر أساتذتنا والباحثين يغيرون مناهجهم وتصوراتهم الفكرية، كما يغيرون ملابسهم الداخلية.. كما لو كان هذا الباحث أو ذاك أسير الموضة .. وليس مشاغباً لها.. إنه يروم لفتح مقاومة الفكر، خارج حسابات الايديولوجيا، ومعايير القيم، والارتكان للمطلق، بل في إعطاء الفكر معناه، في النقد والمراجعة الرائعين للذات.. إن المسألة حسب هذا الأفق الاستراتيجي الخاطف، هو تحرير قوى الحياة من أشكال القمع التي تلاحقها.. لتصير المقاومة بصيغة الجمع بحثاً عن الممكن المشاغب للإطلاق .. سيتضح من هذا الحديث وتفعيله في مجموعة من المقالات المتباينة والمحيرة في عناوينها.. كقراءة الفراغات، والاحتفاء بالخطأ، والهامش،، وبلاغة الصورة، والجسد، والخوف، والأثر.. والسؤال.. ومواقع أخرى. إن الكتاب - في نظرنا - ليس - فقط - استجابة باحث في الفلسفة حول موضوعات بعيدة منه قريبة من مطرقته، بقدرما هي إدماج الأسئلة الاستراتيجية حول موضوعات بعينها، موضوعات تسكن ميتافيزيقيتها.. وبلاغة أيديولوجيتها.. فلو على سبيل الاستئناس، بأخذ الموضوع الأمريكي، باعتباره موضوع الساعة، لا لتبرير الايديولجيا ولا للسكن، وهم يسمى أمريكا، ولا للإذاعات لعولمة العلم.. ولا للانكماش وراء التلفزيون ولا للمطالبة قومية.. بقدر ما يطرح الموضوع في المفارقات التي تخفيه وتستره.. إنه وبلغة بسيطة تعودنا على الإذاعان والخضوع لمطالبه .. سواء في تفسير العولمة، أو الحرب على العراق أو في موضوعات الإرهاب وغيرها .. إن مقاربته لهذه الموضوعات بعيدة عن المنطق السياسي الذي يحسب الخسارة والربح، من قبيل مقال رقم 5 بعنوان «أمركة الكرة» ولهامشية المقال والسخرية التي تقوم منه، فهو في المقابل لا يتعامل مع تفاهة الخبر بالطريقة التي يتعامل بها بعض المهتمين، سواء كانوا جيدين أو العكس - يحكي المقال عن خبر أوردته الصحف ووسائل الإعلام في خطاب للرئيس الأمريكي يوم 24 يونيه رسالة إلى جوزيف بلاتير، يطالبه فيها بتغيير اسم كرة القدم باسم «السوكر» Soccer.. وتغيير قوانين اللعبة حتى تتماشى مع الحالة الأمريكية.. ذلك هو الخبر.. هو خبر يروم إلى فضاء التسمية وإشكالاتها. ويعلّق الأستاذ بنعبدالعالي على هذا الخبر في ص,6. «واستراتيجية التسمية كما نعلم، استراتيجية هيمنة وتسلط، وقد سبق لنتشة أن قال: «إن حق السيد في إطلاق الأسماء يذهب إلى مدى بعيد إلى حد أنه يمكن اعتبار أهل اللغة فعل سلطة صادر عن هؤلاء الذين يهيمنون. إن هؤلاء قالوا هذا كذا وكذا.. والصقوا بموضوع ما، وفعل ما، لفظاً معيناً، فتملكوهما»، ولنقل نحن فَمَرُكَنُوهُمَا..». واضح إذن من خلال استدعاء أحد الفلاسفةعمق الأستاذ بنعبدالعالي وتفجيره الساخر لحديث يمكن اعتباره نكتة.. القضايا التي تفيد النكتة تلك، والأمركة تلك موضوعه صدام الحضارات.. وعلى النظرية التي أطلقها صاحبها وأشاعها حتى أضحت النظرية الأساس في الجدالات والنقاشات الحالية، وأوهام جديدة.. إلخ. إن النظرية تلك حسب ناحتها صامويل هانتيغون تملك قوة «الحتمية الماركسية»، إلا أن الأستاذ بنعبدالعالي يضفي عنها تلك القوة التي تحتفي بها، وتسكنها عبر الترويج الإعلامي لها، عبر خلخلة الميتافيزيقا التي تتأسس عليها - فصاحبها حسبه «لا يعي أسس نظريته، ولا الآلية المتحكمة فيها، وأنه لم يحاول الوقوف عند الأسباب التي كانت وراء انتشارها وذيوعها» ص,,9، لذا فالوسيلة التي تمكنت من خلخلتها هو فضح آليات عملها، وليس الدخول معها في سجال عقيم... إن الفضح ذلك وليد المطرقة النتشوية تلك لاعتبار بسيط، وهو أن الأستاذ بنعبدالعالي يثق بالعلامات المحمولة على الأجهزة الذكية - بقدرما هو يشاغبها من خلال الفراغات التي تتركها - وكأنه بلغة بلا نشو لا يقف بالوضوح - إلا في استحضار نقيضه. إن الذي يهم بنعبدالعالي هو ما تَقنَّع به صاحب النظرية - أو الإشهار - باعتبار هذا الأخير علامة «تضع نفسها فيما وراء الخير والشر..» إن ما يقصده هو «الفلسفة الثَّاوية خلف الاشهاري لا يتعلق الأمر بالإشهار بل في عمق الخبر الذي نتلقاه من الفضائيات ووسائل الإعلام الأخرى، ذلك أن الخبر وحتى إذا كان مقروناً بLive، أي أن المتلقي يكون في عمق الخبر، في سخونته لمباشرته، بيد «أن هذا الخبر كما تعلمنا الابستملوجيا المعاصرة، على الطريق الأسمى نحو اللبس والوهم وسوء التفاهم..» إن Live إذن ينطلق من بابلية الحرب، أوالحرب في بلاد بابل، لا ليوضح صورة الحدث، بل لينضاف الغموض واللبس ولنقل نحن كذلك إن الحرب لم تقع بعد - بل في سياق آخر يذهب الأستاذ بنعبدالعالي في تحديد ذلك بقوله: «ليست بابل فضاء جغرافياً، وإنما هي فضاء سيميلوجي، يلحق إنتاج المعنى وتتناقله اللغات، وأدوات الاتصال، البابلية وضعية بشرية« ص,23. إن المسألة إذن هي مسألة فضح الأوهام التي تسكن هذا Live مخدعاً مباشراً، وكأنه يلهث وراء المباشرة والوضوح، بل هو يدخلنا في الخلط والغموض - ولعل المطرقة تلك وسيلة لفك هذا، وخلخلة هذا Live وما يحمله من علامات العولمة.. بكل تشكُّلاتها... ولعل أهم شكل منها هو الحرب ضد الإرهاب.. هذه الكلمة الفضفاضة والمسكونة بتعدد التباساتها.. هي ما تضع أمريكا من مرحلة الحرب التي تشنها أيديولوجيا قاتلة - إلى مرحلة «أصبحت فيها أمريكا تعلن الحرب على نفسها» إنها مرحلة إنتاج الرعب والخوف، ليس في العالم فحسب، بل حتى داخل أمريكا - إن لم يعد خوفاً من أحداث إرهابية، بل أضحى خوفاً من الخوف ذاته.. وهذا ما تقدمه سينما الواقع، في تصوير انهيار البرج الأمريكي يوم 11 سبتمبر.. إن الخوف من مفعولات هذه الصور. |
|
مادة إعلانية
|
|
#2
|
|||
|
|||
|
الخيانة المضاعفة
عبد السلام بنعبد العالي أريد أن أطرح في هذه العجالة مسألة ربما بدت للبعض قضية محسوما في أمرها، أو، على الأقل مؤقتة، تلك هي المسألة المتعلقة بظاهرة نلحظها اليوم كثيرا في الساحة الثقافية العربية، وهي ظهور ترجمات عديدة لا تنقل النص وتترجمه عن لغته الأصلية، وإنـما تُترجم ما ترجم عنه، تترجم ترجماته وتنسخ نسخه. إنـها، بلغة أفلاطونية، ترجمات لا تنتج الأيْقُونة وإنما تُولِّد السيمولاكرات. ولنا أمثلة كثيرة على ذلك، لا في ميدان الفلسفـة وحده، بل حتى في ميادين أخرى كالأدب واللسانيات. ولكي نبقى في مجال الفلسفة، فربما لن نبالغ إن قلنا إن معظم ما لدينا من ترجـمات عربية ـ وهي ليست كثيرة ـ عن كنط أو هيجل أو فرويد أو نيتشه أو ماركس أو هايدغر، معظم ما لدينا من نصوص عربية لهؤلاء لم يُنقل عن اللغة الأصلية، وإنما عن لغات أخرى. السؤال الأول والمباشر الذي ينبغي طرحه هنا هو : ما قيمة هذه الترجمات ؟ هل ينبغي اعتبارها نسخا ومسخا مزدوجا للنصوص الأصلية، وخيانة مضاعفة ؟ أم يلزم أن نعترف لـها، على الأقل، بقيمة مؤقتة في انتظار ظهور الترجمات "الحقيقية" التي تُولّد النص مباشرة، ولا تولد بناته وحفيداته ؟ أم نقول، على العكس من كل هذا، إن هذه الترجمات، شئنا أم أبينا، هي التي غذت أجيالا بكاملها، وعنها تعرفنا على هيجل وفـرويد وماركس، وحتى إن ظهرت الترجمات "الحقيقية" الـمزعومة والمأمولـة، فإنـها لن تُغنينا عن تلك الترجمات "الممسوخة" التي لعبت دور "النص"، لا بالرغم من تحريفها للمعاني، بل وربما ب"فضل" ذلك التحريف؟ ها نحن نرى أن المسألة ليست بالبساطة التي تظهر لأول وهلة. إلا أن ما يهمنا هنا ليس البحث عن جواب مرض لسؤالنا الأول، ولا محاكمة هذه الترجمات فحسب، وإنما محاولة طرح بعض قضايا الترجمة من خلال هذه الظاهرة التي تشخص قضية الترجمة في أكثر حالاتـها مرضا إ ن صج التعبير. ذلك أن معالجة هذه المسألة، ربما ستجعلنا نعيد النظر في مفهومنا عن الترجمة ذاتـها، بل وربما في فهمنا لحياة النصوص وتوليدها لمعانيها. لا حاجة أن نثبت في البداية أن هذه "الظاهرة" لا تخص الثقافة العربية وحدها، بل ولا تخص الثقافة العربية الإسلامية في وقتها الراهن. ذلك أن اللغة العربية، منذ أن تفتحت على الثقافات الأخرى، وعلى الفكر اليوناني على الخصوص، لم تتعرف عليه في لغته، فهذا الفكر لم يكن ليحيا، وقتئذ، في لغته الأصلية، وإنـما في لغات أخرى. وهذه مسألة سأعتمدها كثيرا في محاولـة الإجابة عن الأسئلة السابقة : وهي أن النص يكون حيا في لغة ميتا في أخرى، والأهم من ذلك ، أنه لا يبقى، في أحيان عديدة حيّـاً في اللغة التي ظهر فيها، اللغة التي ولد فيها وبـها، وإنما في لغة أو لغات أخرى. إنه، كما يقول بنيامين، يستمر في الحياة بفضل الترجمة. وأشهر مثال معروف في الفلسفة هو مثال أرسطو الذي تكلم يونانيا، ثم كف عن الحديث بلغته ليتكلم سريانيا فعربياً فلاتينيا فألمانياً، وربما هو يتحدث اليوم انجليزياً… معروف أن الترجمات العربية الأولى للفكر اليوناني كانت عن السريانية ولم تكن قط عن اليونانية1.ومهما كان موقفنا من هذه القضية، فإننـا لا نستطيع أن ننكر أن هاته الترجمات من الدرجة الثانية كان لـها وزن تاريخي، فهي التي غذت الفكر العربي الإسلامي في بداياته، وعن طريقهـا عرف حكمـة اليونان. أو لنقل إنه ما كان له أن يعرف الفكر اليوناني إلاّ في اللغة التي كان حيا فيها، وتلك اللغة هي السريانية. هذا الدور نفسه ستلعبه اللغة العربية حينما ستنقل هي، لا اليونانية، الفكر الإغريقي وقد ترجم وأول، وأعيد إنتاجه إلى العالم اللاتيني في بدايات عصر النهضة الأوروبي. الظاهر إذن أن هذه الترجمات الحفيدة لـها قيمتها ووزنـها. وحتى إن كنا نستشعر أمامها نوعا من التنقيص والاحتقار الذي نلفيه حتى عند مترجميها أنفسهم عندمـا يحاولون، في مقدمات ترجـماتـهم، أن يلتمسوا الأعذار لاعتمادهم النص في غير لغته الأصلية، فيرددون أنـهم استعانوا بترجمات أخرى للنص نفسه وأنـهم تحايلوا للاقتراب ما أمكن من النبع. كأن يقول المترجم، إنه وإن لم يستطع ترجمة النص عن لغتـه الألمانية، فقد اعتمد الترجمة الفرنسية، واستعان بالترجمات الإنجليزية والإسبانية للنص نفسه. حتى بالنسبة للمترجم، إذن، نجد عدم رضى، ونظرة شبه تحقيرية انتقاصية لـهذه الترجمات من الدرجات الثانية والثالثة. يسلم هذا الموقف أنه إن كانت كل ترجـمة مبدئيا خيانة، فإن ترجمة نص عن غير أصله، خيانة مضاعفة. الانتقال من النـص إلى ترجماته، في رأي هذا الموقف، عملية انحدار وسقطة. إنه انتقال من أصل إلى نسخ، ومن نموذج إلى أيقونات، من عالم المثل إلى عالم المحسوسات. وهو عملية ضياع وافتقار يتناقص فيها المعنى شيئا فشيئا. كلما اقتربنا من النص ـ الأصل ازددنا قربا من نور المعنى الحقيقي، وقلت خيانتنا للنص المترجم ؛ وكلما ابتعدنا عنه، ضاعت المعاني وتضاعفت الخيانة. خلاصة القول إننا أمام فهم أفلاطوني عن الاستنساخ. ولكن ألا تنطوي هذه النظرة على سوء فهم لعملية الترجمة نفسها ؟ بل ولماهية الترجمة التي هي، أولا وقبل كل شيء، وكما يؤكد هايدغر، ماهية تحويلية ؟ لمحاولة الإجابة عن هذا السؤال ربما وجب الانطلاق من أمرين : أولـهما أن ما اعتدنا تسميته نصا اصليا قد ينطوي هو نفسه على ترجمة أو ترجـمات. بحيث يكون النص الأول نفسه، النص المنطلق، نصا ثانيا، ويكون الأصل منطويا على نسخ من أصول أخرى، ويكون النموذج لا كائنا مفارقا، بل ساكنا مع الأيقونات جنبا إلى جنب. ثانيهما وجود ترجمات ترقى إلى مستوى النص الأصلي نفسه. ولنبدأ بتفصيل هذه المسألة الثانية قبل الأولى، ولننطلق من قضية معروفة في مجال الفلسفة، وهي التي تتعلق بترجمة كتاب هيجل. "فينومينولوجيا الروح"، الذي نتوفر علـى ترجمة لقسمه الأول قام بـها الدكتور مصطفى صفوان، الترجمة الفرنسية الكاملـة لـهذا الكتاب لم تظهر إلا بعد قرن ونصف من ظهوره باللغة الألمانية، وقام بـها جُـون هيبوليت. يقال إن القراء الألمان أنفسهم، ومنذ ظهور الترجمة الفرنسية، أخذوا يستعينون بـها لفهم النص الأصلي. لا أريد أن أستخلص من ذلك أن هذه الترجمة الفرنسية، ترجمة طبق الأصل، ترجمة كاملة، لا درجة للخيانة فيها، بل أستطيع الذهاب عكس ذلك، والقول بأنـها كانت من الخيانة والقدرة على التحويل حتى استطاعت أن تقرب لغة هيجل إلى القراء الألمان. لنعد إذن إلى ترجمة الدكتور مصطفى صفوان الذي نعرف جيدا أنه يترجم عن الألمانية، حتى أن ترجمته لكتاب "تفسير الأحلام" لفرويد ـ كما قيل عنها ـ فاقت دقـة الترجمة الفرنسية الوحيدة المتداولة. إلا أنني لا أستطيع أن أتصور أنه كان بإمكانه عند ترجمة القسم ا لذي ترجمه لكتاب الفينومينولوجيا (مستعملا العنوان الأصلي الذي كان هيجل سيضعه للكتاب، وهو علم ظهور العقل) أن يستغني، لا أقول عن ترجمة هيبوليت،بل عن نص هيبوليت الذي صار، لا نسخة فرنسية عن النص الهيجلـي، وإنـما توأما له. وهذا مهما كانت درجة إتقانه للغة الألمانية. هـا نحن إذن أمام حالة يغدو فيها اللجوء إلى النسخة ضروريا ضرورة اللجوء إلى الأصل. لست أعني بذلك أن ترجمة هيبوليت هاته هي ترجمة نـهائية للكتاب. ولا أدل على ذلك من أن السنين الأخيرة عرفت ظهور ترجمتين فرنسيتين أخريين للنص نفسه. الأولى على يد:Jean Pierre Lefebvre 1991. والثانية على يد: Gwendoline Jaczyk & J-Pierre Labarriere 1993. بل إننا نستطيع أن نؤكد أنه ما دام النص الهيجلي حيا في اللغة الفرنسية إلا وسيعرف ترجمات أخرى. ذلك أن الترجمة هي ما يشكل حياة النص وتاريخه، على حد قول بنيامين. والنص لا تتوقف ترجماته لأنه وجد الترجمة الكاملة، وإنما لأنه لم يعد مادة تفكير، ولأنه لم يعد يحيا في لغات أخرى. لكن المهم أن ظهور ترجماته المتعددة في اللغة نفسها، وأحيانا في السنة نفسها، لا يدل على ضعف الترجمات بقدر ما يدل على مدى حيوية النص في تلك اللغة. ولعل هذا ما يبرر أن موجات "القراءات الجديدة" لماركس وفرويد ونيتشه صوحبت بموجات ترجمات جديدة لنصوص هؤلاء. إلا أن هذا لا يعني البتة أن بعض تلك الترجمات يلغي الآخر ويقضي عليه. وهذا ما حدث وما سيحدث لترجمة هيبوليت التي قربت هيجل من الألمان، وغدت في مستوى النص الأصلي ذاته، والتي ستظهر طبعاتـها الجديدة ولاشك، مع الطبعات الجديدة لـمثيلاتـها التي جاءت بعدهـا. وفي هذا الصدد لدينا مثال مشهور، وفي ميدان الفلسفة دائما. يتعلق الأمر بنـص من النصوص الفلسفية الـهامة التي ظهرت باللغة الألمانية في بداية القرن وهو نص Tractatus لفتكنشتاين. معروف أن قراء الفرنسية تعرفوا على هذا النص في ترجمة P. klossowsbi سنة 1961. وهي ترجمة استخدمها كبار المختصين الفرنسيين في فتجنشتين وأهمهم بوفريس. إلا أن السنة الماضية عرفت ترجمة جديدة على يد Gilles Gaston Granger. ما يهمنا في الأمر هو تعليق لكريستيان دولاكامباني على الترجمتين ومحاولة للمقارنة بينهما، يقول: "لنأخد على سبيل المثال الأطروحة الأخيرة، وهي أكثر أطروحات الكتاب غموضا. ينقلها كلوسوفسكي على هذا النحو : "Ce dont on ne peut parler, il faut le taire" أما غرانجي: "Sur ce dont on ne peut parler, il faut garder le silence". يعلق دولاكامباني: "ما من شك في أن فتجنشتاين نفسه يجد صعوبة في الحسم في المسألة. وبما أن الهاوي اليقظ عاجز أن يقوم بذلك مكانه، فإنه سيحتفظ ببالترجمتين معا. وهو سيجد لا محالة في المقارنة بين اختلافيهما مادة لإعمال الفكر. “Et trouvera sûrement, dans la comparaison de leur différences matière à reflexion”2 كأن المعلق يريد أن يقول إن الترجمة الحقة هي بين الترجمتين: إنـها في لعبة اختلافهما. على ضوء هذه النتيجة لنعد إلى المسألة الأولى: وهي أن كل نص ينطوي، صراحة أو ضمنا، على نصوص مخالفة مترجمة عن لغات أخرى. كل نص ينطوي على نصوص واقتباسات من لغات أخرى. وقد يستعمل ألفاظا أجنبية عن اللغة التي يكتب بـها، بل عبارات أجنبية تجدها على سبيل المثال En Français dans le texte. لنتصور مثلا أننا نريد ترجمة نص لـها برماس يناقش فيه دريدا الذي يحاور أوستين. إننا سنكون أمـام أصل ونسخ دفعة واحدة، أمام نص مكتوب باللغة الألمانية، لكنه يقتبس نصوصا من اللغة الفرنسية التي تقتبس بدورها نصوصا من الإنجليزية. كل نص ينطوي، صراحة أو ضمنيا. على نصوص مخالفة. هذا ما يسميه بلانشو الترجمة الخاصة بالنص الأصلي. بـهذا المعنى، فكل نص، حتى إن ظل غير مترجم، فهو ترجمة. فليست الترجمة عملا ثانويا يأتي ثانية وبعد كتابة النص الأصلي. إن سلمنا بأن المترجم مؤلف، فينبغي بالأحرى أن نسلم أن المؤلف أيضا مترجم. وحتى إن هو وجد النصوص التي يريد الاقتباس منها مترجمة، فإنه غالبا ما يعدلـها مشيرا إلى ذلك فـي الهامش بعبارات "التعديل من عندنا" أو "ترجمة فلان مع إدخال بعض التنقيح". الأمر الذي يحدث لدريدا كثيرا مع نصوص هيجل وهايدغر أو نيتشه على سبيل المثال. بـهذا المعنى فكل ترجمة، مهما كانت، حتى وإن انطلقت من "نص أصلي" مزعوم، فهي ترجمة لترجمات، ـ ونسخٌ لنُسخ. فعلى عكس ما تذهب إليه الرؤية الأفلاطونية، فـإن الاستنساخ لا يأتي بعد أصول، وإنما يكون مولدا لـها. بـهذا المعنى يقول دولوز بأن السيمولاكر "يفصح عن قوة إيجابية تنفي الصورة الأصلية والنسخة معا، كما تنفي النموذج الأصلي والاستنساخ"3. لقد تعودنا أن نطرح مسألة الاستنساخ داخل جو عائلي أسروي أخلاقي يفرض على المترجم احترام الآباء والأصول، وربما، وجب على العكس من ذلك، أن نتصور علاقة المترجم بالنص المترجم علاقة عنف، ونضعها داخل لعبة الخيانات والغـش والمراوغة، مراوغة اللغة التي يجعل منها بارت "جوهر" الكتابة والأدب. إذا انطلقنا من هـذه الفرضية تـهاوت تلك الأسبقيات التي تجعلنا نضع النصوص ضمن مراتب وسلالـم وشجرات أنساب تميز الفروع عن الأصول، والأمهات عن الأحفاد. وإذا أضفنا إلى ما سبق ما تذهب إليه الشعرية المعاصرة من أن النص، حتى وإن لم يترجم، فهو ما إن يكتب حتى يدخل في دوامة التأويل اللامتناهية، فحينئذ لا يبقى للترجمة، كنسخة تطابق الأصل أو تنطلق منه، لا يبقى لـها معنى كبير، إذ أي اصل هذا الذي ستأخذ به. فكل ترجمة، والحالة هذه، نسخة عن نسخة وتأويل لتأويل. فسواء انطلقنا مما ندعوه نصا أصليا، أو من نص مترجم يتكلم لغة غير لغته، فإننا لا نكون قط أمام أصل وفروع، نموذج ونسخ، درجة أولى ودرجة ثانية. إننا لا نكـون إلا أمام لحظة من لحظات الاستنساخ اللامتناهية. تلك هي الترجمة وذاك هو توليد المعـاني. ومن أراد المعنى "الحقيقي" فلن يجده في طهارته في عالم مفارق، فليبحث عنه بالأولى بين النصوص وبين الترجمات "في لعبة اختلافاتـها". |
|
#3
|
||||
|
||||
|
يعجبني فيك و في قراءاتك و أحرفك ما ( يزحف ) عنها أو حيالها الكثيرون مما يعتدون بأنفسهم أنهم ( فاغروا ) العيون و العقول قراءة ...
و بحثك عن ما بحث عنه الأولون من أولي الجماجم اللافارغة يجعلني أتوقف عندك كثيرا .. لا ريب أنك عقل قاري .. و فكر قادر .. هذا يحملني على الإعتراف أني لا أجاملك حقا مفروضا لك.. بل أحترمك من حروفك و انتقاءاتك الفكرية .. كثير مما اتيت به سواء هنا أو هناك أقعدني متعلما لا يسطيع أن ينبت ببنت شفة بسؤال لك .. هي الجلالة إذاً أمام قدرك يا صاحبي لك التحايا و عسى أنْ أعود .. وفقك و حفظك الله تعالى |
|
#4
|
|||
|
|||
|
اقتباس:
الذات ... .. ليس لي من هذا أو ذاك إلا كرم الناقل ... ولا أضاهيك يا صاحب ، فشتــَّــان بين الناقل والكاتب ، ولا أملك إلا أن أهنئ الفلسفة بأمثالك ... ممن لهم في الحكمة مذهبُ الشعراء ... .. أشكر قلمك السخيَّ بالخير ، ولا ريب أنها شهادةٌ أعتز بها ، خاصة ً إذا جاءت من أمثالكم ، ممن أكنُّ لهم بالغ التقدير والاحترام .. لا تبخل علينا بالنقاش يا سقراط ... وفقك الكريم المنان وحفظك بعنايته .. |
|
#5
|
|||
|
|||
|
لإعادة القراءة فحسب ..
آخر تحرير بواسطة تيم : 15/07/2006 الساعة 12:43 AM |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
|
|
|
| تقييم هذا الموضوع | |
|
تقييم هذا الموضوع:
|
|
|
|