![]() |
|
|
|||||||
|
|
أدوات الموضوع | البحث في الموضوع | تقييم الموضوع |
|
#1
|
||||
|
||||
|
التصوير... إشكالات ومقترحات (2-2) للكاتب خالد بن مبارك الوهيبي
بسم الله الرحمن الرحيم
بعد ان نقلنا لكم الجزء الاول من هذا المقال ننقل الجزء الثاني |
|
مادة إعلانية
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
التصوير ... رؤية قرآنية
القرآن هو الأصل والمرجع في تأصيل الأحكام والسنة والحديث تابعان له تبعية الفرع للأصل قال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) الأنعام:38 فلم يفرط الله تعالى في الكتاب من شيء، فلا توجد في السنة أو الحديث مواضع لا تدور في فلك الكتاب العزيز أو هي مبتوتة الصلة به، فـ(مناهي النبي صلى الله عليه وسلم مقتبسة من مناهي الله عز وجل) العدل والإنصاف ج1 ص 97 ، والكتاب العزيز (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) فصلت:42. روى الربيع (103): أبو عبيدة عن جابر بن زيد قال: بلغني عن عثمان بن عفان أنه جلس على المقاعد، فجاء المؤذن فأذن لصلاة العصر فدعا بماء فتوضأ، ثم قال: والله لأحدثنكم حديثاً لولا أنه في كتاب الله ما حدثتكموه ثم قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ما من امرئ يتوضأ فيحسن وضوءه لصلاته ثم يصليها إلا غفر الله له ما بينها وبين الصلاة الأخرى حتى يصليها) . قال الربيع: يريد بقوله: "لولا أنه في كتاب الله" قول الله عز وجل (وَأَقِمِ الصَّلاةَ طَرَفَيِ النَّهَارِ وَزُلَفاً مِنَ اللَّيْلِ إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ ذَلِكَ ذِكْرَى لِلذَّاكِرِينَ) هود:114 يستفاد من هذا الحديث: - أن السنة من الكتاب. - أن الصحابة رضوان الله تعالى عليهم كانوا لا يحدثون إلا بما وافق القرآن. - رواية الحديث في مسند الربيع تدل على أن الإباضية منذ مرحلة التأسيس كانوا مدركين لأبعاد قضية الانفلات الروائي عن القرآن الكريم، وهذا ما أكد عليه تلميذ الربيع وائل بن أيوب عندما قال : (لا تقل عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ما وافق كتاب الله، وأن سنة النبي صلى الله عليه وسلم موافقة لكتاب الله لا يخالفه صلى الله عليه وسلم) ابن جعفر "الجامع" ج1 ص 111. |
|
#3
|
||||
|
||||
|
وقضية كقضية التصوير كان علينا أن نفهمها ابتداء من خلال دلالات الكتاب العزيز ثم نعامل بقية المفردات على ضوئها، لكن ما أصاب المسلمين من بعد عن استلهام مضامين القرآن وفشو الرواية وضغطها غيَّب ذلك كله وحرمنا من الانتفاع به في كثير من القضايا .
وفي موضوع التصوير الذي نحن بصدده، ورد في كتاب الله أنه تعالى (هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ) الحشر: 24 وأنه (هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الأرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ) آل عمران: 6 فالله تعالى هو الذي صور المخلوقات على ما هي عليه. والتصاوير لم يرد ذمها لذاتها في القرآن الكريم ولم تعتبر مضاهاة لخلق الله، إنما ذمت لأجل ما يصنعه الناس بها من الانحراف عن عبادته وإفراده تعالى بالوحدانية، والتصاوير المذكورة في القرآن الكريم هي : - الأصنام - التماثيل - الأوثان وقد ذكرنا سابقا أن القرآن عبر بالتمثال في بعض الأحيان عما كان مباحاً، قال الله تعالى عن سليمان عليه السلام: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات) سبأ:13 وفي أحيان أخرى بما كان مكتسباً للطبيعة الوثنية، قال الله تعالى على لسان إبراهيم عليه السلام في معرض مخاطبته لقومه (إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون) الأنبياء:52، أما الأصنام والأوثان في التعبير القرآني من أوله إلى آخره كانت تعبر عن مضامين عقدية وثنية مخالفة لعقيدة التوحيد . قال تعالى: (فأتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم) الأعراف:138 قال تعالى: (واجنبني وبني أن نعبد الأصنام) إبراهيم:35 قال تعالى: (فاجتنبوا الرجس من الأوثان) الحج:30. فيما عدا ذلك لا يوجد في كتاب الله تعالى أي اعتبار لذم التصاوير في ذاتها أو اعتبارها من المضاهاة لخلق الله تبارك وتعالى، بل في القرآن الكريم اعتبار التماثيل (= أي التصاوير) من النعم التي تستوجب الشكر والحمد للمولى تبارك وتعالى، قال الله تعالى: (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور) سبأ:13. |
|
#4
|
||||
|
||||
|
(يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور) سبأ:13. - في الآية نماذج وأمثلة مما سخره الله تعالى واستغلال الإنسان له: محاريب وتماثيل وجفان وقدور . - واعتبار هذه الأشياء من جملة النعم التي تستوجب الشكر عليها. - والتماثيل: (جمع تمثال وهو كل ما صور على مثل صورة من حيوان أو غير حيوان)، وقد أشكلت هذه الآية على كثير من المفسرين بسبب ما فهموه من الروايات والأحاديث التي جاء فيها تحريم التصوير، لذا ذهبوا مذاهب شتى في تفسير (وتماثيل) الواردة في الآية ذكرها القرطبي في تفسيره: 1. قيل كانت من زجاج ونحاس ورخام تماثيل أشياء ليست بحيوان وذكر إنها صور الأنبياء والعلماء وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهادا قال صلى الله عليه وسلم (إن أولئك كان إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور) أي ليتذكروا عبادتهم فيجتهدوا في العبادة وهذا يدل على أن التصوير كان مباحا في ذلك الزمان ونسخ ذلك بشرع محمد صلى الله عليه وسلم . 2. وقيل التماثيل طلسمات كان يعملها ويحرم على كل مصور أن يتجاوزها فلا يتجاوزها فيعمل تمثالا للذباب أو للباعوض أو للتماسيح في مكان ويأمرهم ألا يتجاوزوه فلا يتجاوزه واحد أبدا مادام ذلك التمثال قائماً. 3. وقيل إن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح ويقال إن اسفنديار كان منهم، وروي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما. 4. وقيل: التمثال على قسمين حيوان وموات، والموات على قسمين جماد ونام وقد كانت الجن تصنع لسليمان جميعه لعموم قوله (وتماثيل) وفي الإسرائيليات أن التماثيل من الطير كانت على كرسي سليمان. |
|
#5
|
||||
|
||||
|
وهذه الوجوه في تفسير الآية لا تصلح أن يعول عليها:
* أولاً: أن تفسير التماثيل في الآية (بأنها صور الأنبياء والعلماء وكانت تصور في المساجد ليراها الناس فيزدادوا عبادة واجتهاداً) يرده بما جاء في الرواية عن النبي صلى الله عليه وسلم عند البخاري (417) ومسلم (528) عن السيدة عائشة أن أم حبيبة وأم سلمة ذكرتا كنيسة رأينها بالحبشة فيها تصاوير فذكرتا للنبي صلى الله عليه وسلم فقال: (إن أولئك إذا كان فيهم الرجل الصالح فمات بنو على قبره مسجداً وصوروا فيه تلك الصور فأولئك شرار الخلق عند الله يوم القيامة) ورواه الربيع (980) عن جابر بن زيد عنه عليه السلام قال : (لعن الله قوما اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد) وهذا المعنى معنى صحيح تماماً، إذ أنه الباب الذي ولجت منه الوثنية إلى الناس . * ثانياً: وأما ما ورد من الإسرائيليات - كما هي عبارة القرطبي- من أن التماثيل عبارة عن مجسمات لحيوانات كالأسود والنسور وغيرها توضع على كرسي سليمان عليه السلام فغير سليم أيضاً لعدة أسباب: - أن نقلتها هم بنو إسرائيل وهؤلاء قوم ابتلوا بنسبة الكفر والموبقات في حق الأنبياء عليهم السلام . - ثم كيف يمكن أن يكون حال سليمان عليه السلام كحال الأقوام الوثنيين من حوله كالمؤابيين والعمونيين وغيرهم في بناء وتشييد التماثيل المجسمة لغرض الترف والتفاخر وإظهار أبهة الملك ؟ وهل يعقل أن نبي الله سليمان عليه السلام وهو يعيش وسط هذا الحزام الوثني أن يتخذ من عرشه مكاناً لاستعراض تماثيل الأسود والنسور؛ بحيث لا يفترق في نمطه وسلوكه الاجتماعي عن هؤلاء الوثنيين؟، بل إن بني إسرائيل أنفسهم كانت لهم سوابق مع التماثيل المجسمة التي سرعان ما عبدوها عندما احتكوا بالأقوام الوثنيين كما حكى القرآن الكريم لنا في قصة عبادتهم للعجل . ثالثاً: أما ما قيل من أن هذه التماثيل رجال اتخذهم من نحاس وسأل ربه أن ينفخ فيها الروح ليقاتلوا في سبيل الله ولا يحيك فيهم السلاح ويقال إن اسفنديار كان منهم؛ وكذا ما روي أنهم عملوا له أسدين في أسفل كرسيه ونسرين فوقه، فإذا أراد أن يصعد بسط الأسدان له ذراعيهما وإذا قعد أطلق النسران أجنحتهما، فعبارة عن تصويرات أسطورية لا دليل عليها من وحي الله تعالى، وهي بلا ريب - باعتراف القرطبي - من بقايا الإسرائيليات التي تسربت للمسلمين وما أكثرها!. |
|
#6
|
||||
|
||||
|
وقد ذكر الطاهر بن عاشور في "التحرير والتنوير" أنه (لم تكن التماثيل المجسمة محرمة الاستعمال في الشرائع السابقة، وقد حرمها الإسلام؛ لأن الإسلام أمعن في قطع دابر الإشراك من نفوس العرب وغيرهم، وكان معظم الأصنام تماثيل فحرم الإسلام اتخاذها لذلك، ولم يكن تحريمها لأجل اشتمالها على مفسدة في ذاتها، ولكن لكونها كانت ذريعة للإشراك) .
وهذا التفسير هو التفسير الشائع لهذه الآية، لكن هناك عدة تساؤلات نطرحها في مقابل هذا الرأي : - ما هو الدليل على أن التماثيل المجسمة لم تكن محرمة الاستعمال على الإطلاق في الشرائع السابقة ولو كانت ذريعة للشرك والوثنية ؟. - وهل أصول الشرائع السماوية واحدة منبثقة من أصل الديانة أم أنها مختلفة؟.* إن المتدبر للكتاب العزيز يعلم أن الرسل عليهم السلام جاءوا بعقيدة التوحيد الصافية النقية (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون). وكلهم عليهم الصلاة السلام دعوا إلى عبادة الله وحده: (لقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إني أخاف عليكم عذاب يوم عظيم) الأعراف:59. (وإلى مدين أخاهم شعيبا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) الأعراف:85. (وإلى عاد أخاهم هودا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره إن أنتم إلا مفترون) هود:50. (وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها فاستغفروه ثم توبوا إليه إن ربي قريب مجيب) هود:61. (وإبراهيم إذ قال لقومه اعبدوا الله واتقوه ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون) العنكبوت:16. من كل هذا نعلم أن ما يمكن أن يعكر صفاء التوحيد ويكون سلماً للوصول إلى الوثنية والشرك هو من المحرمات في كل الشرائع المنبثقة من أصل الإسلام الذي جاء به الأنبياء والرسل من عند الله تبارك وتعالى (أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق إلها واحدا ونحن له مسلمون) البقرة:133. |
|
#7
|
||||
|
||||
|
فعلى هذا ما يمكن أن يكون معكراً لصفو عقيدة التوحيد فأصول الشرائع جميعاً ترفضه لأنها منبثقة من أصل واحد وهو الإسلام، فعندما يقول شعيب عليه السلام (ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين) الأعراف:85 فهو يتحدث عن قيم مطلقة لا تخضع لخصوصية الزمان والمكان وهي تشريع منبثق من أصل الإسلام، وكذا عندما يقول الحق تبارك وتعالى في وصف النبي عليه السلام في التوراة والإنجيل: (الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث ويضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم فالذين آمنوا به وعزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه أولئك هم المفلحون) الأعراف:157 فحلية الطيبات وتحريم الخبائث هي من القواسم المشتركة بين الشرائع السماوية، لا يمكن أن نقول: إنه مما انفردت به شريعة دون الأخرى.
وبناء على هذا؛ فلا يمكننا القول دون أي دليل معتبرا بأن التماثيل كانت مباحة في شريعة النبي سليمان عليه السلام ولو كانت ذريعة للشرك، وأن الشريعة الإسلامية جاءت بتحريمها لكونها كانت ذريعة للإشراك، فما كان معبراً عن هذه الطبيعة المعكرة لصفاء العقيدة من باب أولى أن تشترك الشرائع جميعاً في تحريمه؛ لا سيما وأن الشرك في كثير من تلك الأزمنة كان الأقوى تأثيراً والأكثر انتشاراً. إذن الوجه اللائق في تفسير الآية (يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات اعملوا آل داود شكراً وقليل من عبادي الشكور) بأن ننظر في القاسم المشترك بين الأمور التي قرنت بالتماثيل في الآية والتي عدت من النعم التي تستوجب الشكر والحمد. فالمحاريب جمع محراب وهو (البناء المرتفع الممتنع، ومنه يسمى المحراب في المسجد لأنه أرفعه). والجفان هي: (أكبر الصِّحاف). والجواب جمع جابية وهي (الحوض العظيم المصنوع). والقدور هي (قدور ثابتات لا يحركن عن أماكنهن ولا تحول لعظمهن) . والتماثيل: (جمع تمثال، وهو اسم للشيء المصنوع مشبها بصور الحيوانات). والقاسم المشترك بينها هو كونها مما ينفع الناس في حياتهم ويستعينون بها في دفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية لديهم، وهذا الأمر ليس خاصاً بسليمان عليه السلام، فهو مما تشترك فيه كل الشرائع الأخرى، وهو من القواسم المشتركة بين المجتمعات الإنسانية في كل زمان ومكان، ولذلك نقل القرطبي عن فقهاء لم يسمهم قالوا: إن (عمل الصور جائز لهذه الآية) تفسير القرطبي ج14 ص272 |
|
#8
|
||||
|
||||
|
إذن نستخلص من هذه الآية أن التصاوير من جملة المباحات التي تستوجب الشكر من العباد ومن مستلزمات هذا الشكر استعمالها فيما يخدم الإنسان ويرضي المنعم تبارك وتعالى .
لكن كيف يستقيم هذا التأويل وما جاء في الأحاديث عنه صلى الله عليه وسلم: (إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون بها في النار، ويقال لهم أحيوا ما خلقتم) ؟!. وقد قال كثير من الفقهاء بأن هذا الوعيد لأجل أن في التصوير (مضاهاة لخلق الله) وقال شراح الأحاديث: (إنما نسب خلقها إليهم تقريعاً لهم بمضاهاتهم الله تعالى في خلقه، فبكتهم بأن قال إذا شابهتهم بما صورتم مخلوقات الله تعالى فأحيوها كما أحيا هو من خلق) ، والمضاهاة هي المشابهة. نتساءل: هل في ذات التصوير مضاهاة لخلق الله ؟!. هل نقل الصورة من الواقع إلى الورق أو على الأفلام أو البطاقات يعد مضاهاة لخلق الله، ويستحق الوعيد بالنار والعياذ بالله ؟!. دعونا نقرأ آيات من القرآن حول هذه القضية لنختبر ما جاء في الرواية على ضوئها. - قال تعالى: ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ شُرَكَاءَكُمُ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَرُونِي مَاذَا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّمَاوَاتِ أَمْ آتَيْنَاهُمْ كِتَاباً فَهُمْ عَلَى بَيِّنَتٍ مِنْهُ بَلْ إِنْ يَعِدُ الظَّالِمُونَ بَعْضُهُمْ بَعْضاً إِلا غُرُوراً) فاطر:40. في معرض الخطاب للمشركين يتحداهم الله تبارك وتعالى أن يظهروا ماذا خلق شركاؤهم أو أي دليل على يدل ذلك، وما ذلك إلا لأن الخالق لكل الموجودات وأسبابها هو الله تعالى، فما يملك غيره من شيء يخلقه، إنما تستثمر المخلوقات كل ما هو موجود من خلق الله تعالى، فمهما فعل الإنسان فلا يصل إلى ذرة من عظمة صنع الله تعالى، فالمضاهاة هذه بعيدة كل البعد عن التصور. - وقال تعالى: (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ قُلِ اللَّهُ قُلْ أَفَاتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ لا يَمْلِكُونَ لأَنْفُسِهِمْ نَفْعاً وَلا ضَرّاً قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُمَاتُ وَالنُّورُ أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ) الرعد:16. (أي أجعل هؤلاء المشركين مع الله آلهة تناظر الرب وتماثله في الخلق فخلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم فلا يدرون أنها مخلوقة من مخلوق غيره أي ليس الأمر كذلك فإنه لا يشابهه شيء ولا يماثله ولا ند له ولا عدل له ولا وزير له ولا ولد ولا صاحبة) تفسير ابن كثير ج2 ص 508 ، فالله تعالى ينفي أن تكون هناك قدرة لأحد أن يخلق كخلقه، فهو (استفهام إنكار، والمعنى ليس الأمر على هذا؛ بل إذا فكروا علموا أن الله هو المنفرد بالخلق وغيره لا يخلق شيئاً) ، فليست هناك قدرة للمخلوقين على مضاهاة خلق الله على الإطلاق لأنهم غير قادرين على إيجاد الأشياء من العدم، فهم يستثمرون ما يوجد في الكون من طاقات وخامات فحسب . - وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ) الحج:73. أي أن (جميع ما تعبدون من دون الله من الآلهة والأصنام لو جمعت لم يخلقوا ذباباً في صغره وقلته؛ لأنها لا تقدر على ذلك ولا تطيقه ولو اجتمع لخلقه جميعها) تفسير الطبري ج 17 ص 203 ، وما يعبد الناس من دون الله يشمل الآلهة المزعومة من البشر والحجر والأجرام السماوية وغيرها، فكل هذه عاجزة عن خلق ذبابة صغيرة، بل إن سلبها الذباب شيئاً صعب عليها استنقاذه منه، فكيف للإنسان (=وهو أحد من الذين يمكن أن يؤلهوا) أن يضاهي (=يشابه) بالتصوير خلق الله ؟!. وإذا وعينا كل ذلك علمنا أن المذموم في التصوير هو البعد عن التوحيد والجنوح إلى الشرك بمختلف صوره وأشكاله، يقول ناصر بن أبي نبهان (ت: 1262هـ): (قد مر بيان منا في الصور، وأنه المراد الحيوانية لا النباتية ولغير معنى، ولكن لا يبلغ به هلاكا إذا لم يكن ليعبد من دون الله، كالذي يصور خيلاً للأطفال من المسلمين، وإنما توجه الوعيد لمن يصور للمشركين أصناماً على صور الحيوان والشجر أو غير ذلك ليعبدوها) قاموس الشريعة ج11 ص73. |
|
#9
|
||||
|
||||
|
وعندما نقول: إن المذموم في التصوير هو البعد عن معاني التوحيد لا نحصر ذلك في أصنام ثابتة، بل الأمر يتعداها إلى أصنام متحركة ترى لنفسها ما لله تعالى من اختصاصات، قال تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) التوبة:31 ، وكذلك لابد من التقيد بالضوابط الأخلاقية في التصوير (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) النحل:90 .
نخلص من كل ذلك: - الرؤية القرآنية للتصوير تنتظم في إطار ذم التصوير البعيد عن معاني التوحيد والمتلبس بروح الوثنية بكافة أشكالها وصورها، وعليه تحمل الأحاديث التي وردت في ذم التصوير، فمثلاً حديث أبي سعيد الخدري عند الربيع وغيره أن عائشة رضي الله عنها اشترت نمرقة فيها تصاوير، فلما رآها رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف بالباب ولم يدخل، فلما رأت في وجهه الكراهية قالت: يا رسول الله صلى الله عليه وسلم أتوب إلى الله ورسوله مما أذنبت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما بال هذه النمرقة؟ فقالت: اشتريتها لك لتقعد عليها وتتوسدها فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن أصحاب هذه الصور يوم القيامة يعذبون بها في النار ويقال لهم أحيوا ما خلقتم. ثم قال: إن البيت الذي فيه تصاوير لا تدخله الملائكة ). هذا الحديث يُحمل على كون تلك التصاوير في النمرقة مما يحمل مضامين عقدية مخالفة للتوحيد بشكل أو بآخر، ومن هنا قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما قال. - ورد في القرآن الكريم أن التصاوير النافعة مما يستوجب الشكر لله تعالى. - لا يمكن للناس أن يضاهوا (=يشابهوا) خلق الله تعالى مهما فعلوا (أم جعلوا لله شركاء خلقوا كخلقه فتشابه الخلق عليهم قل الله خالق كل شيء وهو الواحد القهار) لأنهم في الأول والأخير لا يوجدون أي شيء من العدم، فكل ما يستعملونه من خلق الله تعالى (قل الله خالق كل شيء). - التصوير اليدوي والفوتوغرافي والمجسم جائز للأغراض النافعة للناس، بشرط الانسجام والتوافق مع أصول التوحيد والأخلاق وهذا ما يراه العلامة ابن أبي نبهان عندما قال (كالذي يصور خيلاً للأطفال من المسلمين)، ولقد جاءت بعض الأحاديث التي تروى مجيزة للمجسم من التصاوير في الأغراض النافعة كلعب الأطفال، روى النسائي في السنن الكبرى (8947) وغيره عن عائشة أم المؤمنين أنها قالت: كنت ألعب بالبنات فربما دخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم وصواحباتي عندي فإذا رأين رسول الله صلى الله عليه وسلم فررن فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : (كما أنت وكما أنتن) . |
|
#10
|
||||
|
||||
|
جزاك الله خيراً..
في أي عدد من جريدة الوطن نزل هذا المقال؟ |
|
#11
|
||||
|
||||
|
اقتباس:
|
|
#12
|
|||
|
|||
|
شكراُ للنور الوضاح على نقله لهذد الدراسة القيمة عن مسألة التصوير لكاتبها الأستاذ الفقيه خالد الوهيبي والتي اعتمد فيها على منهجية القواعد الكلية للشريعة الإسلامية المستقاة من كتاب الله تعالى ومن العمل النبوي المؤكد عليه.
وهذا المنهج هو منهج فقهاء الإباضية الأوائل في تحليل وسبر القضايا الفقهية ، أنظر مثلاُ مسند الإمام الربيع رحمه الله ومدونة أبي غانم الخراساني تجد منهجاً قوياً في التحليل الفقهي تغافله الكثير من فقهاء الإباضية فيما بعد. وكم نحن اليوم في أشد حاجة لهذا المنهج لتحليل الكثير من قضايا العصر المستجدة في ظل -وللأسف الشديد- اجتلاب بعض الإباضية لمناهج غيرهم في التحليل الفقهي. ونشكر مجدداً الأستاذ الفقيه الوهيبي لاهتمامه في استخراج كنوز الإباضية المدفونة في ركام التاريخ. |
|
#13
|
|||
|
|||
|
الغريب في موضوع التصوير أنه في الوقت الذي تقوم النهضة العلمية على التصوير متمثلاً في تصوير باطن الأرض لاستخراج كنوزه وخاماته، وتصوير التركيب البشري الدقيق، وتصوير أو رسم المخططات العمرانية تمهيداً لجعلها واقعا... في هذا الوقت يأتي من يتغافل عن هذا الجانب ويبحث المسألة مجردة عن حاجات بل وضرورات الواقع والحياة، ليقرر - بعد نظر في نصوص مفردة وبعيداً عن دلالات الكتاب العزيز - حرمة أو كراهية التصوير تعميماً لا ترد عليه استثناءات!!
إن مساحة (الإباحة) الواسعة التي تعطيها لنا شريعة الإسلام الحنيف ينبغي أن نستثمرها وأن نوجد التأطيرات القرآنية لها حتى نبتعد عن النظرة الجزئية واللا واقعية توصلنا لتضييق دائرة الإباحة على حساب (آراء) فقهية مبتوتة عن الدلالات والقواعد القرآنية العامة... |
|
|