![]() |
|
|
#1
|
|||
|
|||
|
حول الرواية ومشاغلها يكتبها اليوم : محمد الحضرمي ٭ أغبط كتابَ الروايةِ أكثر من غيرهم من الأدباء المبدعين، فهم بسَردهم الأخاذ، وتشكيلهم لعوالمَ مُذهلة من الجَمال والإبداع الساحر حقَّ لهم أنْ يَستحوذوا على الإعْجاب، وكلما قرأتُ رواية أخذتني نشوة سَردها إلى غواياتٍ فاتنة وعوالمَ آسِرة، ودنيا مِنْ كلمات، حيثُ يُعطيها السَّردُ طراوة تخالجُ الذهنَ وتراوده من القراءةِ الأولى. ٭ هذه الرواية بمَشاغلها، وعوالمِها الفاتنة، وشخوصِها الحَيَّة، وكونِها وكائناتِها وتكوينها الدقيق، ووصفِها لأدق التفاصيل هي من أكثر الألوان الأدبية تأثيرا في النفس، فهي دنيا أخرى تطلُّ علينا بنظمِها المُتناسق، وسَردها المُتتابع، بحيث ندخلُ في علاقةٍ مع شخوصِها، وننفعلُ معهم وكأنهم ينتمون إلينا، نصادقهم ونتلاطفُ معهم حَدَّ الشوق والعِشق، وكلما كانت لغتها شِعرية كلما بلغَ الكاتبُ مبتغاه في نفس القارئ، وفعلتْ روايته فعل السحر، لأنه يكونُ قد جَمَعَ بين مُتعة السَّرد وجاذبية الحكاية وجمال اللغة الناصِعة، ولن يستطيعَ القارئ أن يستثنيَ مقطعا منها أو يتجاوزه، فمن لم يقرأ هذه الصفحة أو تلك، أو يتواصلُ في قراءة هذا الفصل أو ذاك، ستتبدد في داخله لذة القراءة، وتتداخل خيوطها، وتتشابك وتتعقد أكثر، ولن تصبحَ مُمْتعة، هذا الشعورُ يدركه كل من أخذ في قراءةِ إحدى الروايات ثم لمْ يتمها، أو يقفزُ على فصولها بغية إتمامها، ليوهم نفسه أنه قرأها، دون أن يدري أنَّ الرواية عالم مُتكامل لا يمكن بتره وتجاوزه وتخطيه، وهو بناءٌ مُتناسق، إذ يُمكنُ أن يتداعى ليصبحَ كالبيتِ الخرب بمجرد أن يستثني القارئ مقطعا أو فصلا، ومبتغاه الوصول إلى الخاتمة في الآن واللحظة بلا كلفة ولا مَشقة، متناسيا أنَّ مؤلفها قبل أن يشرع في كتابتها عاشت في حاسته الإبداعية ليال طويلة كالجنين في رحِم أمِّه، وغير مدرك للذة الرواية التي تكمُن بين السُّطور، وتتخفى بين الفصول، وهي لذة تتنامى شيئا فشيئا كلما سارَ القارئ في غوايتها بكامِل طاقاتهِ الاستيعابية. ٭ بالطبع ليستْ كل الأعمال الروائية تحمِلُ هذه القدرة الإبداعية، فكثيرٌ مِما نقرأ يَطفحُ بالإنشائية، وبه الكثير مما لا غنى فيه، أي لا يُشبعُ روحيا إنْ صَحَّ التعبير، ويبدو أنَّ استعجال بعض من الكتاب حلب أفكارهم قدم أعمالا روائية سَطحية، حيث تتفككُ وتنفصِلُ لحمتها عن سُداها، وبالتالي يخمُدُ وهَجُها في النفس، مما يعني أن الرواية خلاصة لخبراتٍ حياتية طويلة، وبعيد عن هذا وذاك فإن الساحة الثقافية ما لم تكنْ مَشغولة بنتاجاتٍ روائيةٍ تصبح ناقصة وقاصرة، لأن الشعر فن العامة، وفن الغناء والتطريب لا أكثر، وهي خاصية يتشارك فيها الجميع، فيما الرواية كما أحسب فن التأمل والغوص بالأفكار في أعْماق الأوجاع الإنسانية، أي أنها فن النخبة. ٭ أكتب هذه المقالة وفي ذهني أعمالٌ روائية عَربية قرأتها مُؤخرا جديرة أنْ تكونَ في مَصاف تجارب عالمية، وهي رواياتٌ اشتغلت بجَدارة على المَوروث الثقافي العَربي، وقدمت لنا نماذج رائِعَة أشعرتنا كم هو هذا الكاتبُ الروائي حَساسٌ وذواقٌ وقادرٌ على إيجاد مناخاتٍ مُبهجة، بمُدن من حلم وشخوص من خيال، إلى جانب ذلك لدينا تجارب عمانية صَدرت خلال السنوات الماضية، وهي شحيحة تشبه سقوط المطر في بلدنا، ورغم حداثة التجربة بكل إرهاصاتها إلا أنها تبشرُ بميلادِ رواية في الغد القادم، تستفيدُ من النتاج الأدبي والفني كالفلكلور والحكايات الشعبية والأساطير، حيث لا يخلو مُجتمع منها، كما تستفيدُ من التجربةِ الإنسانيةِ المَسكونة بهاجس التنقل والترحال، وتفاوت أشكال الحياة بين مَدينة تقع على الساحل، وتعيشُ على إيقاع اصطخاب الأمواج، وبين قريةٍ أخرى نائية تقع في أعماق الأودية أو تتوارى في سفوح الجبال وكأنها (عُشُّ باز) يدسُّهُ عن الأعين غموض المَكان وتنائيه، وفوق هذا أيضا فالتاريخ باعتباره رواية للأمْس البعيد حافلٌ هو الآخر بالقِصَص والخوارق، وما منْ شك أنَّ المَوروث الثقافي العُماني مُشبعٌ بالأسْرار، لكنه بحاجةٍ إلى نبش وتقص، لتحسنَ الاستفادة منه وتوظيفه في الأعمال الأدبية، بشفافيةٍ وحَذر مُتمازجين ومتجانسين، مثلما هو بحاجةٍ إلى روح أدبية مُبدعة. جريدة عمان 5/7/2006 |
|
مادة إعلانية
|
|
|