![]() |
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
التطرف والاعتدال في الإسلام
قاعدة التوازن بين الغاية والأخلاق
التوازن والاعتدال والوسطية في التعاطي مع مفردات الحياة وعناوينها لا يمثل في الضرورة خيارا تقليديا بين عدد من الخيارات أو مستوى ترجيحيا بينها واذا نظرنا إلى البعد الفكري والفلسفي لهذه المسميات في المفهوم الإسلامي لوجدنا ان ذلك البعد يجسد صيغ المشتركات والتماثلات بين تلك العناوين والمفردات توخيا لاستشعار خصائص التشابه والتلاقي بينها وتذليل الحواجز والعقبات وتهيئة الأرضية المناسبة لتحقيق حالة التقارب والتفاهم وصولا لتوفير المزيد من فرص الوئام والسلام مقابل التقليل من عوامل الخلاف والصدام المترتبة على خلافات وتباينات طبيعية وتقليدية. يقول تعالى: (وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا) [البقرة/ 143]. وفي عالم اليوم نجد ان مسميات من قبيل التطرف والاعتدال والوسط وهي تشهد رواجا واسع النطاق في الأوساط السياسية والإعلامية حيث يجري تصنيف الاتجاهات والتيارات المتباينة في ضوئها ويتم اعتماد المواقف والآراء بشأنها فنرى على سبيل المثال ان الاتجاهات والتيارات المتطرفة تحتل مراتب متدنية في قوائم الانتخابات والاهتمامات وكثيرا ما تواجه المزيد من الاتهامات والانتقادات من قبل المثقف ورجل الشارع على حد سواء حتى تتحول تسميات معروفة بتطرفها وعنصريتها كالنازية والفاشية وأحزاب اليمين المتطرف المنتشرة في انحاء متفرقة من العالم وهي تثير في الذاكرة الإنسانية المزيد من الآلام والشجون المقترنة مع مصائب وكوارث لم تكن لتقع لولا السياسات العدوانية والعنصرية المتطرفة من قبل تلك الأحزاب والحركات. وعلى خلاف ذلك نشاهد أغلب الواجهات والتيارات السياسية المعتدلة والمعروفة بمواقفها المرنة وسياساتها المنفتحة على الآخرين وهي تحظى بالتأييد الواسع من قبل مجتمعاتها وتحصل على الأغلبية الساحقة من الأصوات تعبيرا عن ثقة الناخبين وتعاطفهم مع الطروحات والأفكار المعتمدة من قبل تلك الحركات والتيارات المعتدلة ويلاحظ ان صفة الوسطية باتت تمثل قرينة دائمة للكثير منها فهناك اليمين الوسط وهناك اليسار الوسط كإشارة دالة على سياساتها المتوازنة وغير المتطرفة وتعبير واضح عن قيم ومبادئ تتسم بالتسامح تجاه اللون والجنس والرأي الآخر. وقد تناول القرآن الكريم المفردة ذاتها في أكثر من آية كريمة وفي موارد متعددة تتصل بجوانب الحياة وميادينها المتعددة مؤكدا وجوب اعتماد المواقف والسياسات الوسطية المعتدلة لرؤية مشتركة للتعامل مع الواقع فالمطلوب من المسلم ان يتحلى بالاعتدال وهو في معرض التعاطي مع شؤونه الاقتصادية حيث يكون الموقف المعتدل أكثر مدعاة للاتزان والتروي وبالتالي أكثر قربا من الدقة والصواب خاصة وان المراد منطقيا في هذا المورد ان يكون السلوك قائما على الاعتدال والوسط بين اتجاهين متطرفين هما الاسراف والتقتير. يقول سبحانه: (والذين انفقوا ولم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما) [الفرقان/ 67]. وفي آية مباركة أخرى نلحظ ان الخطاب القرآني الكريم يبدو وهو أكثر تأكيدا على تجنب الإفراط والتفريط حتى في أكثر الأمور جوهرية وأهمية وهو ما يتعلق بالعمل من أجل الآخرة بما يشتمل عليه من عبادات وحسن طاعات فنرى ان الخطاب المجيد يشير إلى ضرورة الابتعاد عن التقوقع في دائرة الاعتقاد الآحادية والجمع بين الحقين الدنيوي والأخروي في إطارهما الشرعي ووفق رؤية متوازنة تمنح كل حق منهما الصيانة والحماية من الميول والرغبات العنيقة والمندفعة وتصونها من الإرباك والاضطراب وما يؤدي إلى ترجيح غير مشروع لكفة بعينها على حساب كفة أخرى ولاشك ان القصد من وراء ذلك هو تجنب ان يضل المؤمن الحق من حيث يريد الوصول إليه فالتطرف أو (المغالاة) لما درجت تسميته في التاريخ الإسلامي من شأنه ان يسيء إلى الحق وإلى طالبه اذا عرفنا ان التطرف تابع إلى الباطل وان إقرانه مع الحق يمكن ان يحدث خلطا بين الحق والباطل. يقول عز من قائل: (وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنس نصيبك من الدنيا وأحسن كما أحسن الله إليك ولا تبغ الفساد في الأرض ان الله لا يحب المفسدين) [القصص/ 77]. ونلاحظ ان الرسول الأكرم (ص) ينهى نهيا شديدا عن (اللغو) الذي يعني ايضا التطرف كما يتعارف عليه اليوم في الخطاب الثقافي المعاصر وذلك من خلال حديث خص به (ص) الإمام علي بن أبي طالب (ع): (يا علي هلك فيك اثنان محب غال ومبغض قال): وقد تضمن هذا الحديث كما يمكن للقارئ ان يستشف قدرا كبيرا من الموضوعية والموازنة خاصة اذا عرفنا ان الإمام علي (ع) الذي يؤدي التطرف والغلو في حبه والاعتقاد المبالغ في مواهبه وخصاله إلى الهلكة كما ورد في الحديث يمثل في واقع الأمر رمزا خالدا وفريدا للاعتدال والنهج الموضوعي لتجسيد السلوك الثوري المتوازن والإنساني وهو القائل (ع): (الناس صنفان فأما أخ لك في الدين وأما شريك لك في الخلق). بل ان الحقيقة التاريخية الضرورية للاستشهاد في هذا المورد هو ان الحروب الكفاحية المستمرة التي خاضها بدء من استلامه مقاليد الخلافة وحتى استشهاده (ع) في أشد فصولها كارثية ومأساوية كانت في واقع الأمر في مواجهة مظاهر الانحراف المتمثلة بالانحياز والتعصب إلى الجنس والقبلية على حساب القيم والمثل والمبادئ غير أننا بالرغم من ذلك نجد ان الحديث الشريف يؤكد على ان التطرف في أكثر المواقع والدوائر العقائدية قداسة فهو يؤدي في نهاية الأمر إلى الضياع والهلكة فالتطرف والغلو أمر خطير ومذموم في المفاهيم الإسلامية وان كان يمثل المغالاة في حب رمز من رموز الإنسانية والتسامح والاعتدال. |
|
مادة إعلانية
|
|
|