![]() |
|
|
#1
|
||||
|
||||
|
القضايا بطبيعة الحال تختلف بين القادر على النظر فيها وترجيح الراجح من الأقوال التي وجدت فيها وبين غير القادر .
أما من كان قادراً على الترجيح بحيث يتمكن من النظر بنفسه في الأدلة فيقدّم الراجح على المرجوح والصحيح على غيره ، ويمعن النظر بين الأدلة في خاصها وعامها ومطلقها ومقيدها ومفصلها ومجملها وناسخها ومنسوخها ، هذا لا يحتاج إلى أن يرجع إلى أحد لأنه عنده ما يمكنه من النظر بنفسه . أما من كان غير قادر ووجد أمامه خلافاً بين العلماء فقيل بأنه يأخذ بأي رأي من آراء هؤلاء العلماء ما داموا علماء ثقات يُطمئن إلى دينهم ، وقيل بل لا بد من أن يرجع إلى عالم عصره ليرجح له ، وهذا هو الأرجح لأن المسائل قد تختلف الفتيا فيها باختلاف الأزمنة وباختلاف الأمكنة بل وباختلاف الأشخاص أيضا ، فالعالم مثل الطبيب يعالج كل مريض بما يناسب مزاجه ، فقد تكون علة في أكثر من مريض ولكن هذه الجرعة تنفع لهذا المريض دون غيره فيعطي كل مريض ما ينفعه من الجُرع ويجنبه ما يضره ، وكذلك العالم ، فقد تختلف الفتيا باختلاف الأحوال حتى في الأمور المنصوص عليها ، ربما كان تطبيق النص في وقت بطريقة تختلف عن تطبيقه في وقت آخر كما كان ذلك في عهد عمر رضي الله تعالى عنه عندما نظر في سهم المؤلفة قلوبهم فعلّق هذا السهم لأن الحاجة لم تعد داعية إلى هؤلاء المؤلفة ، ومن كلمة ( المؤلفة قلوبهم ) أن إعطائهم لهذا السهم من الزكاة إنما كان لأجل التأليف ، والتأليف من أجل اتقاء شرهم واستدرار خيرهم ، ورأى أن الإسلام بعدما قوي واشتدت شوكته وظهرت دعوته وأصبح يرج الأرض رجا لم يعد بحاجة إلى أن يتألف هذا وذاك ممن كان المسلمون في حاجة إلى تأليف قلوبهم فيما قبل ، فلذلك صرف هذا السهم إلى بقية مصارف آية الزكاة ، هذا من تطبيق النص ، وليس في ذلك مخالفة للنص بأي حالة من الأحوال إذ لم يقل بأن سهم المؤلفة قلوبهم ألغي تماماً ، وإنما بيّن أن كان إعطائهم لما كان الإسلام ابن لبون وأما الآن فقد بزل ، أي صار بازلاً بعدما كان ابن لبون ، فلم يعد بحاجة إلى تأليف هؤلاء . وهكذا الفتيا تختلف باختلاف الأزمنة وباختلاف الأمكنة وباختلاف الأشخاص أيضاً ، كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه أتاه آتٍ فاستفتاه في تقبيل الصائم فأفتاه بالإباحة ، وأتاه آتٍ آخر فأفتاه بالمنع ، وكان الذي أفتاه بالإباحة شيخاً ، والذي أفتاه بالمنع شاباً ، فقد رأى أن الشيخ عنده شيء من البرود ليس هو كالشاب في هيجان الشهوة العارمة ، فلذلك وسّع للشيخ ما لم يوسّع للشاب ، لأن التوسعة للشاب مظنة المفسدة ، فرأى أن يقطع دابر هذه المفسدة بالمنع من التقبيل رأساً لئلا ينجر إلى ما ورائه فيقع في المحظور ، وهكذا . فإذن من خلال هذا يتبين أن من وجد أقوالاً متعددة قد تكون تلك الأقوال ملائمة لعصر من العصور ، وقد تكون ملائمة لبيئة من البيئات ، وقد تكون ملائمة لظروف من الظروف ، ولكن عندما تتحول الظروف وتنقلب الملابسات يستوجب الأمر اجتهاداً جديداً ورؤيا جديدة ، فلذلك كان النظر في مثل هذه القضايا إلى العلماء الذين يضعون الأمور في مواضعها . ونحن نجد عند كثير من العلماء قد تكون هذه الفتاوى ملائمة مثلاً لعصر من العصور ، لكن لو أردنا تطبيقها في هذا العصر لأصبح ذلك أمراً عسيراً ، من هنا كانت الضرورة إلى الرجوع إلى العلماء الربانيين المتمكنين القادرين على وضع كل شيء موضعه ، الذين هم بمثابة الأطباء في هذه الأمة يداوون أدواؤها بما ينفع من دوائها . فلا يسوغ أن تطبق كل فتيا في أي عصر من العصور وعلى أي شخص من الأشخاص وفي كل بيئة من البيئات ، قد تختلف الأحوال . ونحن نرى العالم الواحد قد تختلف فتياه عندما ينتقل من بيئة إلى بيئة ، فقد يكون له في بيئة ما رأي ، ثم عندما ينتقل إلى بيئة أخرى يكون له رأي آخر ، وهذا كالذي يوجد في مذهب الإمام الشافعي من الرأي القديم والرأي الجديد ، إنما ذلك كان بسبب اختلاف البيئة التي خرج عنها والبيئة التي انتقل إليها . فهكذا تختلف الآراء وتتعدد بحسب البيئات . ولئن كان ذلك بالنسبة إلى الشخص الواحد ، فكيف مع تباعد العصور ومرور القرون وتبدل الأحوال وتطور الحياة فإن ذلك كله مستلزم لإعادة النظر في كثير من القضايا ، والله تعالى أعلم . سماحة الشيخ احمد الخليلي سؤال أهل الذكر 18 من رمضان 1426هـ |
|
مادة إعلانية
|
|
#2
|
||||
|
||||
|
هل يُعتبر عمل العالم حجة ؟
الجواب : ليس عمل أحد حجة إلا الرسول صلى الله عليه وسلّم ، فالله سبحانه وتعالى يقول ( لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيراً) ( سورة الأحزاب : 21) ، قدّم ( في رسول ) على ( أسوة ) ، ومعنى ذلك أن التأسي إنما يجب أن يكون للرسول صلى الله عليه وسلّم وحده . نعم يُستأنس بفعل العالم إذا كان هذا العالم ورعاً نزيهاً وكان متيقظاً ومتبيناً عندما أقدم على هذا الفعل ، قد يستأنس بفعله أما أن يكون حجة ، فلا يكون حجة ، إنما الحجة في فعل الرسول صلى الله عليه وسلّم ، فهو المحفوف بالعصمة وهو الذي لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى . لذلك يجب أن تحصر الأسوة فيه وحده صلى الله عليه وسلّم كما يؤذن بذلك تقديم المعمول في الآية الكريمة . ونحن نجد أن الله سبحانه وتعالى عندما أراد أن يحث الأمة على التأسي بإبراهيم ومن معه بيّن الموضع الذي يُتأسى فيه بإبراهيم لأن النبي صلى الله عليه وسلّم بعدما بُعث بهذه الملة الحنيفية كانت شريعته هي التي يجب تطبيقها ، وكان عمله هو الذي يجب أن يقتدى به ، وقد قال الله سبحانه ( قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَاء مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ )( سورة الممتحنة : من الآية :4) ، قدّم الأسوة على المعمول على قوله ( في إبراهيم ) ، أي إلا هذا الاستغفار الذي استغفره إبراهيم لأبيه فإنه ليس لنا أن نتأسى به فيه ، إذ ليس لنا أن نتأسى فنستغفر لأحد من الكفار . كيف ونبي الله نوح عليه السلام الذي لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً يدعوهم إلى الله ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ، ويبين لهم معالم الحق ، ويقيم لهم دلائل التوحيد ، عندما قال كلمة واحدة في ابنه (فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) (سورة هود : من الآية 45) ، عوتب على ذلك ، رد عليه ربنا سبحانه وتعالى بقوله(إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ)( سورة هود: من الآية 46) ، فلكونه عمل عملاً غير صالح لم يجز أن يجعله من أهله وأن يستغفر له ، وهو استغفر له بمجرد التعريض لا بكلمة صريحة وإنما قال (إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي) ، وقرأ حمزة من القراء السبعة ( إنه عَمِلَ غيرَ صالح ) ، وهذه القراءة قرأ بها أربعة من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم ، منهم فيما أحسب وعائشة وأبو هريرة وأنس بن مالك ، قرأوا بهذه القراءة وهي قراءة حمزة من القراء السبعة ، وفي هذا إيذان بأن صاحب العمل غير الصالح يترك وشأنه ، لا يستغفر له ، فلذلك قال ( إِلا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ لأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * رَبَّنَا لا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِّلَّذِينَ كَفَرُوا وَاغْفِرْ لَنَا رَبَّنَا إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ)( الممتحنة : 4-5) ، ثم قال (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِيهِمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الآخِرَ وَمَن يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)( الممتحنة : الآية 6) ، فمعنى هذا أن الله سبحانه وتعالى جعل لنا التأسي في إبراهيم في هذا ، وهذا هو منهج الرسول صلى الله عليه وسلّم نفسه ، ما جاء في القرآن وما حُث عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم من اتباع ملة إبراهيم حنيفاً وما كان من المشركين ينطبق عليه هذا العمل الذي عمله إبراهيم ومن معه عندما جانبوا قومهم بسبب إشراكهم بالله ورفضوا أن يجعلوهم منهم بل قالوا لهم ( إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ )(الممتحنة: من الآية4). فكان استغفار إبراهيم لأبيه بسبب ( وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ) (التوبة:114) ، فالاستغفار إنما كان لأجل الحرص على أن يوّفي الواعد بوعده ، وأن لا يخلف ما وعده ، فلذلك استغفر إبراهيم لأبيه ، ولما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه إن إبراهيم لأواه حليم . فهكذا ، فالتأسي إنما هو بالرسول صلى الله عليه وسلم في كل شيء ، في كل دقيقة وجليلة إلا ما تبين أن ذلك خاص به عليه أفضل الصلاة والسلام بحيث دل الدليل الشرعي على أننا لسنا مثله في حكمه عليه الصلاة والسلام في ذلك الأمر خاصة . |
| أدوات الموضوع | البحث في الموضوع |
|
|
|
| تقييم هذا الموضوع | |
|
تقييم هذا الموضوع:
|
|
|
|