عرض المشاركة وحيدة
  #2  
قديم 23/06/2003, 12:59 AM
بلا قلم بلا قلم غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 11/10/2002
المشاركات: 119
أشباح الدروب

كان شابان وشابتان يسافرون معا في سيارة رينو / 5/ ، وقد توقفوا في الطريق لالتقاط امرأة ترتدي ملابس بيضاء ، كانت قد استوقفتهم عند تقاطع طرق ، بعيد منتصف الليل . كان الجو صافيا ، وكان الشبان الأربعة – كما تم التأكد حتى الثمالة فيما بعد – يتمتعون بكامل قواهم العقلية . رافقتهم السيدة في الرحلة لعدة كيلومترات وهي تجلس صامتة في وسط المقعد الخلفي ، إلى ما قبل جسر ( كاتري كامو ) بقليل ، حينئذ أشارت إلى الأمام بإصبع مرتعشة وصرخت " حذار ، هذا منعطف خطر " واختفت في الحال .
حدث ذلك على الطريق العام ، بين باريس ومونبيليه . ومفوض شرطة هذه المدينة الأخيرة ، الذي أيقظه الشبان الأربعة ليرووا له الحادث ، وصل به الأمر إلى القبول بأن ماقالوه ليس مزاحا ولا هذيانا ، لكنه حفظ القضية ، لأنه لم يعرف ما عليه أن يفعل بها . وقد تناولت الحادث في الأيام التالية جميع صحف فرنسا ، وهرع عدد من علماء النفس ، وأطباء العيون ، ومحررو الريبورتاجات الماورائية إلى مكان الرؤيا ليدرسوا ظروف وقوعها ، وأنهكوا باستجواباتهم العقلانية الشبان الأربعة الذين اختارتهم السيدة ذات الملابس البيضاء . لكن النسيان طوى الأمر برمته بعد عدة أيام ، ولاذ العلماء والصحافة بتحليل واقع أكثر بساطة ؛ ووافق أكثرهم تفهما على أن الرؤيا قد تكون صحيحة ، ولكن حتى هؤلاء فضلوا نسيانها أمام استحالت تفسيرها .
أما أنا – وأنا مادي راسخ – فلا يراودني أي شك في أن ذلك الحادث ، ما هو إلا فصل آخر ، ومن أجمل الفصول ، في تاريخ تجسيد الشعر الغني . والعيب الوحيد الذي وجدته في القصة هو حدوثها ليلا ، بل وعند حد منتصف الليل ، مثلما يحدث في أسوأ أفلام الرعب . وباستثناء ذلك ، لاوجود لعنصر واحد فيها لا يتفق مع ميتافيزيقية الدروب ، تلك التي شعرنا بها جميعنا قريبة منا أثناء إحدى رحلاتنا ، لكننا نرفض الاستسلام أمام حقيقتها التي تبعث القشعريرة في الجسم . لقد انتهينا في القبول بأعجوبة السفن الشبحية التي تطوف جميع البحار باحثة عن هويتها الضائعة ، لكننا ما زلنا نرفض منح هذا الحق لأرواح كثيرة بائسة ومحزونة ، بقيت منثورة دون معنى على جوانب الدروب . ففي فرنسا وحدها ، سجل منذ بضع سنوات موت مائتي شخص أسبوعيا في أشد شهور الصيف جنونا ، وهكذا لا يمكن لنا أن نفاجأ بوقوع حدث مفهوم تماما ، مثل حادث السيدة ذات الملابس البيضاء ، الذي سيتكرر دون ريب حتى نهاية العصور . والعقلانيون الذين بلا قلب هم وحدهم من سيعجزون عن فهم ظروف تلك الأحداث .
لطالما فكرت ، أثناء رحلاتي الطويلة على دروب العالم الكثيرة ، إننا معظم بني البشر في هذه الأزمنة ، لسنا إلا ناجين من الموت عند أحد المنعطفات . وكل منعطف منها ما هو إلا تحد خاضع للحظ . ويكفي أن تصيب السيارة التي أمامنا أية محنة بعد المنعطف ، حتى تضيع منا وإلى الأبد فرصة رواية ما حدث . لقد أصدر الإنجليز ، في السنوات الأولى لاختراع السيارة ، قانونا خاصا – The Locomotive Act – يفرض بموجبه على كل سائق أن يرسل أمامه شخصا راجلا يحمل راية حمراء ويرن جرسا ، لكي يتاح للعابرين الوقت الكافي للابتعاد من أمام السيارة . وفي أحيان كثيرة ، وبينما أنا أضغط على دواسة البنزين لأغرق في أسرار أحد المنعطفات الغامضة ، كنت أتأسف في أعماق روحي لأن مرسوم الإنجليز الحكيم ذاك قد ألغي ، وقد أحسست بذلك على نحو خاص في إحدى المرات ، منذ خمسة عشر عاما ، أثناء رحلة كنت أقوم بها من برشلونة إلى بيربينيان ومعي مرثيدس والطفلان ، وكنت أسير بسرعة مائة كيلومتر في الساعة حين راودني فجأة إلهام لا تفسير له ، يدعوني إلى تخفيف السرعة قبل أن أصل إلى المنعطف . ومثلما يحدث دوما في مثل هذه الحالات ، فقد تجاوزتنا السيارات التي كانت وراءنا . لا يمكننا نسيان تلك السيارات أبدا : شاحنة صغيرة بيضاء ، وفوكس فاجن حمراء ، وفيات زرقاء . بل إنني ما زلت أذكر الشعر المجعد الأشقر للهولندية الأنيقة التي كانت تقود الشاحنة الصغيرة . وبعد أن تجاوزتنا تلك السيارات الثلاث في نظام كامل ، اختفت عن أعيننا في المنعطف ، لكننا ما لبثنا أن التقينا بها بعد لحظة ، وقد اختلطت ببعضها بعضا ، هي ركام من الخردة المدخنة ، مصطدمة بشاحنة ضخمة كانت قادمة من الاتجاه المعاكس . الناجي الوحيد في ذلك الحادث كان طفلا عمره ستة شهور ، وهو ابن الزوجين الهولنديين .
لقد عدت للمرور من ذلك المكان مرات كثيرة وفي كل مرة كنت أعود للتفكير في تلك المرأة الجميلة ، التي تحولت إلى كومة من اللحم الوردي في عرض الطريق . لقد كانت عارية تماما بفعل الصدمة ، وقد منح الموت رأسها الجميل الذي يشبه رأس امبراطور روماني ، مسحة من وقار . وليس مستغربا أن يلتقي بها أحد المسافرين يوما في مكان محنتها ، حية وتامة ، تشير له أن يتوقف مثلما أشارت سيدة مونبيلية ذات الثياب البيضاء ، ليخرجها أحد من سباتها للحظة ، ويمنحها الفرصة لتحذره بالصرخة التي لم يطلقها أحد لتحذيرها : " حذار ، هذا المنعطف خطير " .
ليست حكايات الدروب السرية أكثر شعبية من حكايات البحر ، لأنه ليس هناك من هم أكثر شرودا من السائقين الهواة . أما المحترفون – الذين هم أشبه بالبغالين القدماء – فهم مصدر لا ينضب للحكايات العجيبة . ففي استراحات الطرق العامة ، مثلما كان الأمر في محلات استبدال أحذية البهائم القديمة ، لا ينقطع السائقون المجربون ، الذين يبدون أنهم لا يؤمنون بشيء ، عن رواية الأحداث الماورائية لمهنتهم . وخصوصا ما يحدث منها في عز النهار ، بل وفي الدروب المطروقة أكثر من سواها . في صيف عام 1974 ، وفي ما أنا مسافر مع الشاعر الفارو موتيس وزوجته على الطريق ذاته الذي ظهرت عليه السيدة ذات الملابس البيضاء ، رأينا سيارة صغيرة تخرج من رتل السيارات الطويل المتوقف بسبب الازدحام ، وتتقدم نحونا من الاتجاه المعاكس بسرعة جنونية تمكنت من تفاديها بصعوبة شديدة ، لكن سيارتنا طارت في الفضاء ، وهوت في قاع الحفرة التي إلى جانب الطريق . وقد تمكن عدة شهود من تثبيت صورة السيارة الهاربة في مخيلتهم : كانت سيارة بيضاء اللون ، من طراز سكودا ، وقد سجل رقم لوحتها ثلاثة شهود مختلفين . قدمنا الشكوى المناسبة في مفوضية شرطة الس آن بروفانس ، وبعد بضعة شهور ثبت للشرطة الفرنسية دون مجال للشك ، أن سيارة السكودا البيضاء ، ذات اللوحة المذكورة ، موجودة بالفعل . ولكن ثبت لهم كذلك أنها كانت ساعة وقوع الحادث في أقصى فرنسا من الجهة الأخرى ، محفوظة في مرآب ، بينما كان صاحبها وسائقها الوحيد يحتضر في مستشفى قريب .
من هذه التجربة ، وغيرها كثير ، تعلمت أن أحترم الطرق العامة احتراما أقرب إلى الخشوع . ومع ذلك ، فإن أكثر الحوادث التي أذكرها إثارة للقلق هو ما حدث لي منذ سنوات طويلة ، في مركز مدينة مكسيكو . كنت قد انتظرت سيارة أجرة لمدة نصف ساعة تقريبا ، عند الساعة الثانية بعد الظهر ، وكنت على وشك التخلي عن الانتظار عندما رأيت سيارة تقترب ، وقد بدت لي للوهلة الأولى فارغة إلا من سائقها ، والعلامة التي تشير إلى ذلك كانت مرفوعة أيضا . ولكنها ما إن اقتربت بعض الشيء حتى رأيت ، دون أي ريب ، أن ثمة شخص يجلس إلى جوار السائق . وعندما توقفت السيارة ، دون أن أشير لها ، انتبهت إلى خطأي : لم يكن يوجد أي راكب إلى جانب السائق . وأثناء الطريق ، رويت له عن ذلك الخداع البصري ، فأصغى إلي بكل تلقائية ، ثم قال لي : " هذا يحدث على الدوام . في بعض الأحيان أقضي النهار كله في اللف والدوران ، دون أن يوقفني أحد ، لأن الجميع تقريبا يرون راكبا وهميا في المقعد الذي إلى جانبي " . وحين رويت هذه القصة لدون لويس بونويل ، بدت له طبيعية جدا مثلما بدت للسائق ، وقال لي " إنها بداية موفقة لفيلم سينمائي " .

غابرييل غارسيا ماركيز
قصص ضائعة





تحياتي ،،،
بلا قلم ،،،،