مذكرات طالبة ثانوية عامة
........ما بالك أيتها اللحظات؟
ولما أنتِ تحاربين شظايا طفولتي المتبقية بهكذا وحشية؟ أما علمتِ بأن لي قلباً يهواها؟ وروحاً تألفها؟ ربما أنتِ تستغربين هجومي الدفاعي هذا..ولكنني اليوم فارقت مدرستي فكيف تودين أن يكون حالي؟
المدرسة..لطالما ركنت ُ هذه الكلمة هوامش حياتي وأسكنتها سلة مهملات قلبي ولكنني اليوم أراني قد هممت أجمع أشلاء ذكراها المتناثرة هنا وهناك في أركان قلبي المكلوم..
اليوم وقبل أن أخرج من بوابتها للمرة الأخيرة بحقيبتي المثقلة بالكتب،،قبل أن أخرج جلت بنظري أتأمل تلك الجدران التي نقشتُ عليها يوماً أجمل أبيات الطفولة والصداقة على مدار اثنا عشر عاماً!
دخلت فصول المدرسة واحداً تلو الآخر وكأنني أردت توديع كل كرسي عتيق وكل طاولة..من كان يصدق بأنني يوماً سأودع طاولتي المليئة بالخربشات والكلمات العشوائية والكثير غيرها؟
رأيت السبورة وتذكرت كم من المرات تدافعتُ وزميلاتي لنخط عليها أجمل ألحان المرح والشقاوة
أما طاولة المعلمة فقد كانت قصة أخرى وحكايات نافست في الأثر حكايات ألف ليلة وليلة..لا أريد أن أصدق بأنني بعد اليوم لن أرفع اصبعي وأقول ( أنا استاذة)!
كل هذه الأفكار وأكثر تزاحمت في مخيلتي التي ضاقت ألماً وحزناً،،ارتميت على أحد الكراسي حين تذكرت أياماً خالية عانقتُ فيها هذا الجو النادر (جو المدرسة) بكيت فجأةً بكاءً حارًا وكأنه بكاء رضيعٍ انتشلوه من أحضان أمٍ رؤوم!
كيف بكيت؟ وعلامَ ؟ هل لأنني فارقت ملابسي الكحلية والبيضاء؟ هل لأنني لن أجري مع زميلاتي ولن أمرح كطالبة مدرسة بعد الآن؟هل لأنني لن أكون كما كنت لسنين طويلة؟
ربما!..وربما لأنني مهما حييت فلن أحيا هذه الأجواء مرةً أخرى
..فجأة وبينما كنت ابكي ابتسمت! فقد تذكرت كم من المرات أوقفتني معلمتي لأنني لم أكتب الدروس أو ربما لأنني استعرت كتاب زميلتي من الصف الآخر ذلك أنني لم أُحضر كتابي!
تذكرت كيف أنني تسربت ذات يوم من حصة اللغة الإنجليزية وكذلك من حصة الكيمياء،،تذكرت كيف تمردت على الكثير من الأشياء في ذلك الحرم المقدس!
ربما تلك أشياء يخجل المرء من ذكرها ولكن تذكرها أضفى قليلاً من النكهة على ذكرياتي الحلوة،
نظرت إلى ملابسي وتذكرت لباسي الأول حين دخلت المدرسة الابتدائية بضفيرتين وشرائط بيضاء عقدتهما بها!
أذكر كيف بكيت لدخولي المدرسة تماماً كما أبكي الآن لفراقها..كيف كنت أتففن في كتابة حروفي الكبيرة والقراءة بصوت عالٍ أمام الجميع..كيف كنت أسابق الجميع لأقف كأول طالبة من الصف في الطابور كل صباح،،كيف كنت أملأ حافظة أقلامي بجميع صنوف الأقلام لأبرهن للجميع انني طالبة رغم أنني لم أكن استخدم سوى قلم الرصاص..
ودخلت الاعدادية وسعادتي تغمرني لأن ملابسي اختلفت ولأنني صرت أكتب بقلم الحبر الأزرق..لأنني ،،فتاةٌ كبرت!!
ثم انضممت للثانوية وأصبحت أكبر..استطعت أن أوجه اهتماماتي وملكات ابداعي،،تغيرت نظرتي للصداقة،،لم أترك اللعب ولكنني تعقلت فيه،،أدركت قيمة الوقت وما معنى أن عليّ أن استفيد من كل لحظة ليتسنى للجميع أن يسمعوني أقول: أنا هنا!
الشيء المشترك بين كل المراحل الثلاث والذي لا زلت افتخر به هو تفوقي،،والحمدلله
خرجت من الفصل وتوجهت صوب رفيقات دربي أراهُنّ يتصافحن ويتعانقن بقلوبهن وعبراتهن قبل أياديهن وأجسادهن..الكل يبكي ويتمنى أن يتوقف الزمن لكي لا نفترق.. وادعتهن وكأنني أوادع روحي وبعدها جريت خارجةً من المدرسة يخنقني بكائي!
انتهى كل شيء ومنذ الآن لا مدرسة ولا طالبات ولا معلمات ولا حافلات ولا..ولا..ولا
مساء اليوم ستقيم المدرسة حفلة تخرجي..إلهي هون على ألم فرقا هذا المكان !
_------------------------
هكذا تشعر كل فتاة أنهت هذا العام آخر سنينها الدراسية.. عندما أنظر إليهن تشدني ابتسامتهن التي حاولن بها موارات عبرات ترقرقت على المقل! إنني أنظر إليهن وبي رغبة في البكاء كلما تذكرت أنني في العام القادم سأرتدي هذه الشجون..
لن أكتب المزيد رغم أنني أريد لأنني لا أود أن أعيش ألماً بقي عامٌ كامل عليه..ترى كيف سأشعر وهل سيتمكن شعوري من احتضان كل مدرستي بكل الذكريات والأفكار؟؟؟
""هكذا تشعر كل فتاة أنهت هذا العام آخر سنينها الدراسية.. ""
ربما يتوجب علي هنا أن أغير جملتي هذه بالذات!
لأنه ليس شعور كل فتاة أنهت سنينها المدرسية!
فها أنا ذا هذا العام وقفت وقفتهن ولكنني لم أستطع أن أشعر!!
لم أبكِ..ولم أحزن..ولم أرتبك..ولم أشأ حتى أن أتجول فيها أكثر من كل يوم ، لم أتقبل فكرة أنه يتوجب علي لملمة بعض البصمات العالقة على جدرانها..
لستُ سعيدةً جداً لأنني سأتركها..
مشيت فيها قليلاً ،غنيتُ لها علّني أتمكن من إلصاق بصماتي الصوتية بأحد جدرانها..
تأملت الفتيات في طابور الصباح جيداً جداً..كنت أعرف أنني لن أقف هكذا مجدداً،ولكنني ما حزنت!
أنشدت النشيد السلطاني بحماسٍ أخير..وعندما انتهيت تمنيت لو أنشدته مئات من المرات غيرها، ولكنها كانت المرة الأخيرة..
لا أذكر إن كنت حضرت إحدى الحصص يومها..أو ربما حصة واحدة فقط!
كنت يمزقني بعضي، جميع طاقتي وقوتي أهدرتها يومها في سبيل أن أشعر!
ومع هذا لم أفعل!!!
واقترب يومي الأخير من نهايته..
كل العيون استحالت سماوات يومها..هكذا شعرت!فالسماء صافية بيضاء أقرب للزرقاء في بداية اليوم..وفي نهايته وساعة الغروب..تبدأ خيوط حمراء صغيرة بالتغلغل في نسيج السماء..
نعم!هكذا استحالت عيونهن جميعا!..كلها احمرت في نهاية اليوم وطفقت تبكي ..
شعرت بالضيق!:الكل يشعر وأنا لا!!
الكل يدرك وأنا لا أفعل!! تباً!!
ما بالني لا أشعر؟لا أعي؟ما بالني أتلو على نفسي أنه اليوم الأخير فلا تنهار!!
ما بالهن جميعاً يتعانقن ويبكين! ما بالهن لم تخنهن حواسهن إلاي؟
تسمرت في مكاني..وبدأت أشعر أخيراً برغبةٍ في البكاء..
ولكن ليس لأنني انتصرت و أحسست!!كلا،ولكن أردت البكاء لأنني لم استطع البكاء معهن ولا الشعور مثلهن!!
ابتعدت بعيداً عن الجميع،لم أرد منهن الاقتراب..أحسستني وحشاً كبيراً..
فالوحوش وحدها لا تشعر كما علمتنا حكايات الأطفال!الوحوش وحدها قلبها لا يرق!!
لم أذهب لوداع أحد..جئن إلي ،،ودعنني..عانقنني،
وأنا في مكاني..جاثمة..واجمة..مشدوهة ومدهوشة..
قُرع الجرس الأخير..
غادرن تزفهن الدموع..مخلفات ورائهن فيضانات من البكاء اقتحمت المكان وهشمت كل شيء إلا إحساسي باللا إحساس!
أخذت حقيبتي..ومشيت خارجة..كنت لا أزال أغني..
ألقيت نظرةً أخيرة على طاولتي..وخربشاتي عليها تبكي!!
خرجت..
وانتهى اليوم الأخير..
لا أدري إن كان هذا يعني أنني متوحشة بلا مشاعر!!ولكنني حقاً لم أشعر!
ربما لأنني لا زلت أحيا الصدمة..ربما حين ستخبو فيني سأشعر.. سأتألم.. وسأبكي!!!
نعم،لابد لي أن أبكي..فمدرستي تعني لي الكثير..
وأعلم أنني أعني لها الكثير كذلك..فهي تحتفظ لي بالكثير من الذكريات والهلاوس تحت قشورها الملونة على جدرانها العتيقة تلك..
أحبك مدرستي!!جداً! جداً!
وسأبكي لأجلك يوماً..وسأرسل قلبي يومها ليعلمك بأنني بكيت لأنني أحبك ولأنني سأفتقدك كثيراً غاليتي!
آخر تحرير بواسطة بنت الغابة : 17/05/2004 الساعة 04:56 PM
|