اقتباس:
|
أرسل أصلا بواسطة العتبوب
تجربتي الشخصية..
يقولون: الانسان مدني بالطبع.. وكذلك كنت، وبلغتنا الشائعة كنت اجتماعيا إلى حدود واسعة، في سنوات محدودة كانت لي معارف من عشرات البلدان (داخل عمان)، أجزم بأنهم جاوزوا المئات، زرت كثيرا منهم، يبدو أني كنت أترك في نفوسهم انطباعا جيدا، فكثير جدا من هؤلاء ظل يتواصل ويرسل الرسائل البريدية، قبل أن يصبح لدينا هاتف في منزلنا، لا زلت أحتفظ بكثير من هذه الرسائل، بعضها من أصدقاء سافروا خارج الدولة وظلوا يرسلون الرسائل من هناك.. قبل أن تفتح خدمة الأنترنت وقبل خدمة الهاتف الجوال..
لكن رغم كل ذلك كانت لدي صفة شخصية: أحب أن تكون لي خصوصيتي، لا يعجبني الصديق الذي يحاول أن يقلب صفحات حياتك كالكتاب المفتوح، والذي يريد أن يفرض نفسه عليك لينزل عليك في أي لحظة كما شاء.. ووجدت أن كثيرا من الناس كذلك، فابتعدت شيئا فشيئا عن هذه الأكثرية، بقيت في حدود معينة، وبمرور الأيام تنكشف بعض الوجوه، من تظنهم أصدقاء اختصصتهم يكشفون عن ضمائر أعوذ بالله منها، فأترك تلك الفئة وتضيق دائرة من أخالط ومن أصاحب، وشيئا فشيئا أجد أن الصداقة لا ينبغي أن نفهمها على أنها استئثار بوقت الصديق وخصوصياته، فكما أحب أن يترك الناس لي فسحتي في الخصوصية أحب أن أفعل الشيء ذاته معهم، حتى صفوة الأصدقاء أخالطهم بقدر معقول..
وهكذا .. أكون على تواصل معقول، لكن أكثره ابتعاد عن كثرة المخالطة.. واعتزال لا يحول دون مشاركة الناس عندما تدعو الضرورة لذلك، وعندما يكون هناك داع..
لقد انغرست في نفسي حقائق، كنت أحسبها من الحكم التي تنشد المثالية، وتنادي بالمدينة الفاضلة، لكن الأيام تكشف أنها حكم كانت عصارةً للتجارب..
فمن قال: (كثرة الاختلاط مظنة كثرة الاختلاف) فقد صدق..
ومن قال :
وخلطة الناس إن تعدم فضائلها * لا خير فيها فكن في البعد معتزلا هذا قد عصر الأيام هو الآخر..
ومن قال: (ادفن وجودك في أرض الخمول، فما نبت مما لم يدفن لا يتم نتاجه) هو مستحق لما قيل فيه: لو صحت الصلاة بشيء من كلام الناس لصحت بحكم ابن عطاء..
لكن كان ينبغي أن أعي في العزلة شيئا: أن الناس لا يدعونك، ولقد وجدت الحكماء قالوها:
ولست بناج من مقالة طاعن * ولو كنت في غار على جبل وعر
ومن ذا الذي ينجو من الناس سالما * ولو عاش عنهم بين خافيتي نسرِ وهذا ابن الوردي يقول:
ليس يخلو المرء من ضد ولو * حاول العزلة في رأس جبلْ
فخير الهدي إذا: (سددوا وقاربوا)..
..
|
بصراحة قصة وكلام جميل أكثر من رائع
وأعجبتني هذه العبارة "كثرة الاختلاط مظنة كثرة الاختلاف"