عرض المشاركة وحيدة
  #12  
قديم 30/10/2006, 03:36 PM
الرستمي الرستمي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 20/09/2005
المشاركات: 644
اقتباس:
ذهبت المدرسة السنية إلى أن جميع الصحابة عدول في حين خالف الشيعة هذا القول وكفرت كثيرا من الصحابة الكرام وكانت المدرسة الإباضية وسطا بين ذلك أن الصحابة رضي الله عنهم لا يشك أحد في سيرتهم وأنهم هم الرعيل الأول الذي ضحى من أجل الدين ورفع رايته غير أننا أمام أدلة تثبت وقوع البعض منهم في المحضور الذي يرفع هذه العدالة عنهم وقد ورد ذلك عن طريق الآيات وبعض الأحاديث الدالة على ذلك وملخص هذا الباب كما قال زكريا المحرمي :

1-أن تعريف الصحابي بأنه كل من رأى النبي عليه السلام وهو مسلم يتعارض مع القول بعدالة جميع الصحابة .

2-ثبت بما يدع مجالا للشك أن هناك مجموعة من المسلمين الذين رأوا النبي عليه السلام قد وصفهم الله تعالى بأنهم منافقون .

3-أن الأدلة التي سيقت في الحكم بعدالة جميع الصحابة هي أدلة عامة ثبت بالكتاب ما يخصصها .

4-أن دواعي العقل تقطع بجواز وجود صحابة ساقطي العدالة دون أن يؤثر ذلك على الشريعة ونقل القرآن الكريم .

يقول المحرمي (( والخلاف حول عدالة الصحابة أدى إلى اختلاف المدارس الإسلامية حول منهج التعامل مع الأخبار المروية عن النبي عليه السلام . حيث ذهب أهل الحديث إلى اعتبار خبر الآحاد نظيرا للسنة النبوية ، بينما ذهب الإباضية والمالكية والأحناف ووافقهم الرازي من الشافعية إلى أن خبر الآحاد ليس بالضرورة نظيرا للسنة ، فقد كان مالك بن أنس يقول : " يقدم القياس على خبر الواحد في العمل به " والحنفية كذلك يقدمون الرأي على أخبار الآحادالتي يرويها الصحابة الذين لم يعرف عنهمة الفقه كأبي هريرة ، أو الصحابة الذين لم يعرفوا بطول الصحبة كوابصة بن معبد وسلمة المحيق ومعقل بن سنان الأشجعي ))

لقد كان للأحداث السياسية التي مرت بها الأمة الإسلامية بعد مقتل الخليفة الثالث عثمان بن عفان وانقسام الأمة إلى شيعة علي وشيعة معاوية أثره البالغ في تفشي الوضع في الحديث للانتصار على الآخر عن طريق التنصيص على أحقية مذهب كل طرف وبطلان مذهب الآخر ، ومن أوائل الأشياء التي طرقها الوضع في الحديث هو فضائل الأشخاص ، حيث وضع كل طرف أحاديث كثيرة في فضائل قادتهم ، أو تم توظيف أقوال معينة للنبي عليه السلام لخدمة هذا الغرض ، ومن الأشياء التي ظهرت نتيجة مباشرة للحرب الكلامية بين الفرق المتنافسة التنبؤات بالأحداث المستقبلية ، حيث تنسب تلك الروايات للنبي عليه السلام التنبؤ بمقتل عثمان وعلي وغيرهم بالإضافة إلى التنبؤ بظهور الفتن وظهور الخوارج وغيرها من التنبؤات !

إلا أن الأمر الذي غفل عنه هؤلاء في خضم التنصيص السياسي انتصارا لمذهبهم المتناحرة أن القواعد الكلية للشريعة الإسلامية تتعارض مع الزعم بمعرفة النبي عليه السلام بالأحداث المستقبلية ، وتتجلى هذه القواعد من خلال استقراء النصوص القطعية للكتاب العزيز والسنة المتفق عليها ، وهذه القواعد هي :

أولاً : أن علم الغيب خاص بالله تعالى

1- يقول الله تعالى ( وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين )

2- يقول الله تعالى ( ويقولون لولا أنزل عليه آية من ربه فقل إنما الغيب لله فانتظروا إني معكم من المنتظرين )

3- يقول تعالى ( قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون )

4- يقول تعالى ( إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير )

ثانيا : النبي محمد عليه السلام لا يعلم الغيب .

1- يقول الله تعالى ( قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلى قل هل يستوى الأعمى والبصير أفلا تتفكرون )

2- يقول تعالى ( ولا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول إني ملك ولا أقول للذين تزدري أعينكم لن يؤتيهم الله خيرا الله أعلم بما في أنفسهم إني إذا لمن الظالمين )

3- يقول تعالى ( قل لا أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسنىَ السؤء إن أنا إلا نذير وبشير لقوم يؤمنون )

4- يقول الله تعالى ( قل ما كنت بدعا من الرسل وما أدرى ما يُفعل بي ولا بكم إن اتبع إلا ما يوحى إلي وما أنا إلا نذير مبين )


فالواجب على الأمة أن تقرأ مرويات الإنباء بالأحداث المستقبلية من خلال هذه القواعد ، فعلم " ما سيكون " هو علم خاص بالله تعالى والنبي محمد عليه السلام لا يعلم عن أنباء المستقبل شيئا أبدا . ولا يعني ذلك أن النبي عليه السلام لا ينبأ ببعض أنواع الغيب ، ذلك أن الغيب تدخل فيه دوائر كثيرة : فصفات الله تعالى والملائكة والجن والبعث والمعاد والقرآن الكريم كل واحدة من هذه الأمور تشكل دائرة من دوائر الغيب ، وقد أطلع الله عز وجل على نبيه محمدا على بعض تلك الدوائر ، والدليل على ذلك قوله تعالى ( مَّا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىَ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللّهَ يَجْتَبِي مِن رُّسُلِهِ مَن يَشَاءُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ وَإِن تُؤْمِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَلَكُمْ أَجْرٌ عَظِيمٌ ) وقوله (عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَداً {26} إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّه يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَداً لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُلوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدا ) فهذه الآيات تؤكد على إطلاع الله عز وجل ، ويؤكد الله تعالى هذا المعنى بقوله ( لِيَعْلَمَ أَن قَدْ أَبْلَغُوا رِسَالَاتِ رَبِّهِمْ ) ، ولا يجوز أن يخلط المرء بين هذه الدوائر الغيبية المتعلقة بالرسالة ، وبين دائرة علم أحداث المستقبل " علم ما سيكون " التي جزم الله عز وجل أنه لا يشاركه فيها أحد .

كما يتوجب علينا أن نفرق بين الأنباء بأحداث الغيب وبين استقراء الواقع وتخمين النتائج كما هو الحال مع التحليل السياسي والاقتصادي والعسكري والاجتماعي الذي يقوم به الخبراء الآن ، ويدخل في هذا الاستقراء للواقع قول النبي عليه السلام " ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة كلهن إلة النار ما خلا واحدة ناجية ، وكلهم يدعي تلك الواحدة " فافتراق الأمم وانقسامها هو سنة كونية وقعت لجميع الأمم السابقة ، والأمة الإسلامية في ذلك العهد كانت تحوي في نسيجها الاجتماعي الكثير من التناقضات وعوامل الافتراق ، فهناك المؤمنون المخلصون ، وهناك المنافقون المتربصون (وَمِمَّنْ حَوْلَكُم مِّنَ الأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُواْ عَلَى النِّفَاقِ لاَ تَعْلَمُهُم نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ سَنُعَذِّبُهُم مَّرَّتَيْنِ ثُمَّ يُرَدُّونَ إِلَى عَذَاب عَظِيمٍ ) وهناك الأعداء الخارجيون المتوثبون ( لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُواْ الْيَهُودَ
وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ ) وهناك التنوع العرقي والقبلي والثقافي (وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنفَقْتَ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مَّا أَلَّفَتْ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَـكِنَّ اللّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ) وقد كانت هذه القراءة الواقعية من النبي عليه السلام صائبة تماما ، فلا يمكننا إنكار حقيقة تفرق الأمة وتشعبها إلى فرق كثيرة . أما قضية العدد " ثلاث وسبعين " التي جاءت في الرواية فهي ليست حرفية وإنما تدخل في باب المبالغة المعروفة عند العرب كما في قوله تعالى ( اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لاَ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِن تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ )

وحقيقة عدم معرفة النبي عليه السلام بأحداث المستقبل يؤكده استقراء سيرة النبي صلى الله عليه وسلم ، فقد روى البخاري عن أم العلاء امرأة من الأنصار ، بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبرته أنه اقتسم المهاجرون قرعة ، قال : فطار عثمان بن مظعون وأنزلنا في أبياتنا ، فوجع وجعه الذي توفى فيه ، فلما توفي غسل وكفن في أثوابه ، دخل رسول الله قالت : فقلت : رحمة الله عليك يا أبا السائب فشهادتي عليك ، لقد أكرمك الله . فقال رسول الله : وما يدريك أن الله أكرمه ؟ فقلت : بأبي أنت يا رسول الله ، فمن يكرمه الله ؟ فقال عليه السلام : أما هو فقد جاءه اليقين ، والله إني لأرجو له الخير ، والله ما أدري وأنا رسول الله ما يفعل بي . فقالت : فالله لا أزكي أحدا بعده أبدا . وفي وراية أخرى أن النبي عليه السلام قال لها : " أما عثمان فقد جاءه اليقين والله اليقين ، وإني لأرجو له الخير ، والله ما أدرى وأنا رسول الله ما يفعل به ولا بكم وكلام النبي عليه السلام هو بيان وتفسير لقوله تعالى (قُلْ مَا كُنتُ بِدْعاً مِّنْ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ )

ويؤكد هذا المعنى ما روي عن السيدة عائشة أم المؤمنين أنها قالت : أين أنت من ثلاث من حدثكهن قد كذب ؟ من حدثك أن محمدا قد رأى ربه فقد كذب ثم قرأت (لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) ( وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْياً أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولاً فَيُوحِيَ بِإِذْنِهِ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ ) ومن حدثك أنه يعلم ما في غد فقد كذب ، ثم قرأت (وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَداً )
وفي رواية أنها قالت :" من زعم أن محمدا يعلم ما في غد فقد أعظم على الفرية لأن الله يقول ( قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ ) ويؤكده كذلك قول الله تعالى ( وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثاً فَلَمَّا نَبَّأَتْ بِهِ وَأَظْهَرَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَأَعْرَضَ عَن بَعْضٍ فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَتْ مَنْ أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ ) الذي يؤكد على أن النبي عليه السلام لم يكن يعلم أزواجه اللاتي أسر إليهن الحديث سيفشين سره ، فلعدم معرفته بالغيب " ما سيكون " أسر إليهن الحديث ، فاكتشف بعد ذلك أنهن أفشين السر .


الخلاصة :

1- المرويات التي تتنبأ بحدوث وقائع بذاتها كموت شخص أو مقتله أو تسلط آخر أو تغير حالة الحكم من خلافة عادلة إلى ملك عضوض لا يمكن قبولها وفق المنهج القرآني الحكيم .

2- المرويات التي تستقرئ المستقبل وتعطي نتائجها وفق قراءتها للأحداث الراهنة فهي لا تتعارض والقواعد القرآنية الكلية ، ولهذا يمكن قبولها إذا لم يكن بها علة في متونها وأسانيدها .


(( بعد هذا التطواف المثير في خضم الصراع المسلح الذي عانت الأمة ويلاته بسبب الخلافات السياسية بين الصحابة، اكتشفنا بما لا يدع مجال للشك أننا لا نستطيع أن نتهم روح الإسلام في نفوس الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين قال الله تعالى فيهم {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}التوبة: 110. وتوصلنا كذلك إلى أن الفتنة التي انجرف فيها الكثير من الصحابة كانت وراءها أيدي مروان بن الحكم وغيره ممن غير وجهة الخلافة الإسلامية من العدل والشورى إلى الجور والوراثة العمودية الكسروية. ومن خلال استكشافنا لمواقف المدارس الإسلامية المعاصرة من تلك الأحداث تبين لنا وجود بعض نقاط التقارب وبعض نقاط الخلاف بين تلك المدارس، فالجميع متفقون على عدالة الصحابة في العموم مع اختلاف في التفاصيل، فمدارس أهل السنة متفقة على عدالة جميع الصحابة، إلا أنها في الوقت نفسه تطعن في عدالة الصحابة الذين ثاروا ضد عثمان والذين خرجوا على علي بن أبي طالب، وأهل الحديث تميزوا بطعنهم في علي بن أبي طالب حتى وقت أحمد بن حنبل، والمدارس العلوية تميزت بالانقسام حول هذه القضية، فالزيدية والتيار العلوي من الشيعة الإمامية يظهر قدراً لا بأس به من الاحترام والتقدير لجمهور الصحابة، بينما ينفرد التيار الباطني بتكفير جمهور الصحابة، الأمر الذي أدى بهذا التيار إلى الاعتقاد بتحريف القرآن الكريم، أما المدرسة الإباضية فقد تميزت بوجود ثلاثة تيارات، الأول وهو تيار أئمة الإباضية الفقهاء المؤسسين وهو يتبنى الإمساك عن الخوض في تلك الفتن، والتيار الثالث يمثله القادة العسكريون وهو تيار يتبرأ من عثمان وعلي، والتيار الأخير أعلن ولايته لعثمان وعلي.
وهذه النتيجة تشير إلى وجود نقاط التقاء كثيرة بين المدارس الإسلامية حول مسألة الصحابة، ومن المؤكد أن المجال يتسع لتقارب أكثر في وجهات النظر إذا ما تبنت المدارس الإسلامية بعض القواعد والملاحظات:
أولاً: وسطية النظرة إلى الصحابة، بعيداً عن الغلو في التقديس كما هو الحال عند أهل الحديث بحيث يشعر الدارس لأحداث الصحابة وكأنه تعدى خطوط الشرع الحمراء وأنه قد هوى في النار، وبعيداً عن الغلو في التحقير كما هو الحال عند التيار المغالي لدى الشيعة الذي كفّر جمهور الصحابة، هذه الوسطية تسمح للباحث التعرّف على الأخطاء ونقاط القوة والضعف في مواقف الأشخاص، ثم الاستفادة منها فقهياً وفكرياً.
ثانياً: يجب أن يدرك الباحث أنه يخوض في أحداث تاريخية، والتاريخ غيب، ولا يمكن أن نجزم بثبوت الحوادث التاريخية إذا لم تتوفر شروط التواتر، فتبني المواقف مع أو ضد طرف ما لا يخلو من المجازفة.
ثالثاً: المسلم غير مكلف شرعاً بالبحث والتنقيب عن حالة كل شخصية تاريخية لولايتها أو البراءة منها، وإنما يكفيه في ذلك اعتقاد ولاية جميع المؤمنين من الأولين والآخرين والبراءة من جميع الظالمين من الأولين والآخرين.
رابعاً: على الجميع أن يدرك أن جميع الصحابة والتابعين الذين خاضوا في تلك الفتن إنما هم سلف لنا، فيجب على الجميع محاولة احترام ذلك السلف تقديراً لجهوده في حفظ الدين، فالطعن في أي طرف هو طعن في السلف شئنا أم أبينا.
خامساً: يجب دراسة تلك الأحداث وفق منهج كلي شمولي يجعل مرجعيته الحقائق المتفق عليها، وأن يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن المرويات غير المسندة أو الروايات الضعيفة السند.
سادساً: محاولة التخلص من ظاهرة انشطار المنهج والتطبيق، فبعض المنتسبين لمدارس أهل السنة والجماعة تبنوا عدالة جميع الصحابة، إلا أنهم في الوقت نفسه تمارس أقصى أنواع الثلب والتنقيص من الصحابة الذين ثاروا على عثمان والذين خرجوا عن علي بن أبي طالب


-------

الصراع الأبدي ـ قراءة في جدليات الصراع السياسي ** للدكتور زكريا بن خليفة المحرمي

موقف الإباضية من الصحابة الكرام (علي وعثمان) وهو موقف ذو ثلاث رؤى

آخر تحرير بواسطة الرستمي : 30/10/2006 الساعة 03:43 PM