|
ظاهرة غير عادية .......................... أمجد عرار
عندما تحدّث الأمين العام لحزب الله السيد حسن نصرالله في كلمته التي ألقاها بعد صدور قرار مجلس الأمن ،1701 وتعهد خلالها بتعويض النازحين المدمرة بيوتهم، حضرت لذاكرتي كلمات أنشدها مارسيل خليفة ذات يوم في منتصف السبعينات في رائعته “جبل الباروك”.. “أرض الخسارة يا لبنان هل رجل يعيد للناس بعد اليوم ما خسروا”. مفهوم الخسارة هنا لا علاقة له بسوق التجارة ومعايير الربح والخسارة، فأرض لبنان لا تعرف خاسرين بل دافعي ضريبة الذود عن شرف الوطن والأمة. ولأن صاحب الشأن أقدر على توصيف حالته، فإن هؤلاء الذين نزحوا وعادوا ليجدوا بيوتهم ركاماً، هم “الناطق الوحيد” باسم أوضاعهم، وليس من يجلس في برج عاجي ويقبل أن يكون صدى لمن لا يريد خيراً لا للبنان ولا للعرب. فدافعو ضريبة الشرف قالوا بالفم الملآن وبابتسامات مفعمة بالثقة والرضى “كل هذا الدمار لا يعني شيئاً.. المهم أننا انتصرنا”. قالوا ذلك بقلوبهم قبل ألسنتهم، وهم يتذكرون كيف أن سيد المقاومة قدَّم نجله إلى مقدمة الصفوف شهيداً يوم لم يكن ازدحام على بوابة الشهادة، وأن نجل نائبه أصيب في الحرب التي يعيش اللبنانيون والأمة طعم انتصارها الآن. من يستطيع إذاً أن يزرع التشكيك ويتاجر بألم اللبنانيين، من دون أن يحصد الخيبة؟
لم يكن بوسعنا سوى أن نتوقع وفاء السيد حسن نصرالله بوعده بمساعدة المتضررين، لكن رائد المفاجآت قدّم نوعا آخر من المفاجأة حين دعا فاقدي المنازل إلى عدم التوجه إلى أي مكان وعدم الوقوف في طوابير الانتظار، لأن رجال المقاومة سيصلون إليهم حيث هم، وسيلبون حاجتهم. أي انبثاق لشعاع الإنسانية النبيلة هذا؟ خلية نحل تعمل ليلاً ونهاراً لتواصل مشوار الانتصار في معركة البناء أيضاً. كل شيء بدا غير عادي، حزب، قيادة، مقاومة، وشعب مقاومة.. كلها غير عادية، وإلا لما تمكن بلد صغير من صناعة هذا المجد الكبير.
إذن، جاء “رجل يعيد للناس ما خسروا”، رجل يطل من كتب التاريخ يقرأ نص ارتفاع الرأس في زمن الطأطأة، وسيرة الانتصارات بعد سلسلة هزائم. ولأنه كذلك تنصبّ حمم الغيظ عليه على ألسنة أعدائه الذين ذاقوا طعم التمرغ في وحل الهزيمة، بعدما كانوا يخيفون المرتجفين أصلا بأسطورة “الجيش الذي لا يقهر”. يعلنون أنهم سيستهدفون حسن نصرالله. أية سذاجة هذه حين يريدون لنا أن نصدق أن هذا الاستهداف جديد؟ كأنهم لم يفكروا به قبل هذه الحرب، وكأنهم لم يغتالوا عباس الموسوي قبل أربعة عشر عاماً. ويكررون أسطوانة الإرهاب على التردد ذاته الذي تبثه حليفتهم أمريكا ومن هم تحت إبطها.
الأمل ألا يبقى بيننا كعرب من تعميه مصالحه الخاصة عن الحقيقة، وأن يدرك أن حماية ظاهرة كهذه توازي حاجة الحريص على بصره لبؤبؤ العين.
المصدر : جريدة الخليج الإماراتية
|