عرض المشاركة وحيدة
  #23  
قديم 18/07/2006, 12:09 PM
ظبية ظبية غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 28/08/2002
المشاركات: 365
Post

بعد رواية "بنات الرياض" التي أثارت اهتمام النقاد والأدباء في السعودية ودول عربية أخرى ، تطل علينا رواية أخرى وهي «الآخرون» للكاتبة السعودية الشابة "صبا الحرز". في هذه الرواية يبرز السرد الفضائحي يستشكف الخفي والمجهول. وصبا الحرز اسم مستعار وقناع لروائية في العشرين من عمرها، كما أفادت دار الساقي، ناشرة الرواية.

وفي عرض مقتضب في صحيفة "الحياة" اللندنية أن البطلة والتي يمكن وصفها بـ «الراوية» أو «الساردة» تتحكم بالأحداث والوقائع والشخصيات، وتنطلق من تجربتها الذاتية، هي المصابة بمرض «الصرع» أو «النقطة»، والتي تعرضت لـ «إغتصاب» مثلي على يد صديقتها ضيّ. لكن «الفريسة» أو الضحية تعجز عن التكيّف مع واقعها الجديد على رغم مضيها في اللعبة واستسلامها لها. فهي تظل في حال من الاضطراب والخوف والقلق، تبكي وتندم وتصف نفسها بالمسخ: «كنت بنتاً فصرت مسخاً». وتشعر أحياناً بقذارتها التي لا يغسلها الماء والصابون، كما تعبّر.

تنطلق وقائع الرواية من احدى بيئات القطيف في السعودية وتتوزّع بين كلية البنات و"الحسينية" والمنازل والمزرعة. الشخصيات الرئيسة فتيات بل طالبات في مقتبل العشرين وأكثر قليلاً، حياتهن في غرفهن المنزلية تختلف عن حياتهن المعلنة أو العائلية والجامعية.

وتقول "الحياة" إن هذه الرواية مأسوية، لا تعرف السخرية إلا قليلاً، وترسم معالم حياة سوداء تقوم على هامش الحياة نفسها. وإن بدا حضور الرجل طفيفاً فيها ومقتصراً على اسمين فإن حسن، شقيق الراوية، يحضر بشدة عبر غيابه، فطيفه لا يغادر مخيلة الشقيقة المريضة ولا ذاكرتها، على رغم مضيّ سنوات على موته.
http://www.alarabiya.net/Articles/2006/07/14/25711.htm


وأجمل ما قرأت عن هذه الرواية المقال ادناه :

الآخرون ... جسد أيدلوجي





الجسد واقعة ثقافية. أرض وعرة يتواجه على أديمها المقدّس والمدّنس. هذا ما يكشف عنه حدث القراءة، على اعتبار أنها شكل من أشكال الفهم، أو هذا ما تريد الكاتبة المتقنعة باسم صبا الحرز التأكيد عليه في روايتها " الآخرون " على لسان ساردة مشطورة بسبب عشقها المثلي إلى اثنتين، جسد يباهي " جداً بحلواه " وذات " نزاعة للتطهر من آثامها " حيث تعتمده - اي الجسد - كمجس داخلي لاكتشاف الذات والآخر، أو هكذا تستدعيه بتطرف موضوعي، في محاولة للتماس بدلالاته المتعددة، وذلك من خلال فتاة مأزومة بجسد محقون بالرغبات، تعتقده معتلاً من الوجهة الحسية، وتعيش معه وبه علاقة فاسدة، ولذلك تحاول اختباره على حافة الآخر الأنثوي، بعد أن تعبت من الإقامة فيه، أو هذا ما يفصح عنه لا وعي النص وسوسيولوجيا مضامينه أيضا.



ولأن " الآخرون " رواية شديدة التماس بمستوجبات الأزمنة الحديثة، تم إنهاض الشفرات الثقافية للجسد، كمعادل للحداثة الإجتماعية، أو هكذا رسمت الراوية فضاءاتها المادية والروحية، واستزرعتها بحزمة من القيم المضادة، هاجسها افتضاض المخبوء، والتفكيك القصدي للمقدس، وتبديد وهم الطهورية الإجتماعية، عبر سرد تشريحي ناقد لمجتمع شمولي منغلق ( شيعي ) لا يقر الفن، ولا تعددية المنابر، بقدر ما يبالغ في تعقيم الفرد وبرمجته داخل غيتو ثقافي شديد الصرامة، وذلك من خلال ثيمة الشذوذ، كعلاج أكيد بالصدمة، أي إصابة مجتمعها بوخزة حادة وعميقة، على اعتبار أن المثلية هنا قيمة مركبة، تم توظيفها للتأكيد على وجود ذات إشكالية مقموعة، مقاومة للثابت والتابو الإجتماعي، أو ابرازها في قالب روائي بحثاً عن قيم جديدة، بمعنى أن روايتها جاءت بمثابة علامة إضافية لصعود النزعة الفردانية.



الحب قيمة جمالية واجتماعية صادمة، تتصعد من الوجهة الأخلاقية حين تقرن بالجسد. وعندما تقرر صبا الحرز استثمارها كعلاقة محرّمة في قالب روائي بين امرأتين، فإنها تجازف من الوجهة الموضوعية بإعلان فضيحة مضاعفة، ترتكز على التجابه السافر مع منظومة قيمية شديدة التكتم والمراوغة، أو هكذا تستهل روايتها بصدمة مركبة من الأخلاقي والاجتماعي والنفسي، تقوم على علاقات مثلية، فيما يبدو اغواء للقارئ بالضلع الأكثر حساسية في ثالوث ( الجنس - السياسة - الدين ) وكأنها تؤكد على الخلطة التقليدية لروايات الإثارة، وإن كانت أقل استثماراً للسياسي، وأكثر خطابية ومباشرة حين يتعلق الأمر بالديني، حيث الإزدراء المفتعل للقيم الدينية، خصوصا في تماسها الجنسي بالآخر المذهبي ( عمر ) بجوار الحرم المكي تحديدا، لتصعيد حس الإثارة، واستفزاز المتلقي بمفارقات مدروسة ومبيتة ذهنيا. أما ثيمة الجسد وما يتداعي عنه من حسية، فتمارس فيه شيئا من التبديد الفائض، والمجاني أحيانا، لتضعنا من جديد أمام قصة قصيرة أخرى، تبالغ أحيانا في نفخها بالكلام الإخباري والإفهامي لتكون رواية.



القيمة المهيمنة في الرواية إذا، هي تلك العلاقة التي تفصح عن رغبة جسدية صارخة تلقي بالبطلة في أحضان متوالية طويلة من النساء تبلغ أوجها الحسي مع مرض اسمه ( ضي ) صديقتها التي وصفتها بمعجزتها الخاصة، فهي الوحيدة التي اخترقت قانونها الخاص وأبت المغادرة، حتى قاموس الراوية ولغتها لا تتمادى جماليا إلا حين التماس بضي، بما هي الوعاء الحسي والنفسي والذهني للبطلة، أو ما يمكن اعتبارها " الخلية المفسرة " ليس لحميمية الأحاسيس وحسب، ولكن لحسية الصياغات اللغوية، التي تحيل إلى واقعية على درجة من الصدقية والرهافة، وهنا مكمن الصدمة الجمالية، حيث يتم التقليل من شأن التخييل لصالح الواقع كمرجعية معاشة، وتنعدم فرص التجريد والترميز.



هكذا تمارس ضرباتها التكرارية على جاذبية التماس الجسدي مع بقية السلالة الأنثوية للتأكيد على ثيمة الشذوذ، أو تعميقه كنسق في الرواية، إلا أن دفء الأحاسيس، وصراحة الوقائع لا ترقى بالسرد إلى بؤرة التوتر الدرامي إلا بظهور ضي. وربما لهذا السبب أيضا أرادت التأكيد على ما تستبطنه البطلة من ميل عاطفي لآخر ذكوري، وكأنها كشخصية محورية، معوّقة هي الأخرى بحس تعقيمي دفين، يمنع الراوية في المقام الأول من الذهاب بشخصياتها إلى هفوات تراجيدية قاتلة بالمعنى الأرسطي، لتبقى النزوات الصغيرة حدها الأقصى لإنفلات انفعالي أو وقتي يسمح للذات بالعودة إلى الأصل الغريزي.



من ذات المنطلق النزوي تمارس التباوح الاستكشافي العابر مع ( ريان ) أو ما تسميه حكايتها ذات الفصل الواحد، لتنتهي عند ( عمر ) بما هو جسد أيدلوجي، وبلقطة ختامية أرادتها مصلاً عاطفيا ضد الموت، وتصالحاً تصفيحياً مع الآخر بكل تداعياته الجنسانية والعاطفية وحتى المذهبية " لن تموت! لا أحبّ الذين يموتون! قل إنك لا تموت " وكأن تلك الذات قد أرهقت بجسدها الأحادي، المحبوسة فيه، فأرادت الإرتحال إلى جسد ووعي وانفعال مغاير لإعادة تعريف ذاتها، رغم ترديدها الدائم بأنها لا تنتظر أحداً.



حتى الحديث عن الشائه من العلاقات يستلزم كتابة على درجة من النبالة، وهذا ما حاولته صبا الحرز عندما قاربت أصدقاء أحست بهم ينسلون من بين أصابعها مثل الماء، فهؤلاء هم " الآخرون " الذين لوحت لهم بجسدها وشاركتهم بعضه، فكانوا جحيمها كما قدمت للرواية بمقولة سارتر، ومن خلال عنوانها الحامل لدلالة " الآخرية ". سندس التي أغرتها بالإنضمام إلى " الأخوات " في العمل التطوعي، واستكتبتها في مجلة صحوية بمشاركة عقيل. هداية التي فرضت عليها الوصاية الفكرية، فكانت علامة من علامات ميكروفيزيائية السلطة. بلقيس، ابنة الجيران التي تكبرها بعشرة أعوام، التي علمتها الرياضيات وأبجديات الجسد، فأهدتها أول قبلة فموية، لتكون تمثالها الأنثوي، الذي نقلها من خانة المتفرج إلى خانة الفاعل.



الفنانة دارين أيضا، عشيقة ناديا، مرآتها التي كانت تشبهها لدرجة تبدو معها كأنها الصورة الأقل نضجا معها، وقد تمنت أن تنرسم على جسدها دون عوازل، كما اشتهت فيها رجلا يأتي من المجهول، وبالمقابل اشتهت دارين أن تكونه- أي ذلك الرجل المنتظر، حتى حسن، الذي كان ينفخ فيها لتزهو بنفسها، لم تكن غيبوبة موته إلا تصعيداً مضاداً واستفزازيا لنشوة الجسد المسجى في الرغبة، فكانت تتغلب على الرعب المتأتي من فكرة غيابه بالكتابة، مصرة على عدم تصديق حقيقة جسده البارد " مرعوبة من فكرة أن يعود على شكل بَرَد أو نورس أبيض فلا يجد فيّ غير بنتٍ تلاشى جلّ ما فيها بغيابه ". فقد كان رحيله، بتعبيرها، سقف الألم الذي يتساوى تحته كلّ شيء.



ولأن هذه الذات كما صممتها صبا الحرز، لا تمتلك سوى الجسد وعاءً للتواصل مع العالم، تم حقنه بجرعات ثقافية، بايراد ألفاظ أجنبية كثيفة كمعادل لوعي واهتمامات الشخصيات، أو لتحديد منسوب تراتبيتهم الإجتماعية، فيما بدى حالة من الاستظهار المباشر للواقع، أو محاولة للتثاقف المصطنع أحيانا، الذي يعكس آثار الديمقراطية المجانية في تغريب الذات موضوعيا، وتعويمها على سطح النص فنياً، رغم وجود المبررات الكفيلة بتسليط الضوء على شريحة اجتماعية مستمدة مواصفاتها من الطبقة الوسطى، كما بدى ذلك من خلال عرض مكثف لقائمة طويلة من الأفلام، حيث تم توظيف بعض عباراتها بكفاءة، من خلال التأكيد على رهافة التحامها العضوي بالنص، فيما كانت بعض الحوارات والعناوين مسقطة بشكل قسري لتعزيم الشخصية/الجسد بطابع ثقافي مدّبر، لدرجة أن الحوار كان يتم في الغالب بين أبطال الأفلام، وليس بين شخصيات الرواية.



ويبدو أنها أقدر على إنطاق شخصياتها من خلال تخاطبهم بالحواس، حيث بلاغة التراسل الإشاري عوضا عن الكلام، حين تستشعر عري جسد ( ضي ) مثلا، وثقل ضلوعها فوقها، وحين تتأمل الشعرات القليلة المبعثرة حول حاجبيها، وتدوخ بسبابتها العابثة في فمها، فيما يبدو ادراكاً، غريزيا لا غرائزيا، للمسافة المتوجب رسمها بين الايروتيكي والبورنوغرافي. وقد عبرت عن ذلك الوعي بلغة تشير إلى ارتفاع منسوب المكوّن الحسي في الشخصيات، حين تدخل في نوبة من السرد الوصفي أشبه بالآهات، وكأنها أرادت " الآخرون " نصاً مكتوبا بالحواس، لينبض بالحياة " الغريب، أني لا أفتقد فعلنا الجسديّ...ولا أشعر بأن جسدي تواقٌ لما كان. ما أفتقده على وجه الخصوص تلك الأشياء الصغيرة. التفاصيل التي لا تلفتُ في اشتباك الصورة وفوضويتها. أصابعي على غمازتي خديها.... حزنها، وجهها المتكدر حين تحزن. افتقدنا نائمتين، أنا على ظهري وهي على بطنها، كل منا تنظر للأخرى، والعالم مختفٍ وفارغ إلا منا، أفتقد صوتها، أفتقد أكثر بحة صوتها في أول الصحو....أفتقد عبثها بكُم قميصي وهي تثرثر، أفتقد سبابتها في فمي ".



كل ذلك الترغيب الحسي يؤكد على أن قارئ صبا الحرز الضمني ذكر في المقام الأول. أما نصها فأنثى ممدة باغواء أما عين الرجل البصاصة، أو هكذا أرادته خطاباً للمرأة مع يقينها بأن الرجل يسترق السمع، وهو الذي أملى عليها هذا التمادي في الرهان على موضعة كل الأحداث السياسية والاجتماعية كخلفية للعلاقات المسكوت عنها بين النساء، وهو توظيف فطن لتعرية الواقع، وكشف المستور من العناوين البطرياركية المضللة، لقلب معادلة الحضور الإنساني، بحيث يكون الوعي هو ما يحدد شكل وجود الذات وليس الوجود الإجتماعي هو ما يفرض شكل وعيها، وهذا هو التحدي الذي عاندت به الحتمية الإجتماعية بهوية سردية مضادة، أرادت به إخراج المرأة من سجن المحرّم الثقافي، وتحريريها من سطوة نظام البطرياركية الرمزي، من خلال امرأة لا تبدو محجوبة، ولا متأولة بل صريحة وملموسة بدرجة صادمة.



بالمضمر من الحكايا جاهرت صبا الحرز، وصار الشفاهي مدوناً، أو مسروداً بالمعنى النقدي، ولكن هذا التوظيف الصادم كان بحاجة إلى تأوين أكثر فطنة للشخصية، إذ لا يكفي موضعة البطلة المرذولة في حيز طهوري، شديد الوقار كالحسينيات مثلا، أو المبالغة في توصيف ممارساتها الجنسية على مقربة من الحرم المكي، لتصعيد المفارقات، ولا الإتكاء على طغيان المكوّن الحسي عند البطلة، حتى ارتداد الراوية داخل اللحظة التاريخية، واندساسها بين طيات النسيج الاجتماعي، لم يكن أكثر من تماس أفقي بعناوين إشكالية. أما عملها التطوعي فلم يتجذر كدلالة على ذات معذّبة بهبائية معنى الحياة، والبحث عن هذا المعنى من خلال التنكيل الواعي واللاواعي بالجسد، وهو الأمر الذي جعل من الفائض الجنسي في الرواية أحيانا مجرد قشرة ترغيبية، يتم تكديسها بغرض الإثارة، لا الحضور أو العمل كمركب بنيوي داخل السرد.



هكذا حاولت العودة ببطلتها إلى الطفولة للبحث عن سر هوسها بالمثلية، فثمة خللل متجذر، بتعبيرها " لا أراه ويرينه اللاتي يرغبن علاقات مثل هذه ". ومن ذات المنزع السيكولوجي أرادت أن تفهم وتمفهم المبرر الذي يجعلها تعيش الوضع نفسه بشكل متعاقب، لتفسير التشوه في الشخصية التي لم تكن تدرك إبان طفولتها الفرق بين الجنسين، ثم خوفها الواضح من الجنس الآخر، كما تعبر عنه بجسد لا يريد أن يكبر، وبجملة ذات دلالة " كنتُ أنفر من رائحة البالغين " فيما يبدو محاولة للقبض على الحدث الإنساني خارج حيلة السرد.



كل ذلك الارتباك في استيعاب الجسد المجنّس، دعاها للإرتماء في الحضن المثلي دفاعا عن الذات، والإنسلاخ عن السياق الاجتماعي ولو بشكل ضمني، كما بدا واضحا من الخداع الذي كانت تمارسه البطلة مع والدتها، وفي أروقة الحسينيات، والجامعة، انتقاما ربما للدمية الصغيرة التي كانت تهرسها بلقيس تحت جسدها، وتنكيلا بذاكرة لا زالت تحتفظ بطزاجة الحدث، إذ لم يعد بمقدورها أن تتلاعب بجسدها، فاستعاضت عن ذلك باستيهامات التلاعب بصورتها.



هذا التداعي الكتابي كمعادل للعرض المرضي هو الذي أنتج شخصية كثيفة من الوجهة السيكولوجية، مركبة إلى حد ما، نتيجة الازدواجية الأخلاقية الاجتماعية، المفروضة عليها من أنساق عليا، خفية وظاهرة، حيث المبالغة في ازدراء العرف الاجتماعي، والدخول في نوبات مرضية عندما يتعلق الأمر بالمعتقدات، التي تمس جسداً صار بأكمله خطيئة، بتعبير الراوية، التي تتمتم بارتباك "وكم كان أثمي مهولاً مقابل سطوة تراكم أخلاقي، يضع في قوانينه الأولى جسدي كحدّ لتقييمي " وكأن هذه الشخصية لا تستطيع بلوغ مراميها المتطرفة رغم أنها شخصية محورية، ورغم تأكيد الراوية على افتتان شخصيتها بالجسد البشري، الذي جعلت منه مركز وعيها وجنونها، وبما هو مكان لاختبار معتقداتها الثقافية.



وإذا ما تم تجاوز الملاحظات الشكلية التي تستعرضها الراوية كمرغبات، وتأمل التوصيفات الحسية الكثيفة الصريح منها والمستبطن، يمكن الانتباه إلى كائنات مسربلة في أقنعة، مستنقعة في اضطرابات شعورية حادة، فهي عادية في مظهرها، مفصومة في جوهرها، إذ تعيش بسلوكين متناقضين، أحدهما للداخل السري، وآخر للخارج العلني الممالئ، أو هذه هي الصفات الطباعية كما أرادت صبا الحرز تصعيد مفارقاتها لرسم معالم شخصيات إنسانية مشحونة بكثافة حسيتها، وبحوافز وعيها الشقي بذاتها، إذ لا تمتلك تلك الشخصيات من صمامات الأمان العاطفي ما يوازي فوراناتها الشبقية، ولا تسعفها الوصايا إلا بمزيد من الإنفصام، لأن الشخصية المحورية كما استقرأت ركائزها النفسية، لا تقارب الآخر الأنثوي تحت وطأة نوبات نزوية، بل كفعل أو طبع متأصل في الذات.



الآخرون، رواية أرادت أن تقول الكثير بالتعويل على أثر الصدمة، وليس من خلال الانحياز إلى الفعل الروائي. وهي محاولة ذات أرادت أن تنروي، وتسجيل انطباعها الشخصي بما يشبه الوثيقة، لتنحاز قدر الإمكان عن سطوة وانغلاق الكلياني، إلى وساعات الفردي والذاتي والنزوي، أي تجسيد حالة انكشاف الفرد أمام تهاوي مركبات الفئوية والطائفية والأيدلوجية، ولكنها انعطفت لتصف مجتمعاً رافلاً في المفارقات، نتيجة عدم تجذر الوعي بمفهوم " الآخرية " - ربما - كما تبدى من مزاعم العنوان . لم تخن مشروع الرواية، ولكنها كادت أن تتحول إلى خطاب، إذ انكتبت وفق جاهزية الوعي الروائي العربي حين يقارب المحرمات،حيث تعطل المخيال ولم تتعدد البناءات الدلالية للجسد كما أرادت الرواية، وهكذا صارت الراوية كانت ضحية، فيما يبدو، لخديعة الصريح والفاضح من معالم اللحظة، فقد اهتدت بالفعل لما ينبغي كتابته على وجه التحديد، لكنها لم تعرف ما يتوجب محوه.

الرابط
http://www.m-alabbas.com/index.php?show=articals&id=117

وهنا حوار مع الكاتبة ... قبل نشر الرواية ..

المؤلفة صبا الحرز : الكتابة على الإنترنت جعلتني لا أهجس بالتابوهات أو يؤرقني اختراقها
حاورها الاستاذ ميرزا الخويلدي

قريبا رواية جديدة ينتظر أن تثير جدلا حادا

حاورها الاستاذ ميرزا الخويلدي

من المتوقع، أن تثير الرواية الجديدة التي ستصدر الشهر المقبل، تحت عنوان «الآخرون» باسم كاتبة سعودية شابة ، هي صبا الحرز، ضجة في الأوساط الأدبية والاجتماعية ـ تقترب من تلك التي أحدثتها رواية «بنات الرياض» لرجاء الصانع .

كما ينتظر أن تثير الرواية جدلاً حاداً حين تتلاقفها الأيدي، فهي تتسم بجرأة زائدة عن الحد في تحشيد المزاوجة بين الموروثات والانحرافات. والرواية من مشهدها الأول حتى الأخير، عبارة عن مشاهد لحالات من علاقات شاذة كانت الجامع المشترك لجميع الأسماء التي وردت داخلها، وتوظيف متعسف لقيم البيئة والتراث، ومحاولة فجة لاقتحام صارخ لتابو المحرمات.

تجتاح الرواية فوضى عارمة، وبدون وعي يجرى توظيف العنصر الجنسي، بجرأة مفتعلة يحولها الى حفلة للنزوات.

وسيتعين على الأسماء التي مهرت نفسها فوق غلاف الرواية، صراحة أو خفية وتنكراً، أن تجيب عن نوبات الاحتجاج التي من المنتظر أن تصاحب هذا العمل الأدبي. الرواية من اصدارات «دار الساقي»، وتأتي في ظل تزايد الروايات النسائية السعودية، وما يستثيره بعضها من تحريك للمياه الراكدة، وتحويل السرد إلى متنفس للعديد من الفتيات، بعيداً عن سطوة الرجل. تعرّف صبا الحرز بنفسها، على انها كاتبة سعودية شابة، ولدت في القطيف عام 1980، ودأبت على الكتابة في الإنترنت منذ عام 2001، ولكنها اقتحمت عالم الروايات الأدبية، فكانت «الآخرون» عملها الأول، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: لستُ معنية أبداً بهاجس كتابة رواية، أردتُ فقط أن أجرب نوعاً كتابياً، أختبر فيه نفسي، صابت، ام خابت.

تقييم ذلك يعد امراً تالياً للمحاولة، لا أتوقف عندها كثيراً. وتضيف : كتبتُ الرواية بنيّة أن تكون خاصّة، من دون الانشغال بنشرها... لفرط ما سمعتُ عن صعوبات النشر وتكاليفه لاحقاً، باعتباري فردا افتراضيا على أيّة حال كنتُ قد قررت نشرها إلكترونياً. وأخيراً، عبر سعي صديق أوصلها إلى «دار الساقي» تكفلت الدار بنشرها.




« الآخرون » هل هي تعبير عن غربة داخل المحيط، أم هي خيار انعزالي لتمييز الذات ؟

ـ الآخرون حالة ، حالة طويلة من الاستجابة للأذى والعزلة كخيار وحيد والصراخ في الجدران، لتكون أقل سماكة وأكثر شفافيّة لنكون مرئيين على الجانب الآخر منها، وأن يعبر لنا أشخاص من الخارج طالما أننا لا نملك هذه القدرة على الخروج، أشخاص لن نتجادل مطولاً بشأن أحقيتهم بالثقة، ولن نعاود رفع الجدران تحرزاً لذهابهم.

هذه الرواية السعودية الثانية في أقل من عام التي تلتهب بالصراع الاجتماعي، حيث أصبحت قضية المرأة «ثيمة» أصيلة للعديد من الروايات التي تكتبها الأنثى، هل يعد ذلك جزءا من النضال للتحرر، أم تنفيس لاحتقان روحي ونفسي عبر الكتابة؟

ـ أعتقد أننا أفرطنا في توصيف الروايات بكونها تدور حول قضايا المرأة، للحدّ الذي صار توصيفاً صالحاً لأيّ رواية مكتوبة من قبل امرأة، تدور أحداثها حول مجموعة نسوة. الرواية تناولت العديد من المواضيع: الاستغلال، العنف، الحياة المزدوجة، الحبّ في حالاته الأقرب للمرضيّة والأخرى غير المقبولة، الخوف، الضغط الاجتماعي لتشكيل صورة مثاليّة ومتشابهة لأفراده، فقد الذات... إلخ؛ وهذه جميعها ليست حكراً على المرأة دون الرجل. لا تحكي الرواية عن نساء بكّاءات ورجال ظالمين، حتّى إنه بالكاد يوجد رجل فاعل ومتحرك بشكل رئيسي في الرواية. هناك منطقة واسعة وخصبة من الإنسانية لنقف عليها جميعاً، ولا أفهم سبباً يدعونا للتحيز في منطقتين متقابلتين.

باعتبار أن روايتك تدور داخل بيئة المجتمع القطيفي الذي ترعرعت فيه، إلى أي حد استفدت من الثقافة المحلية في انضاج الأحداث الداخلية للرواية؟
ـ بالقدر الذي كانت فيه القطيف حاضرة ضمن الرواية؛ بالقدر نفسه كانت مغبشة وغير حقيقية. كان خياري: توسيع حالة الرواية وأن تكون قابلة للتطابق مع أماكن أخرى؛ تأكيداً على أن المنطق البشريّ والاجتماعي وإفرازاته تتشابه. أنا ابنة هذا المكان، عشتُ حياتي كلّها هُنا، من الطبيعي إذاً أن تحضر الثقافة التي كوّنتني في أعمالي؛ لكن أيضاً، أنا كاتبة «نِتّيّة»، والإنترنت اشتغل بشكل ملموس على تذويب بعض خواصنا المحليّة، وجعلنا أبناء للفضاء نفسه، تلاشى فينا لحدّ ما هذا الحسّ الطاغي بحضور المكان.

كيف تفسرين الجرأة في تناول انشغالات فتاة مراهقة تعيش في بيئة محافظة، تتعرض للاستغلال من معلمتها ؟
ـ الجرأة مطلب كتابيّ؛ أيّاً كان ما تريد كتابته يجب أن تكون حقيقيّاً وصادقاً. بالنسبة لبلقيس فهي لم تكن معلمة مُجازة في سلك التدريس، بل طالبة جامعيّة تزيد من معدل دخلها بالتعليم اليوميّ. والتعليم في ذاته مجرد وظيفة، لا مرادفاً لقيم الفضيلة والشرف.

خياري كان فقط لتأطير العلاقة بشكل اجتماعي مقبول، يبرر إغلاق الأبواب واللقاء اليوميّ بالساعات من دون مساءلة، كما أنه تأكيد على حقيقة الإحصائيات التي تقول إن أكبر عدد من الأطفال الذين يتم استغلالهم يتعرضون لذلك على أيدي أشخاص مقربين ومحل ثقة.

هل تعمدت الإثارة ؟
ـ أعتقد أن الإجابة عن مثل هذا السؤال بلا أو نعم ، لن تفضي لنتيجة ما هو حقّ القارئ، كلّ قارئ، أن ينتهي إلى إجابته الخاصّة.

أين هو موقع «عمر» في الرواية ؟ لقد دخل الرواية وخرج من دون أن يؤثر وجوده في منظومة الأحداث التي تدور داخلها وتؤثر على شخصيات الرواية؟ ألا ترين أن «عمر» ليس شاباً عادياً يعشق ويمشي.. إنه عنوان لتكسير ايقونات النسق النمطية (التي تحبس الناس داخل تابوهات)؟
ـ ليس كل اختلاف بالضرورة موقف؛ ولا كلّ اختلاف قادر على الفعل. غالباً ما نكون متوحدين في اختلافنا ولا فاعلين، ولا يكون اختلافنا متعمداً أو مقصوداً. لا يوجد في الرواية تاريخ، أيّ تاريخ، عن عمر يُحدد لماذا هو هكذا أو كيف؟ ربما لم تؤثر فيه الأنماط المُعتادة التي أثرت في الجميع، وبالتالي هو لا يجد في الخروج عليها أيّ شيء مهم أو لافت. ولا تنسَ الشخصية الرئيسة أيضاً باعتبارها مِثل «عمر» متصالحة مع كونه آخر مختلفاً؛ إلا إذا شئنا نفي حقيقة انه حتّى منّا نحن الذين عرضة لعدم القبول ثمّة من يعانون من تعصب شبيه إزاء الآخر.

ألا تخشين، وبسبب كونك روائية جديدة في المشهد الثقافي المحلي أن يأتي من يقول إنك مجرد واجهة لرجل يتخفى وراءك؟
ـ أحيلك لإجابتي عن سؤال المنع. ما سيُقال سيُقال؛ فلماذا أخشاه؟ ومهما قيل، لو قيل: أنا أعرفُ الحقيقة، وهذا كافٍ تماماً.

ألا ترين أن الرواية تؤسس لعالم طوباوي يتعامل مع حالات الفرز الاجتماعي بصورة رومانسية؟
ـ «الآخرون» تقوم على تقصّي الأثر، لا على تحليل المؤثر؛ الأثر باعتباره مجموعة من الانفعالات والعواطف وردود الفعل، التي قد لا تتساوى بالضرورة مع قوة المؤثر وقسوته. ثمّ إنّ الشخصية الرئيسة في الرواية والتي يُقال كلّ شيء بلسانها ومنطقها هي بنت في أول العشرينات، بدايات ما قبل اكتمال النضج وآخر تشبث بالعالم الطفولي حيث كل شيء يجب أن يكون في أحسن حالاته وعلى خير ما يرام. هي أيضاً وأغلب شخوص الرواية تقريباً من جيل 1980، الجيل الذي عاش كل نتاج أحداث تلك المرحلة والتغييرات العجولة اللاحقة من دون أن يمتلك معرفة كافية تتيح له فهم ما يختبره.

كيف كتبت الرواية، متى، وما الذي دفعك، وكيف تبلورت الفكرة، ومن كان له الفضل في تشجيعك؟
ـ تشكلت فكرة الرواية بدايات عام 2004. بالطبع، كنتُ أستصعب الخوض في كتابة طويلة وشاقة، أنا طارئة المزاج؛ تضافر الأمر مع صعوبة بعض مواضيع الرواية وحساسيتها، وهذا تحد آخر. قرأتُ الكثير، سمعت الكثير أيضاً.. في محاولة لخلق أكبر قدر من الفهم. وحين اكتملت الرغبة، كتبت نواة الرواية بشكل مختصر، وشرعتُ بوضع مخطط أوليّ: الشخوص، الفترة الزمنية، التفاصيل العامة، تقسيمها، الحيز المُتاح لكلّ شخصية... أمور كهذه. حشدتُ أكبر قدر من التفاصيل والخيوط الصغيرة المتشابكة وبدأت الكتابة في حالة كتمان، ليس لشيء غير أن الحديث عما أكتبه أو أنوي كتابته يفسد دائماً مشاريعي.

بمن تأثرتِ في الرواية؟
ـ لا يمكنني الإشارة إلى جهة محددة، هي حصيلة واسعة جداً تخرج حتى عن أغلفة الكتب إلى مجموع الأشخاص والمواقف والظروف التي اختبرتها أو لمستها من بعيد. في الجانب الكتابي: هو كل ما قرأته وحتى ما قرأتُ عنه، مذوبٌ في بعضه ومتداخل بطريقة يصعب معها تعيين الواضح من أثره.

انفتاحك على تكوينات المشهد الثقافي المحليّ ؟
ـ للحقّ، أنا لا أستوعب تعبيرات كهذه، ولا أعرف ما الداخل فيها وما الخارج عنها، لأتحدث عن انفتاحي عليها من عدمه. لا تديرني الأسماء ولا ألتفتُ مطولاً لأيّ ضجيج، لا أعرف شيئاً عن الأندية الأدبيّة ولا أتتبع ملاحق الثقافة في الصحف، ليست لي دراية بمقومات التواجد في هذا المشهد ولا مقولاته ولا دوائره اتسعت أم ضاقت. ربما هو خيار أن أكتفي بالبقاء خارج كلّ شيء، الفُرجة ليست بالأمر السيئ وإنما مسافة للرؤية.


الرابط :
http://www.aqlaam.net/index.php?act=news&sec=1&id=1149110686

آخر تحرير بواسطة ظبية : 18/07/2006 الساعة 01:04 PM