عرض المشاركة وحيدة
  #17  
قديم 25/05/2006, 07:21 AM
ابن اليماني ابن اليماني غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 06/05/2006
المشاركات: 481
الإخوة الكرام

في فلك الموضوع تدور مقالة (علم الحديث جزء من التاريخ) وهي تُجيب على تساؤل الأخ محمد الأول ، وطلب الأخ الصقر الذهبي:
التاريخ هو علم ماضي الإنســان، وأحســـن ما اطلعتُ عليه في حقيقته قول (لين وايت)[الابن]:"إنّ الماضي غير حاضر، إنّه تفكيرُنا الحاضر فيما مضى، وإنه يتغير بسرعة لا يُصدِّقُها العقل هي سُرعة تغير تفكيرنا".
وأعلى درجات اليقين التي يستحصلها العقل تلك التي يتلقى معلوماته عنها عبر أكثر من حاسة، ولذلك فالتجربة الشخصية المعاشة هي التي تشكل مطلقات وقناعات الإنسان.
ولا تشك البشرية اليوم إلا أنصاف المثقفين والبدائيين أن (العين) أوثق من (الأذن)، في الأمور التي هي في مجال الإبصار.
ولما كان بيننا وبين اشخاص التاريخ(الذين ظهروا في التاريخ ) كالنبي عليه الصلاة والسلام وأصحابه الكرام، وكالخلفاء والحكام من أبناء أمية والعباس وغيرهم،(بيننا وبينهم)حاجز زماني
كان لا بدّ لعقولنا تلقي المعلومات عنهم عبر (الأذن).ليس بأصواتهم هم كما ينقل الراديو الذي تخطى لنا الحاجز المكاني بل بتحديث قرن لقرن ، كل إنسان يصف لنا بعبارته الخاصة (حسب ذاكرته)ما سمعه من الشخصية التاريخية، ولم يكن قرن النبي يسمح بتدوين أقواله لضعف الخط وشحة وسائل التدوين وأيضاً لأن ظهوره في عصر ما قبل التصنيع يجعل استحالة حفظ الكتب حتى لو دونت. لأن جو الجزيرة العربية رطب لا يمكن معه طول عمر الكتب.
ولكن قد فعلت الأمة ما بوسعها أن تدون مما رواه الرواة من أحداث حياة النبي وأقواله ووصف صحابته لأفعاله مما سمي بـ"السنة" أو علم الحديث.
وهو علم كان حتى نهاية القرن الثالث للهجرة يتصف بعلمية كبيرة لأنّ المحدثين كانوا على درجة عالية من التيقظ ومن ارتباط الرواية بالشخص وليس بالكتاب. فقد روى الخطيب في الكفاية أن العلماء الكبار كمالك بن أنس قال أحدهم له:رجل يحدثنا من كتابه ولم يبت كتابه معه فقال أخشى أن يكونوا أفسدوه عليه بالليل!!!، وقال مالك: لقد رأيت سبعين عند هذه الأساطين(عمد المسجد) كلهم يقول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أخذت عنهم شيئاً، وكلهم لو اؤتمن على بيت مال لكان أميناً غير أنهم لم يكونوا من أهل هذا الشأن.
ومن يقرأ كتاب الكفاية في علم الرواية للخطيب يدرك أنّ العلم كان متجسدا في العلماء وكانت الكتب مجرد مساعد للذاكرة لا أنها هي الأساس كما صارت فيما بعد.
ومع عظمة علم الحديث في عصر التدوين إلا أن ذاكرة العلماء والرواة كانت خاضعة لقوانين الذاكرة البشرية ، مما لم تكن قد نُقِدت أو اكتشفت كثير من قوانينها حتى عهد قريب.
وتوجد قاعدة غريبة عندنا وإن أصبحت من مسلمات علم التاريخ هي أن العين حكم على الأذن.
فكل رواية ترويها الأذن إنما ساهم الخيال في صنعها فالأذن لا ترى فكيف نصدقها إذا روت شيئا خارج اختصاصها؟
وهكذا لن يكون علم الحديث المعاصر الذي تسعى بعض دوائر الأمة بدافع من تديُّن وحب للرسول عليه الصلاة والسلام الى إحيائه، لن يكون علماً إلا إذا استفاد من قوانين الفكر العلمي وعلم التاريخ بمعناه الواسع، وما الرواية الا مورد من موارد المؤرخ. وهل علم الحديث أكثر من رواية ونقد للرواة؟
يجب إيقاف كثير من الهراء عند حده. طلاب كليات الشريعة في الدكتوراه ومشرفوهم يتلاعبون بالعلم ويفترون على الله الكذب وهم يعلمون أو لا يعلمون.ولكن:إن الذين يفترون على الله الكذب لا يُفلِحون.