سلامٌ عليكم و رحمة الله و بركاته
هــــــــــــــدوء
إخوتي الأكارم
إن الله عزوجل خلق الإنسان في أحسن تقويم، خلقه روح و قلب، سمعاً و بصر. لذلك لا تجادلوا في أفضلية المبصر أو السامِع.
أخي الكريم طارح الموضوع..
لقد طرحت نقاطاً عديدة و متشعبة لها أهمية كبيرة. أتفق معك و أختلف و هذه سنة الحياة.
النقطة الأولى: إن الحواس ما هي إلا قنواتٌ عصبية تقود المعلومات إلى الدماغ (حقيقة علمية)، حتى قال بعض علماء التشريح إن العقل يبصر و يسمع لا العين و الأذن.
أخي الكريم إن الحضارة و باختلاف صُناعها تُـبْقي و رائها قسمين من التراث:
1. المادي: و هو جملة الاختراعات و الابتكارات و الاكتشافات التي تبدعها كل أمَّـة و ترثها بعدها الأمم اللاحقة.
2. الفكري: و يقاس بتعدد ألوان فنونها و علومها الإنسانية و فلاسفتها و شعرائها و بتطبيق القيم الإنسانية من عدل و مساواة.
إن قسنا الحضارات بالمقياس المادي فمُحالاً ستكون الأمة اللاحقة أكثر تمدناً و تطوراً من الأمة السابقة، و لكن علماء الاجتماع يقيسونها بِكلا المقياسين.
إذاً العدسة و التلسكوب و أدوات التصوير المكتشفة حديثاً عززت الجانب النظري عند الحضارة الغربية، و هذا صحيح، و لكن الغرب أتى بقوانين الانعكاس و الرؤية من إبن الهيثم(الغرفة المظلمة) و البيروني و غيرهم من علماء المسلمين و الذين طوروها بدورهم عن علماء الهند و اليونان مثل بطليموس و أرخميدس و ابقراط و غيرهم.
أخي الكريم إن علماء الحضارة الإسلامية غربلوا التراث الهندي و اليوناني( الذي أتى عبر الأذن)، و هم أيضا اكتشفوا قبل جاليلي أن الأرض ليست مسطحة و أنها ليست مركز الكون (كروية و تتحرك حول محور) مستخدمين في ذلك حاسة البصر بعد أن فعَّلوا عقولهم . ذاكرتي تقودني إلى ابن خلدون في المقدمة و هو يثبت أن الأرض كروية و قبله بعض علماء المسلمين الذين تخونني ذاكرتي في ذكرهم لك هنا.
أخي أذكر هنا أنَّ البيروني المسلم أَوجد لنا الكثافة النوعية للمادة و بدقة تصلُ للفاصلة العشرية الأولى مستخدما عقله و بصره قبل الغرب بمئات السنين.
و بما أنك ذكرتَ الجراثيم أقول لك بأن ابن سينا افترض جدلاً أن من مسببات المرض أجساماً غير مرئية و قد وافقه على ذلك بعض علماء المسلمين و لا ننسى أن ابن سينا عاش في القرن الرابع للهجرة و مات و هو في الأربعينات من العمر.
ملحوظة: يوجد تمثالٌ كبير لابن سينا في أحد الجامعات الفرنسية تخليداً لذكراه.
إخوتي إن الحجة تكمن في العقل البشري لا في الحواس التي كنتم تتجادلون حولها. دعونا نطرح هنا مثالاً آخر. هل ذَكَرَ أحدٌ منكم المعري الفيلسوف الشاعر الأعمى الذي كانت المعرة به قبلةً لطلاب العلم الفلسفي و الشرعي أيضاً.
إخوتي لقد محَّص العلماء المسلمين المرويات اليونانية و عدلوا فيها و ابتعدوا عن بعض ما فيها. اذكر هنا ابن رشد الذي كان سبب نهضة أوروبا الحديثة. كانت السلطات البابوية في آخر العصور الوسطى تحرق كتب ابن رشد ، لأنها تصيب قرائها (بمس الشياطين). كتبه و شروحه للتراث اليوناني خلقت النويَّات الأولى لعصر النهضة في أوروبا مع أن الكتب اليونانية كانت متوفره في أوروبا.
المشكلة التي نعيشها الآن ترجع إلى عصور الظلام الاسلامية و تمتد منذ بداية النهضة الأوروبية، لقد جُمِّـد الفقه عندنا و خَمَد النفس العلمي فلم نسمع عن ابن سينا أو الخوارزمي أو الكندي في العصور المتأخرة. ظهرت موجة كبيرة من الفقهاء و المحدثين الذي جمدوا الحياة العقلية لعامة المسلمين و أحالوهم إلى حراس قبور. لا يفوتني أن أذكر هنا أن طلاب الكيمياء كانوا يطاردونَ في بغداد و القاهرة في عصور الظلام الاسلامية و كانت كتبهم (تحرق) لأنهم طلاب سحر و كتبهم كانت دروس سحر.
نحن نستند إلى الأخبار المتواترة (القرآن و صحيح السنة) و منهما نطلق العنان لعقلنا و مختلف حواسنا.
ملاحظة مهمة: الغرب استطاع أن يبطل الكثير من النظريات الطبيعية لكن التراث الذي خلفه فلاسفة الاسلام في مجال ما وراء الطبيعة لم و لن يستطيع العلم أن يحرك فيه مقدار حجر.
لو قرأ الأخوة بعض كتب إبن سينا في الإلهيات لأدركتم عظمة هذا الإنسان و لسوف تحكمون هل رأى و نظر أم أنه سمع فقط؟
ادعوكم لأن تقرأوا في تاريخكم و في تراثكم قبل أن تطلقوا الأحكام جزافاً.
تحية كبيرة لطارح الموضوع.
أخوكم الدوتشي