|
يقول المحرمي (( لقد عثرنا من خلال استقرائنا للتراث الإباضي وجود فئة من علماء الإباضية تبرأت من بعض الصحابة الداخلين في الفتنة، إلا أن موقفها كان بعيداً عن الهبوط إلى درك السباب والشتائم ))
ويتبع بعد ذلك بالشخصيات التي أعلنت البرأة من عثمان وعلي وأول شخصية هي كما يقول المؤلف
(( وأول هؤلاء المتبرئين هو عبد الله بن إباض الذي ينسب إليه الإباضية، فقد أوردت المصادر الإباضية رسالة موجهة من عبد الله بن إباض إلى عبد الملك بن مروان وسبب الرسالة كما يتضح من سياقها أنها كتبت بطلب مباشر من عبد الملك بن مروان لمعرفة أسباب مفارقة المنشقين السياسين (الخوارج) عن سياسة الدولة الأموية التي نصّبت نفسها المدافع عن عثمان بن عفان، وأسباب سخط هؤلاء على سياسة عثمان. حيث جاء في الرسالة: "وسأكتب إليك في الذي كتبت به وأخبرك من خبر عثمان والذي طعنا عليه فيه وأبين شأنه والذي أتى عثمان") ثم أخذ في ذكر أحداث عثمان التي قيل أنها كانت من أسباب الثورة ضده، ولم تختلف تلك الأحداث المنسوبة إلى عثمان عما قررته كتب التاريخ المختلفة إلا زيادة عدد الذين نفاهم عثمان من المدينة، وهم كما جاء في الرسالة كعب بن أبي الحلمة، وأبو الرحل الوجاج.
ولكي ندرك مضامين هذه الرسالة علينا أن نستحضر حقيقة أن المبلور الفكري للمدرسة الإباضية هو جابر بن زيد الأزدي، وأن عبدالله بن إباض كان الأبرز ظهوراً سياسياً، وكأي مدرسة فكرية ناشئة لابد أن تمر هذه المدرسة بمراحل عديدة من النضج الفكري والسياسي تتصارع خلالها الرؤى والاجتهادات حتى تصل إلى رسم المنهج المتفق عليه ليكون الأساس الذي تنبني عليه الممارسات الفكرية باسم هذه المدرسة، نفس الأمر عاشته المدرسة الإباضية، فعبدالله بن إباض هو قائد سياسي وعسكري له أتباعه وقواته التي شاركت في ثورة عبدالله بن الزبير، ولم يكن ابن إباض ممارساً للتنظير الفقهي الذي أوكلت مهمته إلى جابر بن زيد، فلهذا فمن غير المستبعد أن تتباين رؤى الاثنين نظراً لاختلاف البنية الفكرية التي ينطلق منها كل واحد منهما، فبينما يمارس جابر بن زيد التنظير الفقهي المبني على القواعد والأدلة الشرعية، ينطلق ابن إباض في رؤيته من واقعه السياسي والعسكري، فعبدالله بن إباض يخوض جدلاً سياسياً صاخباً مليء بدموية الصدامات المسلحة المتكررة من النهروان وحتى ثورة عبدالله بن الزبير. خاصه وأنه يتعرض لاستفزاز سياسي من عبدالملك بن مروان المعروف ببطشه وطغيانه. ومن الواضح جداً أن موقف عبدالله بن إباض من عثمان بن عفان في جوهره هو موقف من الدولة الأموية التي استمدت مشروعيتها من عدم مشروعية الثورة على عثمان، فالبراءة من عثمان إذا هي براءة من الدولة الأموية وهو ما يعبر عنه ابن إباض بقوله "فمن يتول عثمان ومن معه فإنا نشهد الله وملائكته وكتبه ورسله بأنا منهم براء، ولهم أعداء بأيدينا وألسنتنا وقلوبنا نعيش على ذلك ما عشنا، ونموت عليه إذا متنا، ونبعث عليه إذا بعثنا، نحاسب بذلك عند الله".
وقد أبدى خميس العدوي ملاحظة جديرة بالدراسة والبحث، وهي في توقيت كتابة عبدالله بن إباض لرسالته، ذلك أنه لا توجد أدلة تاريخية على أنه كتبها بعد التحاقه بركب طلبة الإمام جابر بن زيد، بل الأظهر أنه كتبها في المرحلة التي بدأ فيها تمايز موقفه عن موقف نافع بن الأزرق وقبل أن يذوب في النسيج العلمي والفكري الذي شيده الإمام جابر، ومن الدلائل المؤكدة على رأي خميس العدوي هي قوة التحدي والاستفزاز التي صيغت بها الرسالة وهي موجهة إلى خليفة بني أمية المعروف بالطبش والجبروت، ولا يعقل أن يصدر مثلها ممن تتلمذ على يد جابر بن زيد الذي كان يعمل في الخفاء هرباً من سيوف ولاة الأمويين التي كانت سريعة إلى رقاب كل معارض للظلم الأموي، ثانياً: في غياب أية دلائل تاريخية وعلمية تؤكد تبني جابر بن زيد لمثل هذا الخطاب العنيف. فإذا كان الأمر كذلك، وإن كانت الرسالة قد كتبت فعلاً قبل أن يتشرب عبدالله بن إباض بفكر جابر بن زيد، فإنني استطيع أن أقول أن جميع الشخصيات التي تبنت البراءة من عثمان وعلي إنما اجترت موقف عبدالله بن إباض في رسالته التي كتبها قبل أن يكون من أتباع الإمام جابر بن زيد، فهذا الموقف إذاً ليس موقفاً رئيساً في مدرسة الإمام جابر بن زيد، وإنما تبناه بعض أتباعها بسبب اللبس الذي حصل في توقيت كتابة رسالة عبدالله بن إباض.
والظاهر أن المدرسة الإباضية قد تجاوزت عملياً خطاب ابن إباض، لأنه مؤسس على المتغير "الجدل السياسي"، بينما استمرت في السير على خطى المنهج الجابري المؤسس على الثابت "القواعد الكلّية"، ويؤكد ما ذهبنا إليه أن هذه الرسالة رغم أهميتها التاريخية لم تذكر في شيء من المراجع الإباضية في القرون الخمسة الأولى مما حدا بالبعض إلى التشكيك في بعض الجوانب العلمية للرسالة، حيث تقول لطيفة البكّاي في دراستها "قراءة في رسالة ابن إباض" أن نص الرسالة ربما يكون قد تعرض لبعض التغيرات "تمثلت في إضافة بعض المعلومات إلى إحدى النسختين أو حذفها من الثانية" . وقالت : "أما قضية موثقيتها، أي نسبتها إلى ابن إباض، فإن ما توصلنا إليه من خلال دراسة الوثيقة شكلاً ومضموناً، يجعلنا نستبعد صدورها بالحالة التي هي عليها الآن من زعيم الإباضية عبدالله بن إباض" . وهذه النقطة جوهرية جداً، وذلك أن كتب التراث الإسلامي كثيراً ما تدخلت فيها أيادي النساخ زيادة ونقصاناً لأسباب كثيرة منها محاولة استيعاب مسألة ما، أو إثبات قضية ما بدليل من كتاب آخر مع وجود السقط في نسبة الكلام المضاف، فيختلط على الباحث الأمر، بحيث يصعب عليه التفريق بين كلام المؤلف وزيادات الناسخ .
الشخصية الثانية التي أعلنت البراءة من عثمان هو سالم بن ذكوان (ت 101هـ)، وهو أحد أصحاب جابر وأتباعه، ولجابر رسالة موجهة إلى سالم بن ذكوان موجودة مع مجموعة رسائل جابر بن زيد، وما قيل في عبدالله بن إباض من توجه سياسي يقال في سالم بن ذكوان، بيد أن هناك فرقاً بسيطاً بين رسالة ابن إباض وبين رسالة سالم الطويلة التي ألّفها توضيحاً لاستراتيجيات العمل الحركي الذي تمتزج فيه الرؤية السياسية بالتقعيد الفقهي، مما يعكس تأثراً بمنهج جابر بن زيد أكبر من ذلك الذي يتجلى في رسالة عبدالله بن إباض، وهو ما انعكس على أسلوب نقد سالم بن ذكوان لعثمان بن عفان والذي كان بلا شك أقل حدّة مما شحنت به رسالة عبدالله بن إباض، وهي أقرب إلى الاعتدال الذي تميزت به خطبة أبي حمزة الشاري (ت 150هـ) القائد العسكري الإباضي في خطبته لأهل المدينة، حيث قال: "ثم ولي من بعده عثمان بن عفان، فعمل في ست سنين بسنة صاحبيه، ثم أحدث أحداثاً أبطل آخر منها أولاً واضطرب حبل الدين بعدها، فطلبها كل امرء لنفسه" .
عموماً لقد لقيت رسالة سالم بن ذكوان نفس مصير التجاوز الذي لاقته رسالة عبدالله بن إباض ..
الشخصية الثالثة التي صرحت بالبراءة من عثمان وعلي كان شبيب بن عطية (ت 135-160هـ)، وذلك في السيرة المنسوبة إليه وهي سيرة تتميز بالحدّة والعنف وهي موجهة ضد خصوم الإباضية والمتشككين في مبادئهم، والقارئ لتلك الرسالة سيكتشف أن تصريح شبيب بالبراءة من عثمان وعلي كان سببه تشكك البعض في موقف الإباضية من الأحداث، فهو يقول: "فمن كان في قلبه مرض لأهل هذا الحديث أو زيغ عنه إلى غيره، أو للمسلمين غاشاً، فليذهب حيث شاء، فليطلب داراً غير دار المسلمين" ، فسيرة شبيب وتصريحه بالبراءة من عثمان وعلي تؤكد على قاعدة السكوت التي كان عليها أئمة المذهب الإباضي والتي دفعت البعض في زمان شبيب إلى الشك في موقف المخالفين لعثمان وعلي، مما دفع شبيب إلى التخلي عن حالة السكوت والتصريح بموقفه من عثمان وعلي ربما لكي لا يبدأ الشكاك في الطعن في موقف أهل النهروان.
وهناك تحليل ممتاز يبعد الإباضية من موقف البرأة من عثمان وعلي كليا وأقلها أنه لا ينحصر موقفنا في البرأة فقط فأتمنى ان يرجع كل قاريء للكتاب حتى يعرف مدى التشويه الذي لحق المذهب بسبب بعض المغرضين الحاقدين الذين فتحوا مواقع مخصصة لتشويه صور المسلمين ومذاهبهم واستأثارهم بالنجاة دون غيرهم ..
والخلاصة من هذا القسم كما يقول المحرمي
(( بعد هذا التطواف المثير في خضم الصراع المسلح الذي عانت الأمة ويلاته بسبب الخلافات السياسية بين الصحابة، اكتشفنا بما لا يدع مجال للشك أننا لا نستطيع أن نتهم روح الإسلام في نفوس الصحابة السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار الذين قال الله تعالى فيهم {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ}التوبة: 110. وتوصلنا كذلك إلى أن الفتنة التي انجرف فيها الكثير من الصحابة كانت وراءها أيدي مروان بن الحكم وغيره ممن غير وجهة الخلافة الإسلامية من العدل والشورى إلى الجور والوراثة العمودية الكسروية. ومن خلال استكشافنا لمواقف المدارس الإسلامية المعاصرة من تلك الأحداث تبين لنا وجود بعض نقاط التقارب وبعض نقاط الخلاف بين تلك المدارس، فالجميع متفقون على عدالة الصحابة في العموم مع اختلاف في التفاصيل، فمدارس أهل السنة متفقة على عدالة جميع الصحابة، إلا أنها في الوقت نفسه تطعن في عدالة الصحابة الذين ثاروا ضد عثمان والذين خرجوا على علي بن أبي طالب، وأهل الحديث تميزوا بطعنهم في علي بن أبي طالب حتى وقت أحمد بن حنبل، والمدارس العلوية تميزت بالانقسام حول هذه القضية، فالزيدية والتيار العلوي من الشيعة الإمامية يظهر قدراً لا بأس به من الاحترام والتقدير لجمهور الصحابة، بينما ينفرد التيار الباطني بتكفير جمهور الصحابة، الأمر الذي أدى بهذا التيار إلى الاعتقاد بتحريف القرآن الكريم، أما المدرسة الإباضية فقد تميزت بوجود ثلاثة تيارات، الأول وهو تيار أئمة الإباضية الفقهاء المؤسسين وهو يتبنى الإمساك عن الخوض في تلك الفتن، والتيار الثالث يمثله القادة العسكريون وهو تيار يتبرأ من عثمان وعلي، والتيار الأخير أعلن ولايته لعثمان وعلي.
وهذه النتيجة تشير إلى وجود نقاط التقاء كثيرة بين المدارس الإسلامية حول مسألة الصحابة، ومن المؤكد أن المجال يتسع لتقارب أكثر في وجهات النظر إذا ما تبنت المدارس الإسلامية بعض القواعد والملاحظات:
أولاً: وسطية النظرة إلى الصحابة، بعيداً عن الغلو في التقديس كما هو الحال عند أهل الحديث بحيث يشعر الدارس لأحداث الصحابة وكأنه تعدى خطوط الشرع الحمراء وأنه قد هوى في النار، وبعيداً عن الغلو في التحقير كما هو الحال عند التيار المغالي لدى الشيعة الذي كفّر جمهور الصحابة، هذه الوسطية تسمح للباحث التعرّف على الأخطاء ونقاط القوة والضعف في مواقف الأشخاص، ثم الاستفادة منها فقهياً وفكرياً.
ثانياً: يجب أن يدرك الباحث أنه يخوض في أحداث تاريخية، والتاريخ غيب، ولا يمكن أن نجزم بثبوت الحوادث التاريخية إذا لم تتوفر شروط التواتر، فتبني المواقف مع أو ضد طرف ما لا يخلو من المجازفة.
ثالثاً: المسلم غير مكلف شرعاً بالبحث والتنقيب عن حالة كل شخصية تاريخية لولايتها أو البراءة منها، وإنما يكفيه في ذلك اعتقاد ولاية جميع المؤمنين من الأولين والآخرين والبراءة من جميع الظالمين من الأولين والآخرين.
رابعاً: على الجميع أن يدرك أن جميع الصحابة والتابعين الذين خاضوا في تلك الفتن إنما هم سلف لنا، فيجب على الجميع محاولة احترام ذلك السلف تقديراً لجهوده في حفظ الدين، فالطعن في أي طرف هو طعن في السلف شئنا أم أبينا.
خامساً: يجب دراسة تلك الأحداث وفق منهج كلي شمولي يجعل مرجعيته الحقائق المتفق عليها، وأن يحاول قدر الإمكان الابتعاد عن المرويات غير المسندة أو الروايات الضعيفة السند.
سادساً: محاولة التخلص من ظاهرة انشطار المنهج والتطبيق، فبعض المنتسبين لمدارس أهل السنة والجماعة تبنوا عدالة جميع الصحابة، إلا أنهم في الوقت نفسه تمارس أقصى أنواع الثلب والتنقيص من الصحابة الذين ثاروا على عثمان والذين خرجوا عن علي بن أبي طالب.
آخر تحرير بواسطة البـاز الأشهب : 21/04/2006 الساعة 04:03 PM
|