بسم الله الرحمن الرحيم ...
في البداية وقبل أن أدرج ما قاله المحرمي في كتابه أحب أن أقول بأن الكل يتفق أن التاريخ مشوه لدرجة كبيرة فكل فرقة تنصر سلفها وتدعم هذا النصر بروايات تنسبه للنبي عليه السلام ومما يؤسف له أن المؤرخين عندما أردوا التأريخ لهذه الحوادث لما يتثبتوا من صحتها ومن مطابقتها للواقع ومن عدم مصادمتها للعقل وهنا أنصح القراء الكرام لقراءة كتاب الأستاذ خميس بن راشد العدوي ( رؤية تاريخية ) إذ يبين فيه كيفية قراءة التاريخ قراءة صحيحة سليمة بعيدا عن الإتجرار وراء الخرافات والأكاذيب ..
وسبب هذا التشويه وهذا اللغط السائد في أغلب كتب التاريخ كما يعلله الدكتور زكريا هو :
(( واختلاف منهج الكتّاب والمفكرين يرجع في جانب كبير منه إلى عدم التزام المؤرخين الإسلاميين الأُول في عملية التدوين التاريخي المنهجية التاريخية الكلية التي تقرأ الاحداث في سياقها الكلي ووفق معطياتها الزمانية والمكانية وأعراف البيئة وطبائع المجتمع وفقه لحظة الحديث التاريخي بل اقتصروا في ذلك ما يسميه محمد عابد الجابري بــ( التصور الجزئي للزمان ) ....... ))
وقد استشهد المحرمي بنص لابن خلدون لهذا التعليل ونقل عنه ما نصه :
(( الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكّم أصول العادة والقواعد السياسية وطبيعة العمران والاحوال في الاجتماع الإنساني ، ولا قيس الغائب منها بالشاهد ، والحاضر بالذاهب ، فربما لم يؤمن فيها من العثور والحيدة عن جادة الثواب ، وكثيرا ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل المغالط من الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثا وسمينا لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ، ولا سبروها بمقياس الحكمة ، .......،... ))
إذا فالملاحظ أن هناك خطأ في المنهج الذي كتبت بها هذه الوقائع والحوادث وبسبب غياب هذا المنهج ترنح المؤرخون في كتابتهم فظلموا فرقا وكتبوا عنها أشياء لا تصح نسبتها لهم ، سواء أنهم اكتفوا بالنقل فقط ومع مرور الزمن أصبحت هذه الوقائع مسلم بصحته وخاصة من قبل الغوغاء والدهماء من الناس بل حتى عند المتأخرين حيث يقول ابن خلدون في مقدمته :
(( ثم لم يأت من بعد هؤلاء إلا مقلد وبليد الطبع والعقل أو متبلد ينسج على ذلك المنوال، ويحتذي منه بالمثال، ويذهل عما أحالته الأيام من الأحوال، واستبدلت به من عوائد الأمم والأجيال. فيجلبون الأخبار عن الدول، وحكايات الوقائع في العصور الأول، صوراً قد تجردت عن موادها، وصفاحاً انتضيت من أغمادها، ومعارف تستنكر للجهل بطارفها وتلادها، إنما هي حوادث لم تعلم أصولها، وأنواع لم تعتبر أجناسها ولا تحققت فصولها، يكررون في موضوعاتهم الأخبار المتداولة بأعيانها، اتباعاً لمن عني من المتقدمين بشأنها، ويغفلون أمر الأجيال الناشئة في ديوانها، بما أعوز عليهم من ترجمانها، فتستعجم صحفهم عن بيانها ))
فماذا كانت النتائج التي استخلصها ابن خلدون وقد ادرجها الدكتور زكريا في كتابه ؟!
يقول ابن خلدون
(( فقد زلت أقدام كثير من الأثبات والمؤرخين الحفاظ في مثل هذه الأحاديث والأراء، وعلقت بأفكارهم ونقلها عنهم الكافة من ضعفة النظر والغفلة عن القياس، وتلقوها هم أيضاً كذلك من غير بحث ولا روية واندرجت في محفوظاتهم حتى صار فن التاريخ واهياً مختلطاً، وناظره مرتبكاً، وعد من مناحي العامة ))
يقول زكريا المحرمي :
(( لقد تم ترتيب الكتاب ( الصراع الأبدي ) بحيث تكون نقطة البداية عبارة عن مناقشة للمنهج المقترح والتي تشتمل على دراسة دلالات بعض المفاهيم مثل "العلم" و "الظن" ودلالات "الثبوت القطعي" و " الثبوت النقلي" والتعرف لمفهوم جديد هو الشهرة المذهبية ودلالاته والمقارنة بينه وبين مفهوم التواتر واستعراض مفهوم "المجمتع عليه" في قبال " المختلف فيه" ثم يسترعض الكتاب مفهوم والولاية والبراءة ومناقشة إسقاطات تلك المفاهيم على شخصيات صراع الصحابة ثم يناقش الكتاب مفهوم " عدالة الصحابة " من خلال دراسة مفهوم الصحابي وموقف الشرع من قضية العدالة ثم يعرج الكتاب على قضية هامة وهي مسالة مرويات الأنباء بالغيب التي رويت عن النبي عليه السلام والتي يتترس بها كل فريق من إجل إلزام الآخر الحجة .
وبعد تقرير نتائج البحث وتحديد المنهج المتفق عليه يشرع في دراسة تاريخية للأحداث من خلال استعراض الشبهات المثارة ومناقشتها وفق المنهج الكلي المتفق عليه ، ثم ينتقل الكتاب إلى دراسة تاريخ المذاهب الإسلامية واستعراض علاقة ذلك التاريخ بالمواقف من الصحابة ، ومحاولة دراسة قواعد كل مذهب في تعامله مع قضية صراع الصحابة ))
يتبع ....