|
لا سلام.. الآن!
يرى الكاتب الصحفي الإسرائيلي آري شافيت، أن الصراع بين الفلسطينيين والإسرائيليين إنما هو صراع بين شعب محتل وشعب مهدد، فالإسرائيليون يحتلون أرض الفلسطينيين، والفلسطينيون يهددونهم.
ولكن شافيت لا يتورع عن قلب الحقائق، فيقرر بكل جرأة أن "ليس الاحتلال هو الذي أوجد الخطر، وإنما الخطر هو الذي سبب الاحتلال"!
ويقول إنه دون علاج متواز للاحتلال والخطر، لن يتم العثور على حل للصراع بين إسرائيل والفلسطينيين.
وإذا كان هناك من الإسرائيليين من يتمسك بأيديولوجية "أرض إسرائيل الكاملة"، فإن هؤلاء أقلية –في نظر شافيت– والأغلبية ليست شريكة في هذه الأيديولوجية، ولهذا فإن تلك الأغلبية تسلم بواقع الاحتلال "لأنها تخشى من اليوم التالي"، على حد قوله.
لذا فهو يخلص إلى أن السبب العميق لاستمرار الاحتلال هو الخطر!! وهذه الفرضية، تنتهي بالكاتب الإسرائيلي إلى أن يضعنا أمام معضلة أو حلقة مفرغة.
ففي رأيه أنه إذا كان الاحتلال قد جاء بسبب الخطر فإنه يستمر ويتواصل خشية أن يكون إلغاء الاحتلال من شأنه أن يعيد إحياء هذا الخطر.
إنها ثنائية معقدة إذن، وهي تفرض على الجميع مأزقا لا سبيل للخلاص منه ولا حل له إلا ذلك الحل الذي يصفه شافيت بأنه حل أخلاقي.. ألا وهو "السلام"!
وهو يقول إن هناك اعتقادا، ظل سائدا طوال عقد التسعينيات وحتى العام 2000، الذي اندلعت فيه الانتفاضة الفلسطينية الثانية، بأن التوصل إلى وضع حد للمواجهة سيكون ممكنا، عاجلا أو آجلا.
ولكن الأمل في تحقيق مثل هذا الحل لم يلبث أن تحطم، اعتبارا من العام 2000 ليفسح مجالا لحقيقة فرضت نفسها على أرض الواقع، وهي أنه لا سبيل إلى إيجاد حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي خلال الجيل الحالي!
ولأن استمرار الاحتلال ينطوي على مخاطر جمة كما أن إنهاء هذا الاحتلال عبر تسوية نهائية غير ممكن من وجهة النظر الإسرائيلية، ونظرا لتعذر تحقيق تسوية مرحلية في الظروف الراهنة، فإنه لا يبقى من خيار سوى إيجاد "وضع انتقالي" لا ينهي الاحتلال وإنما "يقلصه" على نحو يخفف على الإسرائيليين تحمل العبء الديموغرافي والسياسي الذي يلقيه الاحتلال على كاهل إسرائيل.
من هنا انبثقت فكرة "الفصل" التي جاء الجدار العازل تجسيدا لها، والتي أقرتها حكومة أرييل شارون ونفذتها متجاهلة تماما كل الاعتراضات ضدها.
ويزعم الكاتب الإسرائيلي أن فكرة الفصل جاءت لكي تقدم "الرد المفقود" على تلك الثنائية المعقدة: ثنائية الاحتلال والخطر، أما سبيلها لطرح هذا الرد، فهو التقدم خطوة محدودة نحو إنهاء الاحتلال، تكون فيها أخطار التهديد الكامنة محدودة أيضا.
والهدف بالنتيجة هو إيجاد تلك المرحلة الانتقالية التي أشار إليها والتي تمكن إسرائيل من تقليص الاحتلال والتخفيف من أعبائه الديموغرافية والسياسية.
ويذهب شافيت إلى أن فكرة الفصل هذه إنما تقوم في جوهرها على أساس تبني مشروع لتقسيم البلاد، على حد تعبيره، أي تقسيم أرض فلسطين بين الكتلتين البشريتين اللتين تعيشان عليها: الفلسطينيين والإسرائيليين.
ومع أن مشروع التقسيم هذا يظل غامضا فيما يطرحه الكاتب الإسرائيلي، فإنه يعتبره على درجة عالية من الأهمية تكاد تصل به إلى أن يصبح هو "المشروع القومى المركزى" لإسرائيل في العقد المقبل، حتى إنه يعتبره "مساويا في أهميته للمشروع القومي الذي أقامته إسرائيل في ديمونا، أي بناء القوة النووية الإسرائيلية لأنه هو الذي سيقرر مستقبل إسرائيل، ومستقبل الإسرائيليين حياة أو موتا كما يقول.
على أن شافيت يحذر، صراحة من أن أي مشروع لتقسيم أرض فلسطين في غياب السلام سيعني التلاعب بمواد تاريخية مشعة، على حد تعبيره، ومن شأن ذلك أن يطلق طاقة قومية ودينية هائلة لدى الفلسطينيين والإسرائيليين على حد سواء.
من هنا فإنه يدعو إلى أن يجري التخطيط لمشروع التقسيم بكل دقة وأن ينفذ بتعقل وطول نفس.
هذه هي حقيقة الصورة إذن، وهذا هو جوهر الموقف الإسرائيلي الذي يكاد يضيع في دوامة الجدل التي غرق فيها الجميع منذ وقوع "زلزال" حماس.
وسواء اعترفت حماس بإسرائيل أم لم تعترف، وسواء اعتدلت أم بقيت على تشددها، وأيا كان الشكل الذي سيستقر عليه قادة الحركة لإدارة الحكم في المرحلة القادمة، فإن قضية السلام تبقى شأنا آخر تماما..
|