لم أكن على مقربة منها بسبب تغيبي عن المجلس كثيرا .. إنما كنت أكتفي بالسلام ومعرفة الأسماء وحضور المجلس وحضور بعض الإجتماعات الهامة -بالنسبة لي- ثم الإنصراف!!
تمر الأيام والشهور والسنوات .... أخيرا سنحت لي الفرصة أن أكون بمقربة من تلك الأخت ..
وبقدر ما فرحت بتلك الأخوة إذا بي أرى هموما قد علت صفاء ذلك القلب!! هموما قد هزت مضاجع الكثير من البيوت !!!
أخبرتني أنها أصغر أخواتها - وقد تجاوز عمرها الثلاثين والكبيرة منهن قد تجاوزت الأربعين -
أراها تخفي دمع عينها حياءا .. فتحادثها نفسها:
ألكِ الحقُ في البوح؟ أم ما زال الصمت هو رفيقك!
فليس عيبا أن يعلو صوت الشاب بــ"أريد أن أتزوج" .. ولكن أتستطيع هي ؟!
قالتها بصوتٍ منخفض ممتزجاً بالأسى : أنهن أخواتي .. أحس بهن .. أشعر بما ينتابهن ..
لقد أحببنا الليل .. ففيه قيامنا وسجودنا وتضرعنا لله رب العالمين .. لكن ظلامه زاد آهاتنا وهز مضاجعنا!! ..
فكرهنا النوم عندما يحين وقته.. وما كان لنا إلا أن نرهق أنفسنا بأي عملٍ حتى ينتابنا الأرق والتعب فننام بعدها في سكون.. وبالرغم أننا نجد في أنفسنا فيض من حب الله ورحمته بنا في كل نهار..
إلا أن الشعور نفسه يتجدد في كل ليله!
كرهت الفراغ والأجازات جميعها .. نعم .. تلك النعمة التي قال عنها رسول الله: "
نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس , الصحة و الفراغ" .. فأنا أعلم تماما أن الخلوة إما أن تكون في طاعة الله وإما أن تكون في معصيته ..
لطالما تخيلت ذلك الحبيب الذي تسألني عنه عاطفتي مرارا وتكرار.. وذلك الأنيس الذي يقشع وطئة الظلمة التي بِتُ أكّرهُها.. ذلك الرجل الذي يجعلني أشعر بأني مرغوبه لا منبوذه!
ذلك الذي ُيسّكّن غريزة قد وضعها الله فينا وذلك الذي يروي عاطفة أنثوية قد كرّم الله بها نساء العالمين .. وفي خلوتي هذه .. لا أملك إلا ما عهدته دائما .. دمعة حارة على وجنتي أستغفر بها ربي ولساني حالي يقول "
ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب" .. فأردع نفسي عن السؤال والخوض في خيال وألوذ بالكتمان!!
أتعلمين .. في إحدى سنوات عمري .. كرهت الخروج من البيت .. كرهت الحديث مع الناس أو مجالستهم ومخالطتهم ,, أبتعدت عن أهلي وأتخذت الوحدة ثوبي .. فتاره أسطر بقلمٍ عمّا بنفسي وتارهً أمسك كتاباً أقلب فيه عسى أن يخفف دمعي .. وتارهً ألجأ لفراشي أذرف فيه ما بقى من تلك الدموع - هذا لو كان قد بقى منها شيئ!
لكنني أدركت بعدها بأن الوحدة خنقتني وزادتني بُعداً عن الله فأجبرت نفسي على الخروج من تلك العزلة والوحدة!
تبَسّمَت وتألقت عينها وهي تنظر في شرود لردهة في ذاك المكان... وسحبت دمعها وابتلعت ريقها تقول: كم أغبط من حباهن الله بنعمة الولد .. انني أرى أبناء أخوتي كل يوم .. أرعاهم وأعلمهم ,,
تمتد يدي نحوهم لحضنهم .. فأقربهم من قلبي - تتنهد - ولا أستطيع تركهم لِما أحس به من عاطفة الأمومة .. وتتأجج هذه العاطفة إذا ما نام الطفل على كتفي أو إذا ما مرّغ رأسه في حضني ..
ويا أسفا .. سرعان ما يعود هذا الطفل إلى أمه فأُسلبُ تلك اللحظات التي غمرتني نشوة الأمومة المفقودة!
نعم أخيتي .. أرى التفكير والهم قد لازم والدتي .. وأخواني يهمسون لها : لقد كبرن في العمر فهل نزوجهن بإنسان لا يصون كرامتهن ولا يحفظهن ..
أم ننتظر وما أشده من إنتظار؟؟!!
وها هو أخي يحاول أن يخفف عني .. فيتلو قوله تعالى : (
وليستعفف الذين لا يجدون نكاحا حتى يغنيهم الله من فضله ) صدق الله العظيم ...
أخيتي ... أعلم يقيناً أنه لا ييأس من رحمة الله إلا القوم الكافرون .. وإنما أسألك الدعاء بارك الله فيكِ ولا تحرمينا منه ..
أنهت حديثها معي .. لكن كلماتها أستقرت في مكانٍ سحيق في ذات نفسي .. هزتني عبَرَاتُها .. وجعلتني لا أعلم ما أقول بعدما أوضحت لي صبرها وثقتها بالله عزوجل.. هذه الانثى التي تملك حظاً وافراً من الدين والأخلاق والجمال .. والتي تعلم علم اليقين أن هذا كله إنما هو الخير كله وإبتلاء من رب العالمين ..
وكأنها تقول: أفلا نكون من الشاكرين؟!!