عرض المشاركة وحيدة
  #1  
قديم 28/11/2005, 04:31 PM
أبو زياد أبو زياد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 27/05/2001
المشاركات: 1,254
سؤال أهل الذكر 25 من شوال 1426هـ ، 27/11/2005م


سؤال أهل الذكر 25 من شوال 1426هـ ، 27/11/2005م

الموضوع : عام

السؤال (1)
في موضوع الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تُحكى عن بعض الصالحين أنهم كانوا شديدين في إنكارهم للمنكر ويُعد ذلك من مآثرهم ، فكيف نوفق بين ما يؤمر به المسلم من اللطف واللين واستخدام وسائل مختلفة من الحكمة وبين هذه المواقف التي تحكى عن الصالحين ؟


الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فهناك أمران لا بد من مراعاتهما :

أولهما :
تفاوت طبائع البشر ، فإن التفاوت أمر موجود حتى في النبيين ، فبعض النبيين يكون أشد من بعض ، مع أنهم جميعاً يغارون على حرمات الله ، وهم أشداء على الكفار رحماء بينهم ، ولكن مع ذلك قد توجد في بعضهم شدة لا تكاد توجد في غيره ، وقد يكون بعضهم أقدر على أن يواجه الأمر بمرونة وبلطف بخلاف غيره .

فنجد موسى عليه السلام – وذلك لم يكن لنفسه وإنما كان لربه – عندما غضب على أخيه أخذ برأس أخيه يجره إليه ، وذلك لِما رأى من تبديل بني إسرائيل ، حيث إنهم أقدموا على أنِ اتخذوا إلهاً مع الله سبحانه وتعالى بحيث عبدوا العجل من دون الله سبحانه ، فما كان من موسى عليه السلام وقد أدرك ذلك إلا أن أخذ برأس أخيه يجره إليه ، وقال له ما ذكره القرآن ( قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرائيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي) (طـه:94) ، فهكذا كانت شدة موسى عليه السلام .

بينما نجد أن إبراهيم عليه السلام مع ما كان ينكره على قومه ، وما كان ينكره على أبيه من عبادته لغير الله سبحانه وتعالى حرص على التلطف في مخاطبة أبيه خصوصاً فخاطبه بالعبارات التي فيها الرفق والتي فيها اللين إلا أن الأب ظل صاداً ، ولكن مع الرفق ومع هذا اللين كان أيضاً فيه شدة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر عندما حطم الأصنام وأولئك يرون اجتراءه على الأصنام التي يعبدونها من دون الله أشد من اجترائه على أنفسهم ولذلك كبُر عليهم هذا الأمر ، وحكى الله سبحانه وتعالى عنه في كتابه قوله ( وَتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَنْ تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) (الأنبياء:57) ، وحكى فعله بقوله ( فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً إِلا كَبِيراً لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ) (الأنبياء:58)، وهذا مما يدل أيضاً على أنه بجانب لينه كان ينطوي على شدة في ذات الله لأنه يغار على حرمات الله .

فالأمر الأول هو وجود التفاوت ما بين الناس .

الأمر الثاني :
أن تلك الشدة -كما قلت- لم تكن لأجل أنفسهم وإنما كانت لأجل حرمات الله ، فالله سبحانه وتعالى هو أغير من أي أحد على حرماته ، والصالحون يتفاوتون في هذه الغيرة على حرمات الله بقدر تفاوتهم في القرب من الله ، فإن من كان أقرب إلى الله كان أشد غيرة من غيره ، فالنبي صلى الله عليه وسلّم مع ما عُرف به من الرفق واللطف وحب تأليف القلوب لكن مع ذلك لم يكن يداهن في أمر الله سبحانه وتعالى ، وعندما حاول المشركون أن يساوموه بحيث عرضوا عليه أن يعبد آلهتهم عاماً ليعبدوا إلهه عاماً أنزل الله سبحانه وتعالى ما يقطع دابر هذه المساومة وهو قوله ( قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ )( الكافرون :1-6) .

فالناس بطبيعة الحال عندما تتأجج الغيرة في قلوبهم على حرمات الله لا بد من أن ينعكس أثر هذه الغيرة التي في نفوسهم في سلوكهم وفي عملهم وفي مواجهتهم لأولئك الذين يرتكبون حرمات الله سبحانه وتعالى .

فالشدة في ذات الحق أمر غير منكر ، وأمر غير بغيض إلى الله ، بل هو أمر حبيب إلى الله سبحانه وتعالى ، ولكن مع هذا كله الحكمة مطلوبة لا باعتبار ما للمدعو من حرمات ، فإن المدعو قد يكون صاداً شديد العنت ، شديد الإعراض عن أمر الله سبحانه وتعالى ، وهو جدير بأن يواجه بالشدة ، ولكن من أجل الحكمة قد تكون هذه الحكمة إن لم تنفعه هو تنفع غيره ، وهكذا .

آخر تحرير بواسطة أبو زياد : 28/11/2005 الساعة 06:38 PM