|
سؤال أهل الذكر 11 من شوال 1426هـ 13/11/2005م
سؤال أهل الذكر 11 من شوال 1426هـ 13/11/2005م
الموضوع : عام
السؤال (1)
سماحة الشيخ : باسم الإسلام تُفجّر الفنادق والسيارات وتُفقد مع ذلك الأرواح والأموال فقداً مؤلماً . وقريباً سمعتم ما أصاب الأردن من تفجيرات وما كان من ضحية هذه التفجيرات ، ما هو تعليقكم على مثل هذه الأحداث ؟
الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :
فإن الله سبحانه وتعالى رحيم بعباده ، ويحب الرحماء من العباد . إن الله عز وجل افتتح كتابه الكريم بقوله ( بِسْمِ اللهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ ) ( الفاتحة :1) ، ثم قال بعد ذلك ( الْحَمْدُ للّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ * الرَّحْمـنِ الرَّحِيمِ ) ( الفاتحة :2-3) .
والرحمة أودعها الله قلوبَ عباده الذين تمتلئ قلوبُهم إيماناً بالله وباليوم الآخر ، فهؤلاء تتفجر مشاعر الرحمة من جنبات قلوبهم ، وهم ينظروا إلى العباد نظر الرحمة ويريدون بهم الإحسان ، لذلك جاءت تعاليم القرآن كلها دافعة إلى ما فيه الخير للإنسانية ، فالإنسان مطلوب منه بأن يكون رحيماً بعباد الله ، لا أن يكون فظاً غليظ القلب ، لا أن يكون قاسياً شديداً لا يبالي بما يصدر منه مما يؤذي الناس .
نعم شُرع الجهاد في الإسلام ، ولكن مشروعية الجهاد إنما هي لكبح الظلم ولقطع دابر الفساد ، ولاستئصال شأفة الجور في هذه الأرض ، لا من أجل أن يعيث الناس فساداً في الأرض بحيث يسفكون الدماء ويزهقون الأرواح ، فالله عندما شرع الجهاد قال ( أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ * الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ )( الحج :39-40) ، وقال سبحانه ( وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ )( البقرة :190).
فالخلط بين الجهاد والعدوان على الناس إنما هو خلط بين الحق والباطل ، والهدى والضلال ، والصلاح والفساد .
ولا يجوز أن يكون الجهاد ذريعة لمثل هذه التصرفات الهوجاء التي لا تصدر إلا من حمقى لا يفرّقون بين فساد وصلاح ، ولا بين باطل وحق .
إن الله سبحانه وتعالى أطّر الجهاد في هذا الإطار الإنساني ، الإطار الذي ينفي عن الجهاد كل مفسدة وكل عمل يؤدي إلى إيذاء الناس وإلى الإفساد في هذه الأرض .
ونحن نرى أن الله سبحانه وتعالى حتى بالنسبة إلى أعدائه الذين يحاربونه ويحاربون أوليائه ويسعون في الأرض فسادا ، حتى بالنسبة إلى هؤلاء قد يمتنع الإذن بقتالهم من أجل مراعاة من وقع تحتهم ممن لا علاقة له بفعلهم .
فنجد أن الله سبحانه وتعالى عندما خرج رسوله صلى الله عليه سلّم ومن معه من المؤمنين إلى مكة المكرمة من أجل الاعتمار بعد أن رأى رسول الله صلى الله عليه وسلّم في منامه أنهم أتوا إلى مكة ودخلوا مُحرمين ، وشدّت هذه الرؤية عباد الله المؤمنين إلى ما كانوا يطمحون إليه من دخول حرم الله تعالى الآمن وهم آمنون مطمئنون مؤدون للشعائر ، ووقف المشركون في سبيلهم وصدوهم عن البيت الحرام ، وبحسب حكم الله سبحانه وتعالى فإن المشركين هم صادون عن المسجد الحرام ، والصد عن المسجد الحرام من أعظم الإثم ، ومن السعي بالفساد في الأرض ، فهم جديرون بأن يُقاتَلوا ، ولكن حكمة الله اقتضت أن لا يكون هنالك قتال لئلا يصاب الأبرياء ، فقد قال تعالى ( وَلَوْلا رِجَالٌ مُّؤْمِنُونَ وَنِسَاء مُّؤْمِنَاتٌ لَّمْ تَعْلَمُوهُمْ أَن تَطَؤُوهُمْ فَتُصِيبَكُم مِّنْهُم مَّعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَن يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً )( الفتح : من الآية 25) ، فعدم تَزَيُّل هؤلاء ، أي عدم خروج هؤلاء من ذلك المجتمع ووجودهم فيه كان سبباً لمنع الصدام ما بين الحق والباطل في ذلك اللقاء الذي كان بمكة المكرمة ، مع أن المؤمنين كانوا متأججة مشاعرهم متحمسين لمواجهة أعدائهم ، وقد كانت هنالك بيعة الرضوان التي ذكرها القرآن في سورة الفتح .
فهذا مما يدل على أن هذه التصرفات التي تؤدي إلى قتل الأبرياء ، إلى قتل الشيوخ وقتل النساء وقتل الأطفال وقتل من لا علاقة له بهذه القضايا ، قتل من لم يجن على أحد قط ، يُعَدّ ذلك من أكبر الآثام ، بل يُعَدّ ذلك من الفساد في الأرض .
فيجب على هؤلاء الذين يرفعون شعار الجهاد بمثل هذه التصرفات أن يدركوا أنهم يفتون بهذا على الإسلام ، وأن أعمالهم - هذه لأنهم يرفعون شعار الإسلام - محسوبة على الإسلام والإسلام منها براء براءة الذئب من دم ابن يعقوب عليهما السلام .
فما كان أحراهم أن يتقوا الله ، وأن يمتنعوا عن مثل هذه التصرفات .
وما كان أحراهم أن يقفوا عند حدود الله سبحانه وتعالى ، ويدركوا المسئولية العظمى التي تقع على عاتقهم ، فإن الله سبحانه يقول ( مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً ) ( المائدة : من الآية 32) ، وهذا لأجل قيمة النفس البشرية في موازين الحق عند الله سبحانه وتعالى .
ونحن لا نستبعد أن يكون وراء هؤلاء من يؤجج حماسهم ويدفعهم إلى هذه التصرفات دفعا من أجل أن تشين صفحة الإسلام ، ومن أجل أن يبرز الإسلام بغير حقيقته ، حتى يرفعوا شعارهم بأن هذا هو الإسلام ، ويجدوا الفرصة للانقضاض على الإسلام .
فهم يُستخدمون من قِبل هؤلاء الذين ينقضون على الإسلام بقواهم وبدعاياتهم الفاجرة التي تشين صفحة هذا الدين الحنيف ، والدين براء مما ينسبونه إليه .
|