عرض المشاركة وحيدة
  #4  
قديم 10/11/2005, 06:47 PM
المستبلي المستبلي غير متواجد حالياً
عضو متميز جداً
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2004
الإقامة: مسقط
المشاركات: 3,569
اقتباس:
أرسل أصلا بواسطة القول
لماذا لا يأخذ الاباضية بالحديث الصحيح في العقائد؟

لا ولت أستوضح من بعض الأخوة منهج قبول الروايات عند الاباضية ولكن أسأل هنا أنه ما دام قد قبل الحديث كحديث صحيح ( مهما كان منهج القبول) فكيف لا يأخذ به في العقائد؟؟
أن الأحاديث الآحادية لا يجوز الإحتجاج بها في المسائل العقدية , و ذلك لعدم القطع بثبوتها كما سيأتي تحقيقه بإذن الله تعالى .

و هذا هو مذهب جمهور الأمة كما حكاه النووي في مقدمة "شرح مسلم" و في "الإرشاد" و في "التقريب" , و إمام الحرمين في "البرهان" , و السعد في "التلويح" , و الغزالي في "المستصفى" , و ابن عبدالبر في "التمهيد" , وابن الأثير في مقدمة "جامع الأصول" , و صفي الدين البغدادي الحنبلي في "قواعد الأصول" , و ابن قدامة الحنبلي في "روضة الناظر" , و عبد العزيز البخاري في "كشف الأسرار" , وابن السبكي في "جمع الجوامع" , و المهدي في "شرح المعيار" , و الصنعاني في "إجابة السائل" , و ابن عبدالشكور في "مسلم الثبوت" , و الشنقيطي في "مراقي الصعود" , و آخرون سيأتي ذكر بعضهم بإذن الله تعالى .

وممن قال بهذا القول أصحابنا قاطبة ، والمعتزلة ، والزيدية ، وجمهور الحنفية ، والشافعية ، وجماعة من الظاهرية ، وهو مذهب مالك على الصحيح كما سيأتي –إن شاء الله تعالى- ، وعليه جمهور أصحابه ، وبه قال كثير من الحنابلة وهو المشهور عن الإمام أحمد كما سيأتي –إن شاء الله تعالى- ، وإليه ذهب ابن تيمية في (منهاج السنة) ج2 ص133 حيث قال ما نصه:
( الثاني أن هذا من أخبار الآحاد فكيف يثبت به أصل الدين الذي لا يصح الإيمان إلا به) اهـ. وكذلك نص على ذلك في (نقد مراتب الإجماع) لابن حزم.




نقول لا نحتج بأحاديث الآحاد في العقائد للأسباب التالية :

(1) أنه لو أفاد خبر الواحد العلم لوجب تصديق كل خبر نسمعه ، لكنا لا نصدق كل خبر نسمعه ولو كان ناقله ثقة ، وهذا ظاهر لا يحتاج إلى بيان.

(2) أن الناس قد قسموا الأخبار إلى خمسة أقسام:

1- قسم مقطوع بصدقه.
2- قسم مقطوع بكذبه.
3- قسم يحتمل الصدق والكذب ، واحتمال الصدق أرجح من احتمال الكذب.
4- قسم يحتمل الصدق والكذب ، واحتمال الكذب أرجح من احتمال الصدق.
5- قسم يحتمل الصدق والكذب على سواء.

وجعلوا من القسم الثالث خبر الواحد العدل أو الخبر الذي لم يتواتر ، وذلك لاحتمال الذهول والسهو والغفلة والخطأ والنسيان ، إلى غير ذلك من الاحتمالات ، فإذا تبين ذلك ، فالقطع بالصدق مع ذلك محال ، ثم هذا في العدل في علم الله تعالى ، ونحن لا نقطع بعدالة واحد ، بل لا يجوز أن يضمر خلاف ما يظهر ، ولا يستثنى من ذلك إلا من استثني بقاطع كأنبياء الله ورسله –عليهم أفضل الصلاة والسلام-.

(3) أن الناس قد اتفقوا على أن التصحيح والتحسين والتضعيف ...إلخ أمور ظنية وأنه لا يمكن القطع بشيء من ذلك لاحتمال أن يكون الواقع بخلاف ذلك ، قال العراقي في ألفيته ج1 ص14 بشرح السخاوي:

وبالصحيح والضعيف قصدوا *** في ظاهر لا القطع ... إلخ

وإذا الحكم بتصحيح حديث ما ، أمرا مظنونا به ، وأنه يحتمل أن يكون بخلاف ذلك ، فلا يجوز القطع بدلالة ما دل عليه ، وهذا أمر ظاهر بين.

(4) أننا نرى العلماء كثيرا ما يحكمون على بعض الأحاديث بالصحة لتوافر شروط الصحة فيها عندهم ، ثم يجدون بعض العلل التي تقدح في صحة ذلك الحديث فيحكمون عليه بما تقتضيه تلك العلة القادحة ، وقد يضعفون بعض الأحاديث لعدم توافر شروط الصحة فيها ، ثم يجدون ما يقويها ، فيحكمون بصحتها وهكذا.

وهذا يدل دلالة قاطعة على أن الآحاد لا يفيد القطع ، وإلا لوجب على الإنسان أن يقطع اليوم بكذا ويقطع غدا بضده ، ويعتقد اليوم كذا ويعتقد غدا نقيضه ، وهذا لا يخفى فساده على أحد.

(5) أنه لو أفاد خبر الواحد العلم ، لما تعارض خبران ، لأن العلمين لا يتعارضان ، كما لا تتعارض أخبار التواتر ، لكنا رأينا التعارض كثيرا في أخبار الآحاد ، وذلك يدل على أنها لا تفيد القطع.

(6) أنه لو أفاد خبر الواحد العلم ، لاستوى العدل والفاسق في الإخبار ، لاستوائهما في حصول العلم بخبرهما ، كما استوى خبر التواتر (1) في كون عدد المخبرين به عدولا أو فساقا ، مسلمين أوكفارا ، إذ لا مطلوب بعد حصول العلم ، وإذا حصل بخبر الفاسق لم يكن بينه وبين العدل فرق من جهة الإخبار ، لكن الفاسق والعدل لا يستويان بالإجماع والضرورة ، وما ذاك إلا لأن المستفاد من خبر الواحد إنما هو الظن ، وهو حاصل من خبر الواحد العدل دون الفاسق.

(7) أنه لو أفاد خبر الواحد العلم ، لجاز الحكم بشاهد واحد ولم يحتج معه إلى شاهد ثان ، ولا يمين عند عدمه ، على مذهب من أجاز الحكم بشهادة الواحد مع اليمين ، ولا إلى زيادة على الواحد في الشهادة بالزنى واللواط ، لأن العلم بشهادة الواحد حاصل ، وليس بعد حصول العلم مطلوب ، لكن الحكم بشهادة الواحد بمجرده لا يجوز باتفاقهم. وذلك يدل على أنه لا يفيد العلم.

(8) أن كثيرا من المحدثين بل أكثرهم يرون الروايات بالمعنى ، كما هو معلوم لا يخفى على طالب علم ، وقد وردت أحاديث كثيرة جدا في كتب السنة مما لا يمكن أن يقال إلا أنها مروية بالمعنى ، كما لا يخفى على من له أدنى ممارسة لهذه الكتب ، والرواية بالمعنى لا يؤمن معها من الغلط ، ولاسيما إذا نظرنا إلى أن كثيرا من الرواة ليس عنده كبير فقه ، بل بعضهم من الأميين وأشباههم ، وبعضهم من الأعاجم الذين لا معرفة لهم بلغة العرب ، أضف إلى ذلك أن الخلاف في هذه المسائل قد وجد من أوائل القرن الثاني ، ومن اعتقد شيئا يمكن أن يعبر عن بعض الألفاظ التي يتوهم أنها تدل على ما يعتقده بعبارة قد يفهم غيره الحديث بخلاف فهمه هو له ، وهذا موجود بكثرة كما يعلم بالاطلاع على كتب الحديث. والله أعلم.

(9) روى البخاري 1227 ، ومسلم 97 (573) ، وجمع من أئمة الحديث ، أن ذا اليدين قال لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لما صلى الظهر أو العصر ركعتين: يا رسول الله أنسيت أم قصرت الصلاة ؟ فقال له: (( لم أنس ولم تقصر ))) ..... ثم قال للناس: (( أكما يقول ذو اليدين )) فقالوا: نعلم ، فتقدم فصلى ما ترك ، ثم سجد سجدتين.

فهذا يدل دلالة واضحة على ان أخبار الآحاد لا تفيد القطع ، وإلا لاكتفى بخبر ذي اليدين ولم يحتج إلى سؤال غيره ، إذ ليس بعد القطع مطلوب ، وهذا ظاهر لا يخفى.

(10) روى البخاري 5191 ، ومسلم 34 (1479) وغيرهما من طريق ابن عباس رضي الله عنهما قال: (( لم أزل حريصا على أن أسأل عمر بن الخطاب عن المرأتين من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتين قال الله تعالى: (( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما )) ، حتى حج وحججت معه ، وعدل وعدلت معه بإداوة فتبرز ، ثم جاء فسكبت على يديه منها فتوضأ ، فقلت له: يا أمير المؤمنين ، من المرأتان من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم اللتان قال الله تعالى: (( إن تتوبا إلى الله فقد صغت قلوبكما )) ، قال: واعجبا لك يا ابن عباس ، هما عائشة وحفصة ، ثم استقبل عمر الحديث يسوقه قال:
كنت أنا وجار لي من الأنصار في بني أمية بن زيد وهم من عوالي المدينة ، وكنا نتناوب النزول على النبي صلى الله عليه وسلم فينزل يوما وأنزل يوما ، فإذا نزلت جئته بما حدث من خبر ذلك اليوم من الوحي أو غيره ، وإذا نزل فعل مثل ذلك ، وكنا معشر قريش نغلب النساء ، فلما قدمنا على الأنصار إذا قوم تغلبهم نساؤهم ، فطفق نساؤنا يأخذن من أدب نساء الأنصار ، فصخبت على امرأتي فراجعتني ، فأنكرت أن تراجعني قالت: ولم تنكر أن أراجعك ؟ فوالله أن أزواج ليراجعنه ، وإن إحداهن لتهجره اليوم حتى الليل. فأفزعني ذلك فقلت له: قد خاب من فعل ذلك منهن. ثم جمعت علي ثيابي فنزلت فدخلت على حفصة فقلت لها: أي حفصة أتغاضب إحداكن النبي اليوم حتى الليل ؟ قالت: نعم ، فقلت قد خبت وخسرت ، أفتأمنين أن يغضب الله لغضب رسول الله فتهلكي ؟ لا تستكثري النبي ولا تراجعيه في شيء ولا تهجريه ، وسليني ما بدا لك ولا يغرنك أن كانت جارتك أوضأ منك وأحب إلى النبي – يريد عائشة.

قال عمر: وكنا قد تحدثنا أن غسان تنعل الخيل لتغزونا ، فنزل صاحبي الأنصاري يوم نوبته ، فرجع إلينا عشاء فضرب بابي ضربا شديدا ، وقال: أثم هو ؟ ففزعت فخرجت إليه ، فقال: قد حدث اليوم أمر عظيم ، قلت: ما هو ؟ أجاء غسان قال: لا ، بل أعظم من ذلك وأهول ، طلق النبي نساءه ، وقال عبدالله ابن حنين: سمع ابن عباس عن عمر فقال: اعتزلني النبي أزواجه فقلت: خابت حفصة وخسرت ، وقد كنت أظن هذا يوشك أن يكون ، فجمعت علي ثيابي ، فصليت صلاة الفجر مع النبي ، فدخل النبي مشربة له فاعتزل فيها ، ودخلت على حفصة فإذا هي تبكي ، فقلت ما يبكيك ، ألم أكن حذرتك هذا ، أطلقكن النبي ؟ قالت: لا أدري ، ها هو معتزل في المشربة فخرجت فجئت إلى المنبر فإذا حوله رهط يبكي بعضهم فجلست معهم قليلا ، ثم غلبني ما أجد فجئت المشربة التي فيها النبي فقلت لغلام أسود: استأذن لعمر ، فدخل الغلام فكلم النبي ثم رجع فقال: كلمت النبي وذكرتك له فصمت ، فانصرفت حتى جلست مع الرهط الذين عند المنبر. ثم غلبني ما أجد فقلت للغلام: استأذن لعمر ، فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصمت ، فرجعت فجلست مع الرهط الذين عند المنبر ثم غلبني ما أجد فجئت للغلام فقلت: استأذن لعمر ، فدخل ثم رجع فقال: قد ذكرتك له فصمت ، فلما وليت منصرفا – قال: إذا الغلام يدعوني –فقال: قد أذن لك النبي صلى الله عليه وسلم فدخلت على رسول الله فإذا هو مضطعجع على رمال حصير ليس بينه وبينه فراش قد أثر الرمال بجنبه متكئا على وسادة من أدم حشوها ليف ، فسلمت عليه ثم قلت وأنا قائم: يا رسول الله أطلقت نساءك ؟ فرفع إلي بصره فقال: لا ، فقلت: الله أكبر ......إلخ.

ووجه الدلالة منه ظاهر ، فإن عمر رضي الله عنه لم يجزم بخبر الأنصاري بل ذهب يسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بنفسه ولو كان خبر الآحاد يفيد القطع لجزم بخبره ، ثم إن الأمر كان بخلاف ما أخبر به الأنصاري وهذا دليل آخر على أن خبر الآحاد لا يفيد اليقين ، ثم إن هذا الحديث قد جاء بلفظ آخر وهو دليل آخر على أن الآحاد لا يمكن أن يجزم بمقتضاه كما لا يخفى ذلك على الفطن. والله أعلم.

(11) ثبت عن جماعة من صحابة رسول الله أنهم قد ردوا بعض الأحاديث الآحادية بمجرد معارضتها لبعض الظواهر القرآنية أو لبعض الروايات الأخرى ، فلو كانت أخبار الآحاد تفيد القطع لما ردوها.

آخر تحرير بواسطة المستبلي : 10/11/2005 الساعة 06:52 PM