(
غُزَية) الدراما العمانية (2)
يكتبها اليوم: سليمان المعمري
تحدثتُ فـي هذه الزاوية قبل أسبوعين عن رؤيتي للدراما العمانية بربطها ببيت شعري قديم للشاعر دريد بن الصمة يقول:
وما أنا إلا من غُزَيةَ، إنْ غَوَتْ
غويتُ .. وإنْ ترشدْ غُزَيةُ أرشدِ
وقلتُ إن (غُزية) المقصودة هنا هي الرقابة على النص الدرامي قبل إنجازه.. هذا النص الذي يتناسب إقبال متلقيه عليه - بعد تنفيذه - تناسبا طرديا مع درجة بسط أو قبض المساحة المسموح للمؤلف التحرك فـي فضاءاتها، دون أن ننسى بالطبع الشرط الأهم وهو إلمام الكاتب بشروط الكتابة الدرامية.. وهذا الشرط الأخير هو المعول عليه كثيرا لجعل المشاهد/المستمع يلهث وراء الأحداث دون أن يجد فرصة لالتقاط الأنفاس.. وإذا كان الكاتب جيدا يستطيع فـي تصوري أن يصنع من (حبة) حدث عادي مكرور (قبة) كبيرة تظلل تحتها الجميع.. وبما أننا نتحدث عن الدراما العمانية سأستشهد بمسلسل قديم نسبيا نجح إذاعيا فحُول تلفزيونيا ليصادف نجاحا أكبر، رغم أن قصته لا تعدو أن تكون مواقف يومية عادية تحصل بين زوجين شابين.. انه مسلسل (يوميات سعيد وسعيدة) الذي ألفه المبدع أحمد بن درويش الحمداني وابتكر فيه الشخصية الكوميدية التي ستمسك بخناق الفنان سعود الدرمكي طوال حياته، ألا وهي شخصية (سلوم الحافـي).. وإذا علمنا أن عددا من أعمال أحمد درويش الدرامية قد فازت بجوائز فـي مهرجانات عربية (منها مسلسل (إنسان من هذا الزمان) الذي طالب الشاعر مسعود الحمداني قبل حوالي شهر بتحويله إلى مسلسل تليفزيوني، وهي المطالبة التي أضم صوتي إليها بالتأكيد) إذا علمنا ذلك ازددنا يقينا بأن أزمة الدراما العمانية ليست أزمة كتابة، حتى وانْ سلّمنا بأن الكتاب الجيدين يعدون على أصابع اليد الواحدة، بقدر ما هي أزمة ما هو مسموح بتناوله فـي كتاباتهم، خاصة إذا علمنا أن إحدى أصابع هذه اليد الواحدة وهو الكاتب أحمد بن سعيد الأزكي طالب خلال حوار له العام الماضي مع البرنامج التلفزيوني رمسة بتخفيف القيود المفروضة على الرقابة.
على أن إبراز إيجابيات المجتمع العماني - كما صرح المخرج أنيس الحبيب فـي خَطه للطريق الذي سيسير عليه مسلسل (الاتجاهات الأربعة) - وعلى ما يحمله هذا الأمر بين ثناياه من نبل وحُسْن طوية، إلا أنني لا أتصوّر أنه قادر فـي المستقبل على إنتاج دراما قوية تصمد فـي وجه الإعصار الدرامي القادم من الفضائيات، وذلك لعدة أسباب سأذكر منها اثنين فقط:
أولا: لأن الدراما الحقيقية تعتمد فـي جوهرها على الصراع الذي يكون عادة بين الخير والشر، أي بين ما هو إيجابي وما هو سلبي.. و هي الفكرة التي عبر عنها أحد الفلاسفة بقوله: إن (الوضعية الغنية بالتصادمات تعتبر المادة الأساسية للفن الدرامي).
ثانيا : الأمور الإيجابية فـي الغالب هي القاعدة، والسلبيات هي الاستثناء، وبديهي أن الاستثناء هو القادر على الإدهاش أكثر من القاعدة، فإذا كانت القاعدة أن نرى كل يوم رجلا يشرب من نهر عذب ويغادر، فانه مع الوقت سيصبح هذا فعلا روتينيا لا يمكن أن يدهشنا إلا إن حصل الاستثناء فوجد ذات يوم طعم الماء متغيرا ووقف يفكر فيما سيفعله لنتوقف معه نحن أيضا شاحذين مخيلاتنا لمساعدته.
وإذا كان لدينا كتّاب دراما جيدون فان ما ينقص الدراما العمانية ليس سوى وقفة قصيرة مع الذات، والتخلي عن دور النعامة التي تدفن رأسها فـي الرمل بحجة عدم تشويه صورة المجتمع أو نشر غسيله على الملأ.. ذلك أن المشاهد النموذجي الذي أظن أن الدراما ترغب فـي الوصول إليه هو ذلك الذي لا يكتفي فقط بالتسلية (المطلوبة بكل تأكيد) بل أيضا ذلك الذي يسعى لأن يشعر بعد مشاهدته للعمل الدرامي أن أشياء كثيرة داخله قد تغيرت.. انه المشاهد الذي عبر عنه المخرج المسرحي بيتر بروك فـي كتابه (النقطة المتحولة) بقوله : (إذا لم تجعلنا المسرحية نفقد توازننا أصبحت الأمسية كلها فاقدة للتوازن).. وإذا كان بروك يتحدث عن المسرحية فان مقولته هذه يمكن تعميمها على جميع الفنون وعلى رأسها الدراما التلفزيونية.. انه فقدان التوازن الايجابي الذي سيؤدي بلا شك إلى إعادة التوازن من منطلق أن معرفة المرض هو بداية الطريق للشفاء.
عمان
9/11/2005