السؤال (2)
هل يجوز للمرأة أن تزور قبر والديها وتقرأ بعض السور ؟
الجواب :
هذا السؤال له شقان : الشق الأول زيارة المرأة للقبور ، والشق الثاني القراءة على القبور .
أما الشق الأول فإن الروايات الكثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلّم تدل على منع المرأة من زيارة القبر ، والحكمة في ذلك أن المرأة سرعان ما تثور عاطفتها وتتأجج مشاعر الحزن في نفسها عندما تذكر أحد أقربائها الذين توفوا أو أحداً من الأعزة في نفسها غادر هذه الدنيا ، وقد يؤدي بها ذلك إلى العويل والبكاء ، فلذلك مُنعت من زيارة القبور ، بل جاء التشديد في بعض الروايات إلى اللعن ، إلى لعن زائرات القبور لأجل هذا المعنى .
ولأجل هذا ذهب الجمهور إلى المنع من الزيارة ، بينما هناك من ترخص في الزيارة بسبب ما روي عن السيد أم المؤمنين عائشة رضي الله تعالى عنها أنها زارت قبر أخيها .
وعلى أي حال هذا فعل صحابية وإن كانت هي في بيت النبوة ، وفعل الصحابي لا يمكن أن يعارض سنة قولية أو فعلية عن رسول الله صلى الله عليه وسلّم .
وإنما يمكن أن يقال بأن السيدة عائشة رضي الله تعال عنها فقهت من هذا الحديث بأن المرأة إنما نُهيت عن زيارة القبور وشُدد عليها في ذلك خشية أن تتأثر بحيث تتفجر مشاعر الحزن في نفسها ويؤدي بها ذلك إلى أن لا تملك نفسها ولا تسيطر على أعصابها وهي كانت واثقة من نفسها أنها مسيطرة على أعصابها وقادرة على التحكم في عواطفها ومشاعرها فلذلك زارت قبر أخيها .
وبهذا يمكن أن يقال بأن المرأة الواثقة تمام الثقة من نفسها بأنها لا تتأثر ولا تنزعج ولا يؤدي بها الحال إلى العويل ونحوه عندما تزور ، وإنما تزور للاتعاظ والذكرى فحسب ، فلا حرج عليها ، يمكن أن يقال ذلك ، ويُحمل الحديث على ما إذا كان المرأة غير آمنة من أن تأتي بما لا يُحمد منها .
وأما القراءة على القبور فنحن الذي نأخذ به ونعوّل عليه أنه لا يقرأ القرآن على القبور ذلك لأن القرآن قراءته عبادة ، والنبي صلى الله ليه وسلّم شدّد في اتخاذ القبور مساجد وقال عليه الصلاة والسلام : لعن الله اليهود اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد . وهو أيضاً صلوات الله وسلامه عليه قال : اقرءوا القرآن في بيوتكم ولا تجعلوها قبورا . هذه إشارة إلى أن القبور لا يُقرأ فيها القرآن الكريم فلذلك شدّد عليه أفضل الصلاة والسلام هذا التشديد .
هذا كله مما يدل على أن الإنسان يؤمر أن لا يقرأ القرآن على القبور ، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلّم ، وهو صلى الله عليه وسلّم عندما زار القبور لم يزد على الدعاء والتسليم على الأموات ، ما زاد شيئاً فوق ذلك ، بحيث لم يقرا قرآناً ، ولم يأت بعبادة من العبادات كالصلاة أو نحوها بل شدّد في الصلوات في المقابر ، وهذا الهدي هو الذي يجب أن يُلتزم وأن لا يُخرج عنه ، وقد أجاد الإمام السالمي رحمه الله تعالى عندما قال :
أتُعمرن قبورنا الدوارس *** ويترددن إليها الدارس
وهذه المساجد المعدة *** نتركها وهي لذاك عدة
والمصطفى قد زارها وما قرا *** إلا سلاماً ودعا أدبرا
حسبك أن تتبع المختارا *** وإن يقولوا خالف الآثارا
فنحن نرى أن نقتصر على ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلّم وندع ما زاد عليه ، والله تعالى أعلم .