عرض المشاركة وحيدة
  #1  
قديم 14/06/2005, 01:58 PM
أبو زياد أبو زياد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 27/05/2001
المشاركات: 1,254
سؤال أهل الذكر 5 من جمادى الأولى 1426هـ ، 12/6/2005م

فهرس أسئلة وأجوبة برنامج سؤال أهل الذكر

فهرس حلقات برنامج سؤال أهل الذكر


سؤال أهل الذكر 5 من جمادى الأولى 1426هـ ، 12/6/2005م

الموضوع : عام

السؤال (1)
بماذا تفسرون عناية بعض غير المسلمين بالقرآن الكريم دراسة وتفسيراً وترجمة لبعض آياته أو للمصحف نفسه ثم بعد ذلك يصلون إلى مرحلة الإعجاب ومنهم من يستغل مثل هذه الثقافة إلى التشكيك ، غير أن منهم من لم يدخل الإسلام من منطلق هذه الثقافة التي اكتسبها في تطوافه مع آيات الكتاب العزيز ؟


الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإن الله تبارك وتعالى اقتضت حكمته البالغة أن يقرن دعوات أنبيائه بمعجزات تُثبت أن هذه الدعوات ليست هي من تلقاء أنفسهم وإنما هي وحي أوحاه الله سبحانه وتعالى .

فكل نبي يقرن الله سبحانه وتعالى دعوته بمعجزة ، أي قضية خارقة للعادة ، خارجة عن مألوف البشر بحيث تعجز عنها ملكات البشر .

وقد كان ذلك ملائماً للأمم الذين كانت فيهم نبوات هؤلاء الأنبياء ، فكل نبي تكون معجزته منسجمة مع البيئة التي كانت فيها رسالته .

فنبي الله تعالى موسى عليه السلام كانت معجزته آية بينة من عند الله سبحانه وتعالى تدل على أنها ليست من سحر الساحرين لأن الناس كانوا قد خبروا السحر وعرفوه ودرسوه واهتموا به ، فعندما جاءهم بهذه الآية تبين أنها خارجة عن نطاق السحر وأنها ليست من مقدور البشر فلذلك آمن السحرة ( قَالُوا آَمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ ) (الأعراف:121-122) ، وسجدوا لله سبحانه وتعالى .

ونبي الله تعالى عيسى عليه السلام بُعث في أرض الشام ، في جزء من الأرض التي كانت تمتد إليها سلطة الإمبراطورية الرومانية ، وكانت تشع عليها حضارة الرومان . ومن المعلوم أن الرومان هم ورثة الحضارة الإغريقية ، فهم ورثوا حكماء اليونان ، فكان مما ورثوه الطب ، فكانوا متقدمين في هذا المجال ، فلذلك كان الناس على علم بالطب وما يقدر عليه وما يعجز عنه ، وعندما جاء عيسى عليه السلام بإبراء الأكمه والأبرص وإحياء الموتى عرفوا أن ذلك ليس من مقدور طبيب أن يأتي بمثله .
وهذه الدعوة التي بُعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم لم تكن دعوة موقوتة بزمان ولا محدودة بمكان ولا كانت لشعب دون آخر وإنما كانت للإنسانية بأسرها بل كانت للعالمين ( لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)(الفرقان: من الآية1) .

وكانت هذه الدعوة ولا تزال دعوة مستمرة في أعقاب الأجيال التي جاءت بعد عهد النبوة جيلاً بعد جيل ، فجميع هذه الأجيال إنما هي مخاطبة بهذه الدعوة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها .
وقد شهدت الساحة البشرية كثيراً من التطورات في خلال هذه القرون الغابرة ، ولا ريب أن المعجزة التي بعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلّم كانت معجزة متلائمة منسجمة مع هذه الظروف المختلفة المتباينة .

فالقرآن الكريم أنزله الله سبحانه وتعالى على قلب هذا النبي الأمي الذي لم يكن من كتاب ولا يخطه بيمينه ، ومع ذلك اشتمل على ما اشتمل عليه من العجائب التي حارت منها ملكات البشر .

ولئن كانت رسالات المرسلين من قبل تُقرن بمعجزات كونية ، معجزات تنقضي بانقضاء زمنها فإن هذه المعجزة كتب الله تبارك وتعالى لها البقاء لأن هذه الرسالة أيضاً هي مهيمنة على كل الرسالات السابقة ، وهي لا تنحصر في إقليم من هذه الأرض ، ولا في شعب من شعوبها ، ولا في زمن معين من الأزمان التي تتعاقب بعد بعثة الرسول صلى الله عليه وسلّم ، وإنما هذه رسالة ممتدة عبر القرون إلى أن يأتي أمر الله سبحانه وتعالى ، فلذلك كانت هذه الرسالة معجزتها من صميمها ، كانت معجزتها غير منقضية بانقضاء زمن البعثة النبوية ، وإنما كانت هذه المعجزة يشع شعاعها على العالم بأسره في كل عصر من العصور .... بين قوم من العرب كان اللسان عندهم هو أسمى مفاخرهم التي يفاخرون بها ، فبقدر ما يكون الإنسان يكون بليغاً في قوله سواءً كان شعراً أو كان نثرا تكون مكانته بين الناس مكانة مرموقة ، فإن العرب لأجل ولعهم بالفصاحة والبلاغة كانوا يُقتادون من ألسنتهم ، فجاء القرآن الكريم ليقود العرب من ألسنتهم ، جاءهم بهذه المعجزة الباهرة التي أدرك العرب من خلالها أنها لا يمكن أن تكون بأي حال من نسيج أحد من البشر أو من نسيج جماعة من البشر وإنما هي من وحي الله سبحانه وتعالى الذي هو على كل شيء قدير والذي هو واهب القُوى والقُدَر ، فإذا بهذه المعجزة تتحير منها ألباب العرب من حيث البلاغة ، فالقرآن الكريم جاء بأسلوب بل بأساليب لم تكن من مألوف العرب أن يأتوا بمثلها وعجزوا عن محاكاتها رغم محاولتهم ذلك واستنفار طاقاتهم ومحاولتهم أن يصدوا عن هذا الوحي بأي ناحية من النواحي .

على أن هذا الأثر الإعجازي من حيث التعبير القرآني لا يزال صداه في هذا العالم بأسره سواء عند من نشئوا على اللغة العربية أو عند من درسوا هذه اللغة فإنهم جميعاً يدركون أن هذا الأسلوب القرآني هو فوق أساليب جميع البشر ، ولا يستطيع إنسان بمثله .

وإنما مثل هذا القرآن ( ولله المثل الأعلى ) ، مثل هذا القرآن في كونه متركباً من حيث الكلمات ومن حيث الحروف من نفس الكلمات التي تستخدمها والعرب ومن نفس الحروف التي تستخدمها العرب كمثل صنع الإنسان وصنع الله تعالى .

فالمادة التي يصنع منها البشر ما يصنعونه من الآلات التي تتكون من مادة التراب هي معروفة ، هي مادة جامدة قد يجيد الإنسان صنع إناء مثلاً من مادة التراب ويجيد نقشه ويجيد أن يزوّقه بما يزوّقه به حتى يكون يلفت الأنظار ويكون يستهوي القلوب ولكن مع ذلك يظل جامداً ، يظل جمادا لا حراك له ولا إرادة له ولا إحساس له ، بينما الخالق سبحانه وتعالى صنع الإنسان من هذا التراب أيضاً ، فقد خلقه من التراب وإذا بهذا الإنسان ينفخ الله تبارك وتعالى نفخة غيبية من روحه فيخرج هذا الإنسان عن طبيعة التراب وطبيعة المصنوعات من التراب بحيث يكون بشراً سوياً سميعاً بصيراً عاقلاً مفكراً مدبراً يؤتى من الملكات ما يؤتاه ، فكذلك القرآن الكريم فيه نفخة من سر الله تعالى مع كونه متركباً من هذه الحروف التي يتركب منها الكلام العربي ، وهو أيضاً جُمَله مركبة من المفردات التي تستعملها العرب في كلامهم ولكن مع ذلك فيه من السر الغيبي ما حير الألباب ، وهذا الذي اعترف به غير المسلمين .
نجد من المستشرقين من درسوا القرآن وأدركوا هذا السر الغيبي في القرآن الكريم بأنه سر لا يمكن لملكات البشر أن تصل إلى مثله في كلامهم أبداً .

فنجد أحد المستشرقين عندما تعرض لما قاله البعض بأن النبي صلى الله عليه وسلّم لم يأت بآية مثلما جاء الأنبياء من قبل بالآيات ، تعقب بعض المستشرقين هذا الكلام فقال ( لقد كان محمد يتلو القرآن والهاً مُدلَّهاً فيأتي بما لم تأت به آيات الأنبياء من قبل بحيث يؤثر على الناس تأثيراً لم تؤثره آيات الأنبياء من قبل ) .

وكذلك عندما طُلب من أحد المستشرقين الفرنسيين أن يترجم اثنتين وستين سورة من سور القرآن ، وكان ذلك بتكليف من قبل وزارة الخارجية والتربية الفرنسيتين ، وكان هذا قبل نحو قرن من الزمن أو ما يقارب ذلك ، كتب مقدمة لهذه الترجمة جاء فيها ( بأن القرآن لا يمكن أن يستوفي معناه أسلوب إلا أسلوبه الخاص ، ولا لغة إلا لغته الخاصة لأن أسلوبه أسلوب إلهي فلذلك أعجز البشر بسحر بيانه ) . هكذا يقول هؤلاء .

ونجد العرب الأوائل تحدثوا بما تحدثوا له عن عجبهم من هذا القرآن وتأثيره عليهم .
ونجد أيضاً من المتأخرين من تحدث بإعجاب عن القرآن الكريم كما ذكرنا من قبل عن ( شبلي شميل ) الذي وصف النبي صلى الله عليه فقال في وصفه :

دع من محمد في سدى قرآنه *** ما قد نحاه للحمة الغايات
إني وإن أكُ قد كفرت بدينه *** هل أكفرن بمحكم الآيات
أو ما حوت في ناصع الألفاظ من *** حكم روادع للهوى وعظات
وشرائع لو أنهم عقلوا بها **** ما قيّدوا العمران بالعادات
نعم المدبر والحكيم وإنه *** رب الفصاحة مصطفى الكلمات
رجل الحجا رجل السياسة والدهى *** بطل حليف النصر في الغارات
ببلاغة القرآن قد غلب النهى *** وبسيفه أنحى على الهامات

وكذلك الشعر العربي النصراني ( القروي ) الذي كان معروفاً بالشاعر الخوري كذلك في وصيته التي كتبها قبل نحو ما يقارب ثلاثين عاماً من الآن عندما بلغ تسعين عاماً جاء في وصيته هذه ( ... وتصديقاً مني بنبوة نبينا العربي وإعجاباً مني بمعجزته القرآن أردت أن أكون قدوة لأخواني أدباء النصرانية فأدخل في دين الله ... )

، هكذا يعترف بأن هذه المعجزة معجزة تمتلك ألباب البشر .

هذا من حيث الأسلوب أو بتعبير آخر من حيث الشكل ، أما من حيث المضمون فحدّث ولا حرج عن إعجاز القرآن ، فإن القرآن الكريم حيّر الألباب من حيث إخباره عن الحقائق الكونية التي لم تكن تتصور من قبل ، وهذا ما وعد به في آياته ، الله تبارك وتعالى يقول ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كَانَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ثُمَّ كَفَرْتُمْ بِهِ مَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ هُوَ فِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ * سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ * أَلا إِنَّهُمْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَاءِ رَبِّهِمْ أَلا إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطٌ ) (فصلت:52-54) . فالقرآن وعده ظاهر بأن هذه الآيات ستتكشف للناس في أنفسهم وفي آفاق هذا الكون ووقع ذلك فعلاً ، حتى أن الذين لم يكونوا من قبل على الإسلام وقفوا مبهورين أمام هذه الآيات كما ذكرنا فيما سبق عن الدكتور ( موريس بوكاي ) الذي كان على غير الإسلام وتحير مما قرأه في القرآن الكريم من الآيات التي تدل على الحقائق الطبية التي لم تكن تتصور للناس من قبل ، ولم يكتشفها البشر إلا بعد مضي ثلاثة عشر قرناً فصاعداً من تاريخ نزول القرآن الكريم ، وألف كتابه الذي سماه ( العلم في التوراة والإنجيل والقرآن ) وكان ذلك قبل إسلامه ، وبيّن أنه من خلال دراسته –الدراسة العملية للقرآن الكريم- تبين له أن هذا القرآن هو الكتاب الوحيد الذي لم تمسه يد التبديل والتغيير ، وأنه ظل باقياً كما هو إلى الآن .

هذا من هذه الناحية ، أما من ناحية التشريع ومن ناحية الأخلاق فإن جميع ملكات البشر تعجز عن تأتي بمثل شيء من تشريع القرآن الكريم .

فمهما كانت تجارب البشر والدراسات النفسية والاجتماعية التي تمر بها الدراسات القانونية حتى تُخرج للناس كل ذلك إنما يبقى في حدود طاقات البشر وقدرات البشر وعقول البشر ثم ينكشف عوار ذلك بعد ذلك ويصبح الناس في حيرة أمرهم وإذا بالقرآن الكريم تشريعه يظل صادماً أمام التحديات الإنسانية والأطوار البشرية واختلاف موجات العقول بين حين وآخر وهكذا ، فهذا الذي يحير الألباب .

ولكن مع ذلك إن الله تبارك وتعالى غالب على أمره يهدي من يشاء ، ويضل من يشاء ، بيده الخير ، الله سبحانه وتعالى يهدي للإسلام قلوباً كانت من قبل غُلفا ، وأبصاراً كانت من قلب عمياً وأسماعاً كانت من قلب صما ، وهناك من يتفتح على الحقائق الكونية والدراسات القرآنية ويجد ما في الكون ينطبق تمام الانطباق على ما أخبر عنه القرآن الكريم مع أن البشر لم يكونوا يتصورون ذلك ويصل إلى قناعات من ناحية التشريع ومن ناحية الأخلاق ومن كل ناحية من النواحي التي تضمنها القرآن الكريم ، ولكن مع ذلك يظل هؤلاء مستمسكين بما كانوا عليه غير قادرين على أن يؤمنوا بهذا الحق الذي أبصرته عيونهم ووعته عقولهم وأدركته مشاعرهم وحواسهم ، يظلون مستمسكين بما كانوا عليه .
ومما يؤسف له أن نجد مع هؤلاء يندفع جماعة ممن ينتسبون إلى الإسلام ويدّعون أنهم ينحدرون من أصول إسلامية وإذا بهؤلاء يرددون كالببغاوات ما عسى أن يكون صدر من هذا أو من ذاك ، فتارة يقولون بأن القرآن إنما هو من نسيج البشر ، وتارة يقولون بأن هؤلاء الأنبياء ما كانوا إلا فلاسفة ، وهكذا تصويرهم للواقع بسبب أنهم يريدون أن يظهروا بمظهر المتطور عندما يقلدون الآخرين .
والقرآن يظل صادماً أمام هذه التحديات إلى أن يأتي أمر الله سبحانه وتعالى .