|
يؤسفنا أن يستغل بعض الناس هذ المنبر ـ الذي وضع في الأصل لنفع الناس ـ للحملات المذهبية .
وأنت إذا تدبرت الردود والاعتراضات من كل فريق وجدتَها لا تعدوأن تكون محاكاة لكلام قيل من قديم الزمان ، مع تقديم وتأخير ، وبتصرّف ! مع أنّ لكل زمان ملابساته وضروفه التي لا بد أن تعتبر .
وأنا لا أدري ما الداعي إلى طرح أمثال هذه الموضوعات في مثل هذا المنبر ؟! وما هو المبرر لذلك ؟!
فالعلماء هم من يحق لهم أن يطرحوا مثل هذه القضايا إن رأوا الحاجة إلى ذلك ، فليس هذا مجلسا للعلماء حتى يطرح الواحد سؤالا ، والإنسان مأمور أن يأخذ دينه عمن يثق به في دينه ، وقد قال التابعي الجليل محمد بن سيرين : " الأمر دين فانظروا عمن تأخذون دينكم ".
وليس هذا مكتب الإفتاء حتى يستفتى أصحاب هذا المنبر ، ويقول كل برأيه !
وإن من أعجب العجائب أن تحترَم جميع التخصصات العلمية ، فلا يخوض فيها من ليس من أهلها إلا الدين فتجد كل إنسان ( المفتى العام للسلطنة أو عضو هيئة كبار العلماء ، أو مفتي الديار المصرية ، أو أحد مراجع الحوزة العلمية ) فإنا لله وإنا إليه راجعون .
وأعجب من ذلك أن يحرص الإنسان على استشارة أصحاب التخصصات الذين طار صيتهم في الآفاق في أمور المعيشية والصحية ، ولا يفعل ذلك لدينه فالله المستعان على هوان الدين على كثير من الناس !
وإنما حسب الناس أن يدلوا المستفتي على العلماء ويرشدونهم إلى جواب ما يستفتون من كتب أهل العلم الصالحين .
وأرى أنّ الذي يطرح هذه الموضوعات في هذه المنتديات التي تحوي صافي الصدر من هذه الخلافات التي تفرق ولا تجمع ، وتشتت ولا توحد ، وتنفِّر ولا تؤلف ، وتحوي المتعرف على هذا الدين أحد رجلين :
إما مفلس من العلم وليس في كيسه إلا هذه المسائل النزاعية ، وسبيل هذا أن يدرك أن الدين بحمد الله أوسع من أن يحصر في قمقم الخلافات المذهبية التعصبية ، وأن مائدة القرآن الكريم والسنة المشرفة مرتع خصب لمن أمهما ، وكرع من نميرهما ، وأن فضاء الاتفاق أوسع من مضائق الاختلاف فلنسلط الضوء عليها ، والعالَم متعطش لما بين أيدينا من الخير فليضع كل واحد منا لبنة لنبني مجدا لأمتنا .
وإما رجل في قصده دغَل يحب أن يشيع الخلاف في الذين آمنوا ، وهمه أن تتناحر الأمة فهذا في الحقيقة محسوب على الإسلا م ولا بد أن يوقف عند حده ، وإلا فما معنى اجترار لهذه الأمور التي ما جنينا منها إلا الوحشة والفرقة ؟! والمشرفون لهم دور في حسم هذه المادة ، وإني أخشى أن تكون هذه التعصبات بوابة إلى النزاعات في البلد الواحد ، ونحن وجميع المسلمين في غنى عن ذلك .
فعسى أن يلقى ما قلته وقاله الأخ ( هاي عمان ) ومن عسى أن يشاركنا في الفكرة قبولا وأذنا واعية .
وإنكم ـ بهذا ـ في هذا المنبر تكونون ـ إن شاء الله ـ قد أحرزتم قصب السبق في نزع هذا الفتيل ، وستحذو بإذن الله سائر المنابر حذوكم .
" إن أريد الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب " .
|