|
}{}{السلطة البوليسية وحرية التعبير...قراءة الواقع و تساؤلات المستقبل}{}{
بسم الله الرحمن الرحيم
الصورة الاولى:
ما زلت اتذكر كيف استطاع شبابنا احتلال منطقة الخوض عندما فاز المنتخب الاول على منتخب البحرين، وكيف قاموا بعرقلة حركة المرور واضرام النار في احد الدوارات ورش الماء من احد ناقلات المياه، ومهاجمة بعض المحلات التجارية، ناهيك عن "التخميس" و" التعفيص". لتأتي بعدها قوات مكافحة الشغب لتضرب كل من تقابله امامها، حتى بعض صغار السن من عمر 13 سنة لم يسلموا من هراوات رجال مكافحة الشغب. وقفت الشرطة في محطة وقود "نفط عمان"، وكل من تسول له نفسه الوقوف في تلكم المحطة فهو متهم، قام البعض بتصوير مشاهد الضرب عن طريق الفيديو الا ان رجال مكافحة الشغب ارغموا المصورين على مسح ما تم تصويره. وبعد فوز المنتخب بلقب الوصيف، قامت الحكومة بلم الجميع في مجمع السلطان قابوس الرياضي لاحتواء وقوع مشاكل اخرى كتلك التي حصلت قبلها.
الصورة الثانية:
معلقة قلوبهم، ارواحهم بلغت الحلقوم، تسارع نبضهم، فاضت اعينهم بالدمع وهم يشاهدون تلكم الاسئلة الحائرة على وجوه اطفال المعتقلين وزوجاتهم وابائهم. و فار التنور، وانطلقت اصواتهم بالتهليل والتكبير ونداءات الامل، بعد ان فقدوه في استقلالية القضاء ونزاهته، ليبقى لديهم امل واحد لتحقيق العدالة، الا وهو الحكمة السلطانية، باستصدار عفو في اسرع وقت، وانهاء هذه المهزلة. مشى الجميع في مسيرة سلمية، لم يضروا فيها زهرة واحدة، لتقف قوات مكافحة الشغب في وجههم، وليأتي مشهد الهراوات مرة اخرى لتضرب هنا وهناك دون هوادة ودون رحمة، وتهدد قوات مكافحة الشغب بعدها بانتهاك حرمة المسجد ما لم ينهى الاعتصام السلمي في غضون عشر دقائق، وتصادرة بذلك حرية المرء في التعبير عن مشاعره بشكل سلمي. لتسيل بذلك اولى قطرات دم عمانية حرة على هذه الارض الطاهرة، لا لشيء الا لان الانسان العماني بدأ يعرف كيف يعبر، وكيف يتظاهر، وكيف يرفض ان يقع الظلم على غيره، ناهيك ان يقع على نفسه..!!
هنالك عدة دالات نستخلصها من الصورتين اعلاه، الا اننا سنركز على دالة مهمة جدا وهي بداية سياسة جديدة من السياسات البوليسية التي طالما سمعنا عنها في البلدان الديكتاتورية – وفي بعض الاحيان في البلدان الديموقراطية – والتي لم نكن نأمل ان ترتسم هذه الصورة في بلادنا الحبيبة. لنتسائل بعدها من الذي يقف خلف هذه السياسة البوليسية..؟؟ وما هي الدوافع خلف ظهورها بهذا الشكل الفجائي..؟؟
اذا عدنا بالذاكرة وراءا عند خروج بعض المظاهرات العمانية في عهد معالي الوزير هلال المعولي عندما كان في منصب قيادة السلطة البوليسية، نجد انه لم يستخدم فيها العنف في اي مسيرة او تظاهرة "سلمية". فقد خرجت مسيرات لمناصرة الانتفاضة الفلسطينية وقوبلت بكل احترام، وبعدها خرجت مسيرة لطلاب الجامعة ضد الحرب على العراق وقوبلت هذه المسيرة ايضا بكل احترام. ولكن مع قدوم احد افراد الحرس القديم الى قيادة الشرطة العمانية السلطانية تغير الوضع تماما، فهاهي المسيرات السلمية تقمع بالهروات وغيرها من ادوات الارهاب، وها هم المتظاهرون يزجون بالعشرات في الزنازن، وها هي اصوات الحرية والحقيقة تصادر..!!
العنف الذي اتسمت به المسيرة الاخيرة يجب ان تظهر لنا الصورة الاكبر لواقع حرية التعبير السلمي في البلاد، وهي ان المنتولوجية التي تتسم بها القيادة البوليسية الحالية متهمة وبشكل علني بمصادرة حرية التعبير. ها هو العنف يستخدم ولاول مرة في تاريخ النهضة ضد العمانيين المسالمين، وها هي دماء حرية التعبير تسيل على ارض عمان الطاهرة، ويزيد رقم المعتقلين من المشائخ الاجلاء رقما جديدا، بعدما اعتقل الشيخ عبدالله بن عامر العيسري، والذي حاول جاهدا ان يلعب دور الوسيط بين قوات مكافحة الشغب وبين المتظاهرين، بل حتى الاطفال لم يسلموا من ملاحقة قوات مكافحة الشغب لهم، فهاهو احد رجالاتهم يلاحق ابن عم لي يبلغ من السن حوالي 12 سنة، ليحتمي ابن عمي داخل المسجد خلف احد المعتصمين، ربما ذلك لغرس بذور الخوف والارهاب في نفوس الاطفال حتى لا يفكروا في القيام بمثل هذه المسيرات لاحقا..!!
لقد عملت الحكومة جاهدة على لم المسيرات الغوغائية والتي اتسمت بالتدمير العشوائي بعد فوز المنتخب بلقب الوصيف في مكان واحد بحيث يمكن السيطرة عليهم، وتركهم يعبروا عن فرحتهم - مع تحفظنا على طريقة التعبير – في مجمع السلطان قابوس في بوشر. لكنها لم تفكر ابدا ان توجه المسيرة السلمية الى بعض الطرق التي لا يمكن ان تؤثر عليها سلبا او ان تطلب – على اقل تقدير – من المتظاهرين الذهاب الى مجمع السلطان قابوس وتركهم يعبرون عن رايهم هناك بشكل حضاري وسط حضور اعلامي محلي ودولي يعيد شيئا من ماء وجه الحكومة بعد ان جف وجهها من خلال تعاملها مع قضية المعتقلين برمتها. وها هي محطات الاخبار تنقل الصورة المشوهه الحقيقية لواقع حرية التعبير في السلطنة، في حين كان يمكن للسلطة البوليسية ان تكسب قضية التظاهره لصالحها وتبييض وجه الحكومة..!!
ونطرح هنا بعض التساؤلات، هل تعرف السلطة البوليسية كيف تفرق بين ظواهر الشغب التدميري وبين حرية التعبير السلمي..؟؟ ما هو مستقبل حرية التعبير في البلد مع وجود هذه المنتولوجية عند السلطة البوليسية، والتي ضربت المسيرة الاخيرة نموذجا على محاولتها القمعية ضد من تسول له نفسه ان يعبر عن راييه بكل شفافية وبكل حرية..؟؟ هل سيغلق المواطن الشريف فاه، ويبلع المقهور لسانه بعدما حصل، خوفا من هراوات قوات مكافحة الشغب..؟؟ او ستتغلب الرغبة الجامحة لدى المواطن على ممارسة حقه الطبيعي في حرية التعبير على السياسة البوليسية الشرسة..؟؟!!
ان بلادنا اليوم تقف امام مفترق طرق، ومستقبل مجهول، بين قراءة نظرية تفائلية، وبين واقع مرير لا ينذر الا بمرحلة صراع صعبة بين السياسة البوليسية الشرسة وبين براعم الحرية التي انعشتها قضية المعتقلين. ليسلخ الليل من النهار فيعم الظلام الدامس، وينبلج بعدها النور من قلب الظلام، ويأتي الفرج من غياهب الازمة، ويولد اليسر من رحم العسر..!!
تحياتي..!!
|