|
جريمة الزنى وحكمها
الزنى جريمة نكرة بشعة شنعاء يترتب عليها مضار كثيرة وكبيرة من ذلك تفكيك الأسرة وحرمان الزوجين من عشرة طويلة وحرمان أولادهم من حنان ورعاية وتربية أبويهم وتشريدهم وضياعهم الأمر الذي يؤدي إلى خلق مجتمع فاسد
لا يرتكز على أسس أسرية متينة وخلق العداوة والبغضاء والكراهية بين الآباء والأولاد وبين الأسر المتصاهرة وصرف الحقوق المادية والمعنوية لعير مستحقيها واختلاط الأنساب عن طريق الزواج المحرم عن جهل وما إلى ذلك من هتك وتدنيس للأعراض وانحطاط للعفة والكرامة وإفساد للقيم والأخلاق , ولردع تلك الجريمة فرض الله على مرتكبيها حدا يتناسب مع فعلتهم القبيحة التي تتنافى مع الفطرة السليمة حيث جعل عقوبتهما علنية يشهدها جمع من الناس كي يبقى الجاني موصوم بالإيلام النفسي , ويلحق به الخزي والذل والعار مدى حياته لأنه عذاب نفسي قبل أن يكون جسديا ونظرا لما يترتب على مرتكبي تلك الجريمة من العذاب الجسدي والنفسي وما يلحق به وبأسرته وأقاربه من شماتة وخزي ومذلة ومهانة في أوساط المجتمع الذي يعيش فيه وحرمانه من المصاهرة, من جرّاء تلك العقوبة
فقد حذر الله كل من تسوّل له نفسه إلصاق تلك الجريمة بالأبرياء وأوجب عليهم حدا لا يقل عن حد مرتكبي تلك الجريمة بأكثر من عشرين جلدة حرصا منه تعالى على حفظ وصون أعراض الأبرياء وكرامتهم
كما سيأتي بيان ذلك كله من خلال الآيات الربانية التالية :
قال تعالى:
(سورة أنزلناه وفرضناها وأنزلنا فيها آيات بينات لعلكم تذكرون* الزاني والزانية فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين * الزاني لا ينكح إلا زانية أو مشركة والزانية لا ينكحها إلا زان أو مشرك وحرم ذلك على المؤمنين)النور 1,2,3
إن تلك الآيات البينات ترشد إلى الآتي :
1- فرض الله في هذه السورة أحكاما متعددة وبيّنها وفصّلها للعبرة والعظة كما هو شأن القرآن.
2- أوجب الله على مرتكبي جريمة الزنى ( مائة جلدة ) أيا كان أسمه وجنسه ومركزه الاجتماعي , وسواء كان متزوجا أو غير متزوج , لا فرق بين مرتكبيها لأن شأنها شأن جريمة السرقة وغيرها.
3- أوجب الله إقامة حد الزنى علانية أمام طائفة من المؤمنين , كي يكونوا على علم ومعرفة بمن أُقيم عليهم الحد للعبرة والعضة .
4- لا يجوز التستر على مرتكبي تلك الفاحشة أو إقامة الحد عليهم سرا , لأن ذلك يتنافى مع الإيمان بالله واليوم الآخر.
5- وصف الله حكم الزنى "بالعذاب" وبذلك أطلق الله عليه اسم "العذاب" عند كل آية تتحدث عن تلك الفاحشة
6- حرم الله على المؤمنين نكاح الزاني والزانية "أي الزواج منهم أو إليهم" , أو من أمثالهم من المشركين , لأن خُلُقهم يتنافى مع أخلاق المؤمنين .
وقوله تعالى:
(والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبل لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون * إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم) النور 4,5
أوجب الله على من يرمي "المحصنات" أي النساء العفيفات المحافظات المتحليات بالأخلاق والسلوك الحسن متزوجات وغير متزوجات , وسواء كنّ مسلمات أو غير مسلمات , بتلك الفاحشة ولم يأتوا بأربعة شهداء الأحكام التالية:
1- أن يُجلد ثمانين جلدة .
2- رفض شهادتهم في أي قضية مدى الحياة .
3- وصمهم الله بالفسوق , أي بالكفر والعصيان.
4- استثنى الله منهم التائب الذي ندم على ما اقترف وأصلح من شأنه
وقوله تعالى:
(والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهداء إلا أنفسهم فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله إنه لمن الصادقين* والخامسة أن لعنت الله عليه إن كان من الكاذبين * ويدرؤ عنها "العذاب" أن تشهد أربع شهادات بالله إنه لمن الكاذبين * والخامسة أن لعنت الله عليها إن كان من الصادقين )النور 6,7,8,9
هذه الآيات البينات ترشد إلى الآتي :
1- أوجب الله على من يرمي زوجته بتلك الفاحشة ولم يأت بشهود , أن يشهد أربع مرات على صدق دعواه , وأن يوجب على نفسه اللعنة , أي الطرد من رحمة الله , بشهادته الخامسة , إن كان كاذبا في دعواه .
2- أن يرفع حد الزنى عن زوجته , إذا أنكرت شهادة زوجها وشهدت أربع شهادات أنه كاذب في دعواه , وأن توجب على نفسها بشهادتها الخامسة غضب الله , إن كان زوجها صادقا في دعواه .
3- هذه الآيات بينت أن حكم الزنى الذي أطلق الله عليه اسم " العذاب" يشمل كل مرتكبي جريمة الزنى , متزوج وغير متزوج , حيث دفع عن تلك المرآة المتزوجة حد الزنى نظير شهادتها
بقوله: (ويدرؤ عنها العذاب)
وقوله تعالى: (ومن لم يستطع منكم طولا أن ينكح المحصنات المؤمنات فمن ما ملكت أيمانكم من فتياتكم المؤمنات والله أعلم بإيمانكم بعضكم من بعض فانكحوهن بإذن أهلهن وآتوهن أجورهن بالمعروف محصنات غير مسافحات ولا متخذات أخذان فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن "نصف" ما على المحصنات من "العذاب" ذلك لمن خشي العنت منكم وأن تصبروا خير لكم والله غفور رحيم) النساء 25
هذه الآيات ترشد إلى الآتي :
1- من لم يستطع أن يتزوج بالفتاة الحرة نظرا لارتفاع مهرها , فليعدل عنها إلى غيرها من فتيات ملك اليمين , لأنهن أقل كلفة .
2- أن يبحث عن الفتاة المؤمنة المتحصنة بالعفة والطهارة , وأن يعطيها مهرها بالمعروف , أي بما تستحقه دون بخس .
3- أن يتجنب الزواج من الفتيات المسافحات , التي اشتهرن بجريمة الزنى لأن ذلك محرم على المؤمنين .
4- إذا حدثت جريمة الزنى من فتيات ملك اليمين بعد زواجها , يقام عليها نصف حد الزنى , أي خمسين جلدة .
بقوله تعالى:
(فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من "العذاب")
أي أن عليها نصف ما على المحصنات المتزوجات من الحرائر والغير المتزوجات رحمة من الله ومراعاة لظروفهن , كونهن من ملك اليمين .
وقوله تعالى:
(يا نساء النبي من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها "العذاب" ضعفين وكان ذلك على الله يسيرا) الأحزاب 30
أي يضاعف لها حد الزنى ضعفين (أي مائتين جلدة) , زيادة لها في العقوبة كونها زوجة نبي مرسل , يتلو عليهن ما يتنزل عليه ليلا ونهارا.
6- إذا ارتكبت فاحشة الزنى من قبل أفراد الأسرة ولم تصل إلى القضاء جاز لولي الأمر التثبت من تلك الجريمة ومعاقبة مرتكبيها بما يكفل منع تكرار تلك الفاحشة حفاضا على كرامته وصونا لعرضه من الخزي والعار الذي سيلحق به وأسرته وذلك امتثالا لقوله تعالى:
(والاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا * واللّذان يأتيانها منكم فآذوهما فإن تابا وأصلحا فأعرضوا عنهما إن الله كان توابا رحيما * إنما التوبة على الله للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب فأولئك يتوب الله عليهم وكان الله عليما حكيما * وليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال إني تبت الآن ولا الذين يموتون وهم كفار أولئك أعتدنا لهم عذابا أليما)النساء 15_18
قال تعالى:
(يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم * والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما * يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا)النساء 26_28
إن تلك النصوص الربانية المحكمة المتعلقة بحد فاحشة الزنى قد بينت للعباد بيانا شافيا لا لبس فيه ولا غموض بأن عقوبة مرتكبيها ذكرا كان أو أنثى حرا كان أم مملوكا متزوجا كان وغير متزوج هو "الجلد" ولا شيء سواه وأن عدد الجلد يتراوح من مائة جلدة وهي الأصل إلى مائتين جلدة إلى خمسين جلدة وذلك بحسب الحالة الاجتماعية لمرتكبيها المبينة في الآيات القرآنية المحكمة سالفة الذكر.
أما ما قيل بأن عقوبة مرتكبي فاحشة الزنى المحصن بالزواج هو الرجم معللا بذلك قول
الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة
إن هذه الكلمة تعطل شرع الله وأحكامه وتثير الفتنة والشقاق والخلاف في أوساط المجتمع فعلى سبيل المثال لو أن شابا متزوجا أرتكب جريمة الزنى وحكمت عليه المحكمة بحد الرجم فإنه سيعترض على حكم المحكمة قائلا بأن كلمة( الشيخ والشيخة) لا تعنيه ولا تنطبق عليه بل على من صار شيخا كبيرا مستدلا بقوله تعالى:
(قالتا لا نسقي حتى يصدر الرعاء وأبونا شيخ كبير) القصص 23
وقوله:
(قالوا يأيها العزيز إن له أبا شيخا كبيرا فخذ أحدنا مكانه إنا نراك من المحسنين) يوسف 78
وقوله:
(قالت يا ويلتا ءالد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخا إن هذا لشيء عجيب)هود72
وبهذه الأدلة يبطل حكم المحكمة ولو أرادت المحكمة أن تعدل الحكم من الرجم إلى الجلد لاحتج بقوله إن الجلد لا ينطبق إلا على غير المتزوج وبذلك يبطل ويتخلص من حكم المحكمة .
ومثال آخر
لو أن شيخا كبيرا ارتكب فاحشة الزنى فما من أدنى شك أن المحكمة ستحكم عليه بالرجم لأن كلمة الشيخ تنطبق عليه وهذا ظلم في حقه ومن حقه أن يحتج على المحكمة بأنه غير متزوج وبذلك يستطيع إبطال حكم المحكمة
وبهذا تكون كلمة( الشيخ والشيخة) سببا لتعطيل أحكام الله المنصوص عليها في كتابه العزيز
إن ذلك الزعم الباطل يتعارض مع النصوص الربانية المحكمة ولا يستند إلى دليل قطعي من كتاب الله بل إلى روايات وأقاصيص تلوكها ألسنة الذين لا يعلمون
قال تعالى:
(أفمن يعلم أنما أنزل إليك من بك الحق كمن هو أعمى إنما يتذكر أولوا الألباب) الرعد 19
وقال العليم الحكيم:
(وأن احكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهوائهم واحذرهم أن يفتنوك عن بعض ما أنزل الله إليك فإن تولوا فاعلم أنما يريد الله أن يصيبهم ببعض ذنوبهم وإن كثيرا من الناس لفاسقون) المائدة 49
وقال العلي العظيم :
(فمن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)
|