عرض المشاركة وحيدة
  #10  
قديم 09/03/2005, 10:49 PM
المستبلي المستبلي غير متواجد حالياً
عضو متميز جداً
 
تاريخ الانضمام: 31/01/2004
الإقامة: مسقط
المشاركات: 3,569
سيرة الإمام أبي الخطاب المعافري في طرابلس والقيروان

وكان الإمام أبو الخطاب المعافري(1) - الذي عقدت عليه الإمامة في بلاد المغرب بطرابلس- له دور عظيم في نشر الحق وفي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قام في بداية أمره على عامل أبي جعفر المنصور ببلاد طرابلس، فانتصر عليه إلا أنه لم يتشف منه بعد انتصاره عليه، بل خيره بين المقام معهم على أن يكون له ما لهم وعليه ما عليهم، وبين أن يخرج آمناً مطمئناً، لا يكدر له صفو ولا يسفك له دم، ولا ينتهك له عرض، ولا يؤخذ عليه مال، فاختار الخروج، فخرج إلى بلاد المشرق وهو آمن مطمئن.

وهذا الإمام نفسه عندما بلغه استصراخ امرأة من القيروان من جور ورفجومة -وهي قبيلة صفرية خارجية كانت تعيث فساداً في بلاد القيروان- فقد كتبت إليه رسالة تشكو إليه الجور والخوف وعدم الطمأنينة، حتى أنها كانت تخفي ابنتها في حفرة تحفرها خشية أن يسبيها هؤلاء الخوارج الصفرية، عندما وصل كتابها إلى الإمام بكى من ذلك وقال: (لبيك يا أختاه) وخطب بعد صلاة أقامها وحض الناس على الجهاد، فخرج مجاهداً إلى تلك القبيلة العاتية التي كانت مستولية على القيروان، وعندما وصل إلى القيروان أمر أصحابه ألا ينتهكوا عرضاً، ولا يأخذوا مالاً، فإن أولئك مهما كان بغيهم هم من أهل التوحيد، ولا يباح شيء من أموالهم قط، ولا يباح إلا سفك دمهم بسبب بغيهم حتى يعودوا إلى الحق.

وفي هذا يقول العلامة الدرجيني في كتابه "طبقات المشائخ بالمغرب"(2) حاكياً ما حصل بعد هذه الوقعة التي انتصر فيها الإمام رحمه الله تعالى ومن معه من المسلمين يقول: (وحدث بعض أصحابنا أن شيخاً من شيوخ القيروان بعث ابناً له يرتاد مزرعة كانت له بالقرب من منزل عسكر أبي الخطاب، فقال: (يا بني، اذهب وانظر هل بقي في مزرعتنا شيء؟) قال: فخرج الغلام إلى المزرعة فوجدها سالمة لم ينلها فساد، فرجع الغلام إلى أبيه فأخبره، فتعجب لذلك، وعجب الناس لعدل أبي الخطاب وسيرته وطاعة أصحابه له فيما يأمرهم به، وينهاهم عنه، وكان من مقالة الشيخ المذكور إذ ذاك لمن حضره من أهل القيروان: (أتظنون أن أبا الخطاب يشبه من ولي عليكم قبله ديناً وفضلاً؟ وأن سيرتهم كسيرته حسناً وعدلاً؟ كلا والله أين مثل أبي الخطاب في سيرته وعدله وفضله.؟).

ثم يقول العلامة الدرجيني: (وبلغنا أن امرأتين قد خرجتا من القيروان حين فتحها الله لأبي الخطاب بعد هزيمة أهلها، فنظرت إحداهما إلى القتلى مزملين في ثيابهم كأنهم رقود، فقالت لصاحبتها: (انظري إليهم كأنهم رقود) فسمي ذلك الموضع "رقادة" إلى اليوم) ثم يقول بعد ذلك: (ولما دخل أبو الخطاب المدينة أمر أهل المدينة يخرجوا إلى قتلاهم ليدفنوهم).

ثم تحدث بعد ذلك عن وقفة وقفها أبو الخطاب عندما وجد أحداً من جند عدوه القتلى قد أُخِذَ سلبه، فضاقت عليه الدنيا بما رحبت بسبب هذا التصرف المخالف لشريعة الله، يقول العلامة الدرجيني: (وقد أمر أبو الخطاب من يتفقد القتلى، فوجد قتيلاً واحداً منهم مسلوباً، وأمر منادياً ينادي في عسكره: (من نزع عن أحد من القتلى شيئاً فليردده) فلم يرد أحد شيئاً، فعلم أن سالبه عمل غير صالح، فلما أيس من رد سلب القتيل المذكور طوعاً ومخافة من عقاب الله تعالى، دعى أبو الخطاب ربه عز وجل أن يفضحه ويظهره على أعين الناس، فأمر أبو الخطاب فرساناً من عسكره بأن يخرجوا ويجروا خيلهم بين يديه وكان فيهم رجل فارس من سدراته، فلما أجريت الخيل انقطع حزام سرج السدراتي، فوجد كساءً سفسارية تحت سرجه، فسقطت الكساء على أعين الناس، وقيل: بل كان جبة حرير) ثم يقول بعد ذلك: (كل ذلك من الكرامات، فأخذه الإمام رحمه الله وعزره حسب ما اقتضاه الاجتهاد) يعني أن الإمام عزر أحد جنوده بسبب هذه المخالفة التي وقع فيها فلم يسكت عنها، لا كما تفعل الحشوية حيث تستبيح الأموال وتنتهك الأعراض.

ثم يقول العلامة الدرجيني: (وبلغنا أن أبا الخطاب رضي الله عنه لما هزمهم أحسن فيهم السيرة، وأمر أصحابه ألا يتبعوا مدبراً ولا يجهزوا على جريح، فقال رجل من لواتى من معسكر أبي الخطاب يقال له خالد: (نأكل من أموالهم كما يأكلوا أموالنا ويعتقدون أنها غنيمة أحلت لهم، فقال أبو الخطاب رحمه الله: (إن فعلنا كما فعلوا فحق على الله أن يرفضنا ويدخلنا معهم جهنم، فنكون كما قال الله تعالى: "كلما دخلت أمة لعنت أختها حتى إذا اداركوا فيها جميعاً قالت أخراهم لأولاهم ربنا هؤلاء أضلونا فآتهم عذاباً ضعفاً من النار قال لكل ضعف ولكن لا تعلمون* وقالت أولاهم لأخراهم فما كان لكم علينا من فضل فذوقوا العذاب بما كنتم تكسبون" (3).

هذا هو تصرف الإباضية ونحن نعلم يقيناً أن الإباضية في جميع أدوارهم يتحرجون كل التحرج من مال الموحد مهما كان، ولو أبيح دمه بسبب بغيه.


-----------------------




(1)انتخب إماماً عام 141هـ.

(2) انظر: طبقات المشايخ بالمغرب، للعلامة أحمد بن سعيد الدرجيني، ج1ص22-23، ط. إبراهيم طلاي.

([3]) الأعراف 38-39.