|
تقسيم الحديث من حيث القبول والرد
وأما تقسيم الحديث من حيث القبول والرد، فإنه ينقسم باعتبار ذلك إلى ثلاثة أنواع: صحيح وحسن وضعيف.
أما الحديث الصحيح فقد عرفه الإمام القطب بقوله: "ما اتصل سنده بنقل العدل الضابط عن مثله وسلم من شذوذ وعلة" ثم شرح تعريفه هذا بقوله: "ونعني بالمتصل ما لم يكن مقطوعاً بأي وجه كان، وبالعدل من ظهرت عدالته ولم يكن مجرحاً، وهو المؤتمن على الأمانات، ولا يعرف مصراً على بعض الأحداث، المسارع إلى الخيرات، المجانب للشبهات، المأمون على ما تحمل من الشهادات، وبالضابط من يكون حافظاً متيقظاً، وبالشذوذ ما يرويه الثقة مخالفاً لرواية الناس، والثقة هو المأمون على ما حمل من الشهادة، وفي صدقه فيما حدث به، ويفي بما عاهد فيه، ويؤدي أمانته، وينصف من نفسه إذا عامل، وينقطع إلى الخيرات، ويجتنب الشبهات، وبالعلة ما فيه أسباب خفية غامضة قادحة، وتتفاوت درجات الصحيح قوة وضعفاً بحسب قوة شروطه وضعفها".
وبهذا نعرف أن شروط الحديث الصحيح عند الإباضية خمسة وهي: اتصال السند، عدالة الرواة، ضبط الرواة، السلامة من الشذوذ، السلامة من العلة، وهي مطابقة مع ما ذكره علماء مصطلح الحديث.
ومما يلتحق بالكلام عن الحديث الصحيح مسألة (زيادة الثقة) هل هي مقبولة أم لا؟ فقد اختلف العلماء فيها إلى أقوال، وقال بعضهم بقبولها مطلقاً ونسبه النووي إلى الجمهور من الفقهاء والمحدثين، وإلى هذا القول ذهب ابن بركة من الإباضية، بينما اشترط الإمام السالمي في قبولها أن لا يقوم دليل يقتضي غفلة الراوي، واحتج لذلك بأن "المعتبر في قبول الرواية العدالة، فإذا كان العدل يجب قبول خبره لعدالته، وجب قبول زيادته أيضاً لأن الزيادة مع المزيد عليه بمنزلة خبرين ولو روى واحد خبرين وروى غيره أحدهما قُبِلت روايته الخبرين بالاتفاق كذلك هذا، ولأن الزيادة يتعلق بها حكم ورواية الثقة كالخبر المبتدأ".
وأما الحديث الحسن فقد عرفه العلماء بتعاريف متعددة، ذكر الإمام القطب عدداً منها ثم قال: "ولو قيل: الحسن هو مسند من قرب من درجة الثقة أو مرسل ثقة، وروي كلاهما من غير وجه، وسلم عن شذوذ وعلة، لكان أجمع الحدود وأضبطها وأبعدها عن التعقيد".
فالحديث الحسن عنده إما أن يكون متصلاً إلا أن في سنده راوياً لم يبلغ أعلى درجات التوثيق وإما أن يكون من مراسيل الثقات، ولكنه اشترط لكلا النوعين أن يروى من وجه آخر وأن يسلم من الشذوذ والعلة، والظاهر أنه لا يشترط أن يكون الحديث الذي يعتضد عليه الحديث الحسن صحيحاً بل يمكن أن يكون هو الآخر حسناً، ولذلك قال فيما بعد: "والحسن إذا روي من وجه آخر ترقى من الحسن إلى الصحيح لقوته من الجهتين فيعتضد أحدهما بالآخر، ونعني بالترقي أنه يلحق في القوة بالصحيح لا أنه عينه".
وهذا التعريف للحسن موافق لتعريف الترمذي له في كتابه العلل حيث قال: "وما ذكرنا في هذا الكتاب (يعني السنن): حديث حسن، فإنما أردنا به (حسن) إسناده عندنا، كل حديث يروى لا يكون في إسناده من يتهم بالكذب، ولا يكون الحديث شاذاً ويروى من غير وجه نحو ذلك، فهو عندنا حديث حسن".
يقول السخاوي شارحاً كلام الترمذي: "فيشمل ما كان بعض رواته سيء الحفظ ممن وصف بالغلط أو الخطأ أو مستوراً لم ينقل فيه جرح ولا تعديل، وكذا إذا نقلا ولم يترجح أحدهما على الآخر، أو مدلساً بالعنعنة، أو مختلطاً بشرطه، لعدم منافاتها اشتراط نفس الاتهام بالكذب، ولأجل ذلك مع اقتضاء كل منهما التوقف عن الاحتجاج به لعدم الضبط في سيء الحفظ والجهل بحال المستور والمدلس، وكذلك لشموله ما به انقطاع بين ثقتين حافظين والمرسل الذي يرسله إمام حافظ لعدم اشتراطه الاتصال اشترط ثالثاً فقال (ولم يكن فرداً ورد) بل جاء أيضاً من وجه آخر فأكثر فوقه أو مثله لا دونه ليترجح به أحد الاحتمالين".
وللحديث الحسن تعريفات أخرى، فقد عرفه الخطابي بأنه: "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله".
وعرفه ابن الجوزي بأنه "الحديث الذي فيه ضعف قريب محتمل" وقال ابن دقيق العيد: "ولو قيل: الحسن كل حديث خال عن العلل، وفي سنده المتصل مستور له به شاهد، أو مشهور قاصر عن درجة الإتقان، لكان أجمع لما حددوه وأخصر".
أما حكمه فهو القبول، وفي ذلك يقول الإمام القطب: "والحسن حجة كالصحيح"، ويعني أنه مقبول محتج به كالحديث الصحيح لا أنه في منزلة الصحيح كما لا يخفى.
أما الحديث الضعيف فقد عرّفه الإمام القطب بقوله: "والضعيف ما لم يجتمع فيه شروط الصحة والحسن" إلى أن قال: "وإن شئت فقل الضعيف ما قصر عن درجة الحسن".
وهو ليس حجة في الأحكام، غير أن العلماء اختلفوا في جواز العمل به في فضائل الأعمال فذهب البعض إلى جواز العمل به وروايته في فضائل الأعمال واشترط بعضهم بيان ضعفه، بينما لم يشترط آخرون ذلك، وكأن هذا القول هو الذي يميل إليه الإمام القطب حيث قال: "ويجوز عند العلماء العمل به وروايته والوعظ به بلا بيان ضعفه لا في صفات الله تعالى، وأحكام الحلال والحرام".
|