|
وأما تقسيم السنة من حيث وصولها إلينا فهي تنقسم إلى نوعين: متواتر وآحاد.
فالحديث المتواتر: عرفه الإمام السالمي بقوله: "ما رواه جماعة لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة عن جماعة مثلهم بحيث أنه لا يمكن تواطؤ مثلهم على الكذب عادة أيضاً، حتى ينتهي به النقل كذلك إلى الرسول عليه الصلاة والسلام، فإن نقل اللفظ بعينه يسمى تواتراً لفظياً، وإن نقل المعنى فقط سمي تواتراً معنوياً".
أما الإمام القطب فعرفه بقوله: "والمتواتر هو الذي يرويه عدد تحيل العادة تواطؤهم على الكذب من ابتدائه إلى انتهائه، وينضاف إلى ذلك أن يصحب خبرهم إفادة العلم لسامعه".
وقد شرط الإمام السالمي لكي يحكم على الحديث بالتواتر ثلاثة شروط :
1- أن ينقل الخبر فئة كثيرة: فما نقله الأربعة فليس بمتواتر قطعاً إذ الأربعة ليس بكثرة، وهذا الشرط نقل عن أصحاب الشافعي.
2- أن يكون عدد الناقلين لا يمكن في العادة أن يتواطأ مثلهم على الكذب لأجل أحوالهم من كثرة وغيرها لا لمجرد كثرتهم.
3- أن يكونوا في خبرهم مستندين إلى المشاهدة: نحو الإخبار عن البلدان والملوك والأصوات والمطعومات والمشمومات، فيخرج بذلك الإخبار عن الأمور العقلية، كما لو أخبر جمع كثير من جهات مختلفة بأن العالم حادث أو أن القرآن مخلوق فإنه لا يكون خبرهم بذلك تواتراً في الاصطلاح، لأن الأمور العقلية مما يمكن النظر فيها لكل عاقل فليس لكثرة المخبرين فيها أثر بل المرجع فيها إلى الدليل العقلي.
ونظراً إلى عدم تطرق الشك إلى ثبوت هذا النوع فقد اعتبره الإباضية حجة قطعية يجب اتباعها في جميع أمور الدين، لا فرق في ذلك بين أمور العقيدة أو الأمور العملية، وهذا هو مذهب الأمة جميعاً(30):
أما حديث الآحاد فهو ما لم يبلغ حد التواتر، وهو نوعان: مستفيض وغير مستفيض.
أما الحديث المستفيض فقد عبر عنه الإمام السالمي باسم (المشهور) وعرفه بقوله:
..............................=ودون ذاك رتبــة المشهـور
وهـو الـذي فـي أول القـرون=لم يتصف بشرطه المصــون
لكنه استفاض فيهـم وانتشــر=وقبلوه عند ذاك واسـتمـر
وشرح تعريفه هذا بقوله: "وحاصله أن المشهور من الأخبار هو الذي لم يتصف في القرن الأول وهو قرن الصحابة بشرط التواتر... ثم اشتهر ذلك الخبر في القرن الثاني والثالث فقبلوه واستمر معهم على القبول".
وعرفه الشماخي بأنه: "ما زاد نقلته على ثلاثة وتلقته الأمة بالقبول"، وقد اختلفت الأمة-ومنهم الإباضية- في حكم هذا النوع من الأحاديث، فذهب أكثر أهل العلم إلى أن شهرة الحديث المستفيض -وإن كانت تعطيه نوع مزية على غيره- لا ترفعه عن حكم الآحاد، ذلك أن المتعارف عليه في علم مصطلح الحديث أن العبرة بالحلقة الأضعف في الإسناد، وبما أن إحدى حلقات الحديث المستفيض آحاد فإن الحكم يعطى باعتبارها، وبذلك يلحق المستفيض بالآحاد، ولا يرفع إلى مرتبة المتواتر، وقد ذهب الإمام السالمي من الإباضية إلى هذا القول.
بينما ذهب الحنفية إلى إلحاق هذا النوع بالمتواتر، ووافقهم الشماخي من الإباضية على هذا.
|