|
ولعظم شأن الهجرة وما أحدثته في هذا العالم من نتائج مثمرة أجمع المسلمون في عهد الخليفة الراشد عمر رضي الله تعالى عنه على أن يجعلوها ميقاتا تاريخيا لهذه الأمة ، لأن الأمة ولدت بالهجرة ، فقبل ذلك كان المسلمون أفرادا محتقرين ، وأوزاعا مشتتين ، ولكن الله تبارك وتعالى أراد بهذه الهجرة أن يجمع هذا الشتات ، فتكونت هذه الأمة ، وكانت أمة عزيزة ، أمة منيعة ، أمة حية ، فانطلقت في أرجاء الأرض حاملة دعوة الحق إلى الخلق ، وهذا يعني أن على هذه الأمة أن تعتز بهذا التاريخ ، وليس عدولها عنه إلى غيره إلا تنكرا لماضيها واحتقارا لما كان عليه سلفها ، وكل أمة تحتقر ما كان عليه سلفها ، وتعرض عن أمجاد ماضيها هي أمة مهينة ذليلة .
فعلى الأمة الإسلامية أن تستمسك بالتاريخ الهجري وأن تجعله ميقاتا لها ، بحيث تؤرخ به جميع شؤونها وجميع معاملاتها ، فالله تبارك وتعالى ناط هذا التاريخ بالشهور القمرية ، وقد قال في كتابه العزيز : (يسألونك عن الأهلة قل هي مواقيت للناس) وقال سبحانه وتعالى : (إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم) فالإستمساك بهذه الشهور من الدين القيم ، كيف وجميع العبادات منوطة بها ، فالصيام والحج وعدد النساء وسائر العبادات كازكاة وغيرها إنما هي منوطة بهذه الشهور القمرية للا بالشهور الشمسية التي يعول الناس عليها في تاريخهم الآن .
فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يهدي هذه الأمة للحق والرشد ، وأن يجمع شتاتها وأن يؤلف بين قلوبها ، وأن يبدلنا بذلنا عزا وبفقرنا غنا ، وبشتاتنا وحدة ، وبخوفنا أمنا ، وأن يجعلنا من الذين إن مكنهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور ، وأسأله سبحانه وتعالى أن يطهر سرائرنا وأن ينور بصائرنا وأن يلهمنا رشدنا إنه سبحانه وتعالى على كل شيء قدير وإنه بالإجابة جدير نعم المولى ونعم النصير ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
وهنيئا لكم مرة أخرى هذه المناسبة الطيبة ، وشكرا لكم على إنصاتكم والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .
|