عرض المشاركة وحيدة
  #4  
قديم 27/08/2002, 04:47 PM
أبو زياد أبو زياد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 27/05/2001
المشاركات: 1,254
Post

السؤال(5)

إذا التزم أهل كل بلد في مثل هذه المسائل التي ذكرتموها قبل قليل نجد في واقع طلبة العلم من يخطئ الطرف الآخر ولربما يتكلم عليهم ، ولربما لا يتولاهم أيضاً ، هل يصح له ذلك ؟


الجواب :
لا ، المسائل الفرعية لا يؤدي الأمر فيها إلى البراءة ، ولا يؤدي الأمر فيها إلى التقاطع ، ولا يؤدي الخلاف فيها إلى قطع العذر ، فإن ذلك كله مما يتنافى مع دلالة ذلك الدليل على ذلك الحكم بطريق الظن .

على الناس أن يدركوا أن هنالك مسائل قطعية ، والمسائل القطعية لا يجوز الاختلاف فيها ، فلا يجوز لأي أحد أن يجتهد فيدّعي أن الزنا مباح في حال من الأحوال ، وليس لأحد أن يجتهد فيدّعي أن الخمر محللة ، وليس لأحد أن يدّعي أن الربا محلل ، وليس لأحد أن يجتهد فيدّعي أن قتل النفس بغير حق محلل ، وليس لأحد أن يجتهد فيّدعي أن أكل مال الغير غنماً محلل ، كل من ذلك لا يحل .

على الناس أن يدركوا أن هذه الأشياء محرمة بالنص وبالإجماع فلا يجوز الاجتهاد فيها ، ولكن هناك مسائل وقع فيها الخلاف بين أهل العلم ، وكل ذي رأي من هذه الآراء إنما بنى رأيه على ما فهمه من الدليل الشرعي .

نرى مثلاً أن العلماء اختلفوا في ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير هل هي حرام أو هي حلال ، منهم من قال بأن ذوات الناب من السباع والمخالب من الطير هي حرام لأن حديث النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( أكل كل ذي ناب من السباع ومخلب من الطير حرام ) ، ومنهم من يقول لا بل هي محللة لأن الله تبارك الله وتعالى يقول ( قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقاً أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ)(الأنعام: من الآية145) ، وهؤلاء قالوا وإن كان الحديث يخصص عموم القرآن الكريم إلا أن كلمة حرام قد تطلق أحياناً على معنى التغليظ في الكراهة في اصطلاح بعض أهل العلم ، ولربما حمل بعض الناس الحديث على ذلك ، وبما أن الحديث آحادي والآحادي وإن كان يخصص عموم القرآن الكريم إلا أنه قد يتردد بعض الناس في إثبات أصل الحديث وعدم إثباته لذك لم يجز لمن أخذ بهذا الحديث وجعله مخصصاً لعموم القرآن أن يقطع في هذه المسألة عذر مخالفه لأن ذلك لا يؤدي إلا إلى الشقاق الذي لا يرضاه الله تعالى مع أن المسألة كما قلت مسألة رأي .

السؤال(6)

البعض يقرأون كتباً معينة فيحسون أنهم حازوا من العلم ما يناطحون به العلماء ويثيرون بذلك بلبلة في أوساط أهل العلم ، فما هي نصيحتكم لهؤلاء ؟


الجواب :
أولاً قبل كل شيء من واجب طالب العلم أن يتواضع ، وأن يعرف قدره ، وأن يقف عند حده ، وقد أجاد الشاعر عندما قال :

من لم يقف عند انتهاء قدره *** تقاصرت عنه فسيحات الخطا

والتواضع إنما هي صفة المؤمن ، المؤمن لا يتعالى ولا يتكبر ، التكبر إنما هو من صفات الكفار ومن صفات المنافقين ، ومع هذا فإن الذي يحذر عقاب الله تعالى وسخطه عليه لا بد من أن يمنع لسانه فلا يطلقها حتى تلغ في حرمات الناس وفي أعراضهم ، ولئن كانت للناس حرمات عامة وللمسلمين حرمات خاصة فإن للعلماء حرمات أخص فيجب أن تراعى هذه الحرمات وأن لا يتطاول عليهم السفهاء والأوغاد ، إنما مثل هؤلاء كما يقول الشاعر :

ومنزلة الفقيه من السفيه *** كمنزلة السفيه من الفقيه
فهذا زاهد في قرب هذا *** وهذا منه أزهد منه فيه
إذا غلب الشقاء على سفيه *** تنطع في مخالفة الفقيه

وقد أجاد في هذا الإمام نور الدين السالمي رحمه الله تعالى إذ نظم معنى البيت الأخير فقال :

إن غلب الشقاء على سفيه *** أبدى تنطعاً على الفقيه

وعليهم أن يدركوا أن الفتيا أنما العاقل يتجنبها بقدر استطاعته إن وجد من يكيفه إياها ولو بلغ ما بلغ من مقامات أهل العلم ومنازلهم فإنه يتمنى أن يجد الكفاية من قبل غيره ، ولا يجرؤ على أن يفتي برأيه ومن تلقاء نفسه .

أولاً قبل كل شيء الإنسان مأمور بأن لا يقدم على أي أمر كان إلا ببينة وبصيرة ، الله تبارك وتعالى يقول ( وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً) (الاسراء:36) ، وقد قرن الله تبارك وتعالى التقول على الله بغير علم بالإشراك به عندما قال ( قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (الأعراف:33) ، وقد جاء في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم أنه قال : ( من أفتى مسألة أو فسّر رؤيا بغير علم كان كمن خر من السماء إلى الأرض فصادف بئراً لا قعر لها ولو أنه وافق الحق ) .

وصحابة الرسول صلى الله عليه وسلّم مع علو أقدارهم وعظم شأنهم واشتراكهم جميعاً في الفقه كانوا يتدافعون الفتيا خوفاً وإشفاقاً على أنفسهم فكيف بأمثالنا .

نحن لم نجد بداً من أن نجلس في هذا المجلس ونجيب على الأسئلة وإلا فكم نتمنى أن يكفينا هذا الأمر العلماء الربانيون الراسخون في العلم الذين هم أولى بهذا الأمر منا .

وطلبة العلم عليهم واجب أن يرعوا أقدار العلماء وألا يتطالوا على العلماء وأن يقفوا عند حدودهم . طالب العلم عليه أن يدرك أنه طالب فلا يتطاول على العالم فضلاً عن تطاوله على حكم الله تعالى وحكم رسوله صلى الله عليه وسلّم ، كأين رأينا من أحد يتطاول على أحكام الله وعلى أحكام رسوله صلى الله عليه وسلّم ثم إذا به من بعد ينقلب على عقبيه ويصبح في عداد الملاحدة الكفرة ثم يقضي الله تبارك وتعالى عليهم بما هم له أهل .

أنا بنفسي حضرت أحد المؤتمرات وقد تطاول متطاول ، وهذا المتطاول كثيراً ما كان يلبّس على الناس من خلال بعض المقالات التي ينشرها ومن بعض التمويهات التي يحاول أن يلبّس بسببها على عقول الناس ، سمعته يتطاول وهو على منصة ذلك المؤتمر على حكم الرجم للمحصن ويقول بأن الرجم فرية وأن أي أحد لا يمكن أن يؤخذ قوله ما دام هنالك دليل من القرآن يدل على خلاف قوله ، معنى ذلك يريد أن يرد السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام بما يزعمه دليلاً من القرآن الكريم ، هو لم ينظر إلى أن السنة تخصص عمومات القرآن وهذا مما وقع إنعقاد الإجماع عليه فقال هذا الذي يقوله القرآن ( سُورَةٌ أَنْزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنْزَلْنَا فِيهَا آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ * الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر)(النور: 1-2) .

ثم قال : وهل يبقى إسلام لأحد يقول في أمر قال الله تبارك وتعالى فيه بأنه مبين وأنه مفروض وأنه أنزل فيه آيات بينات ؟* هل يبقى إسلام لمن يقول بأنه مع ذلك يحتاج إلى بيان من جهة أخرى ؟* يريد بهذا إنكار السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام .

ولكن كانت عاقبة ذلك أن الرجل بعد مدة ليست بالطويلة كشف عن حقيقة نفسه وأسقط قناعه عندما نشر رسالة بثها في الآفاق مدّعياً أنه رسول الله وأنه هو الذي يشير إليه القرآن الكريم في قوله تبارك وتعالى ( وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّه)(آل عمران: من الآية81) ، وقال بأن هذه الآية تعنيه هو أنه الرسول الذي يأتي بعد النبيين مصدقاً لما معهم ، وحاول أن يلبّس على الناس من خلال بعض الكلمات التي كتبها فيما يدل على إعجاز القرآن الكريم حسب تصوره هو من حيث الأرقام ، ولكن الله تبارك وتعالى قطع دابره فبعد مدة قضى الله تعالى شأنه على يد من أراد من عباده .

هكذا شأن أولئك الذين يتطاولون على الله ويتطاولون على أحكامه ويريدون أن يبدعوا في دين الله تبارك وتعالى ما لم يأذن به الله ، والله تعالى المستعان .

السؤال(7)

إذا وجدنا رجلاً قرأ كتاباً ثم أخذ يثير البلبلة في أوساط العلماء ألا نحكم مباشرة على أنه رجل ليست لديه نية صافية في العلم ؟


الجواب :
الله تبارك وتعالى جعل الظاهر عنوان على الباطن وقد أجاد الشاعر الذي يقول :

ومهما تكن عند امرئ من خليقة ***وإن خالها تخفى على الناس تعلم

وأجاد الشاعر التهامي عندما قال :

ثوب الرياء يشف عما تحته *** فإذا التحفت به فإنك عاري

فمن كان على هذا النحو فهو من أول الأمر ساقط الاعتبار ولا زنة له ، والحديث عن النبي صلى الله عليه وسلّم يقول ( من تعلم العلم ليباهي به العلماء أو ليماري به السفهاء لقي الله وهو خائب من الحسنات ) .


يتبع بإذن الله تعالى

آخر تحرير بواسطة أبو زياد : 05/09/2004 الساعة 04:24 PM