|
الجمود الخليجي
بعد أكثر من عشرين عاما مرت منذ تأسيسه في مطلع الثمانينات فإننا أصبحنا نعتقد أن مجلس التعاون لدول الخليج العربية قد استنزف بشكل يكاد يكون كاملا ما تبقى من مخزون التفهم المتناقص نحو تواضع أدائه المؤسسي، فعندما نراجع سجل مجلس التعاون في مجال المنجزات التكاملية المتحققة والمهدرة، يتبين لنا أنه لم يعد من المقبول على الاطلاق الاستمرار في التماس الاعذار لهذه المؤسسة الاقليمية أو محاولة تبرير حالة الجمود التي تكتنف المشروع التكاملي الخليجي.
إن الجمود هو السمة الأبرز في تاريخ انجازات مجلس التعاون، إلى الدرجة التي لا يتمكن معها المواطن الخليجي من أن يتذكر محطات فارقة في مسيرة تطوره، أو أن يميز المراقب المختص بين المراحل العمرية المختلفة للمجلس من قبيل النشأة أو النضوج أو الكهولة، والتي تتسم بها عادة حياة الدول والمنظمات. لقد بلغ مجلس التعاون الثالثة والعشرين من العمر، ولا يزال عاجزاً عن ابداء مظاهر النمو والحيوية التي ينبغي ان تتسم بها المؤسسات الفتية، وفاقداً لمعالم الطفرات التكاملية التي يجب أن تمتلكها هياكل التعاون السياسي والاقتصادي.
وليس بإمكن المرء أن يفر من الاستنتاج بمرارة أن مجلس التعاون الخليجي يعتبر جامدا عند اخضاعه للتقييم على المستويين المطلق والنسبي.
فمن ناحية التقييم المطلق، لم يستطع المجلس ان يترجم بصورة واقعية قدرا معقولا من طموحات الشعوب الخليجية، والتي كانت ترجو أن تجسد مؤسسات وسياسات المجلس رغبة الشعوب في الشعور بالانتماء الى كيان فوق وطني، يتمتع بالصلاحيات السيادية والتشريعية القادرة على النفاذ والتأثير بصورة فاعلة في الشؤون الوطنية للدول الخليجية، بغية تحقيق الهدف الأسمى من التكامل والمتمثل في توحيد السياسات الأمنية والاقتصادية والاجتماعية عبر الدول الخليجية الست.
إن مجلس التعاون بهذا المعنى لا يعدو أن يكون كيانا صغيرا وبطيئاً ومتواضعا، بل يمكننا القول إن مسيرة التكامل الحقيقي لم تبدأ بعد بالنسبة للمجلس، وذلك لأن هذا الأخير لم يتمكن حتى الآن من أن ينتزع لا يحتاجه من التنازلات السيادية من الدول الخليجية الاعضاء، والتي ما تزال تصر على التمسك بأكبر قدر من صلاحياتها التشريعية والتنفيذية، الأمر الذي يقوض مفاهيم وتطبيقات التكامل الدولي بالمعنى التقني المتعارف عليه.
أما من ناحية التقييم النسبي، فإن ابعاد جمود التكامل الخليجي تبدو مهولة، خصوصاً عند مقارنتها بأنجح تجربة تكاملية في العالم المعاصر، والمتمثلة تحديدا في الاتحاد الاوروبي، فعلى الرغم من أن الأوروبيين يفتقدون المعطيات الأساسية التي كان يمكن ان تجعل من مشروع التكامل ومسيرة الوحدة أكثر سهولة بالنسبة لهم، فإنهم قد تغلبوا بلا شك على معظم المعطيات المعادية للتكامل والوحدة، ونجحوا في إرساء المؤسسات والممارسات فوق الوطنية، إلى الدرجة التي تضاعف من شعورنا بالأبعاد المركبة لاخفاقات الخليجيين في حقول التكامل الاقتصادي والسياسي، فإلى ما قبل قرار توسعة عضويته مؤخراً، كان عدد الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي يبلغ خمس عشرة، مقابل مجرد ست دول في مجلس التعاون، وتتحدث الشعوب الأوروبية نحو ثلاث عشرة لغة رسمية، مقابل لغة واحدة في دول الخليج العربية؛ وتتسم القارة الأوروبية بوجود الاختلافات العرقية والدينية، مقابل تجانس اجتماعي ومذهبي بوجه عام في الخليج، وعانت أوروبا من تاريخ طويل من الصراع العسكري الطاحن، مقابل تاريخ من العلاقات البينية الأكثر سلماً في منطقة الخليج إلا أنه على الرغم من كل هذه المفارقات التي يصنعها كل من التمايز الأوروبي والتجانس الخليجي، فإن المسيرة الأوروبية نحو التكامل تعتبر، وبكل تأكيد أكثر نجاحاً وفاعلية من تلك الخليجية، والتي لا تزال تراوح مكانها.
ومن المهم ان ندرك كذلك أن مجلس التعاون يبدو بحق جامداً، أفقياً وعمودياً، فمن ناحية، لم تشهد عضوية المجلس منذ نشأته أية زيادة، ولا يزال متردداً في التمدد نحو اليمن، ولم تصعد واشنطن ضغوطها بعد على المجلس بخصوص مسألة دخول العراق في عضويته، بينما قفز حجم عضوية الاتحاد الأوروبي عدة مرات منذ نشأته في العام 1952 من دولتين، إلى ست دول، إلى اثنتي عشرة دولة، إلى خمس عشرة، ليصل أخيراً إلى خمس وعشرين دولة بعد انضمام عشرة اعضاء جدد من دول وسط وشرق أوروبا إليه، ولذلك، يبدو الاتحاد الأوروبي اكثر حيوية بمراحل هائلة من حيث التمدد في الاتجاه الافقي من مجلس التعاون الخليجي، ومن ناحية أخرى، لم تشهد آليات وسياسات مجلس التعاون قدراً مقنعاً من التطورات التكاملية في الاتجاه العمودي، إذ أن مجالات التعاون والتكامل بين دول الخليج العربية لم تشهد زيادة ملحوظة في الأطر السياسية أو الاقتصادية أو الاعلامية أو الاجتماعية، كما أن درجات التعمق في مجالات التعاون الحالية لا تزال سطحية لا يكاد يشعر بها أبناء وبنات الشعوب الخليجية، وذلك في الوقت الذي نستطيع أن نشير إلى معاهدة روما ومعاهدة ماستريخت والعملة الموحدة كأدلة دامغة على حيوية تطور الاتحاد الأوروبي في الاتجاه العمودي.
من المؤكد أن شعوب دول الخليج العربية تطمح بكل استحقاق الى معايشة انجازات تكاملية ملموسة من خلال مجلس التعاون، وقد طال انتظارها لهذه الانجازات، ومن أسف ان نذر توقعاتهم المنخفضة بخصوص حجم وعمق مخرجات القرارات المتمخضة عن اجتماعات القمم الخليجية واجتماعات وزراء الخارجية كانت قد بدأت بالظهور منذ فترة ليست بالقصيرة، وعلى الرغم من أن منطقة الخليج لم تكن يوماً خاملة أو هادئة خلال العقدين الماضيين، وذلك في ضوء الصدامات العسكرية التي شهدتها، وامتداد يد الهيمنة الأمريكية إليها، وتهديدات التدخلات السياسية الاجنبية التي تعصف بها، إلا أن مجلس التعاون ظل معظم الفترة الماضية بعيداً عن التأثير الفاعل في مجمل تلك التطورات والأحداث، وأصرت آلياته ومؤسساته التكاملية على الاستمرار متدثرة بالجمود المقلق، المطلق والنسبي، والأفقي والعمودي، إن امام الدول الخليجية العربية جملة من التحديات والاستحقاقات الملحة، ولا شك أن تحقيق تحركات جادة وملموسة في مجال تفعيل مسيرة التكامل الاقتصادي والسياسي تصب في اطار جملة الاصلاحات المنتظرة، ولا تقل أهمية عن الحاجة لمجابهة التهديدات الخارجية التي تتعرض لها دول المنطقة في المرحلة الحالية.
د. علي الغفلي
الخليج الإماراتية
|