عرض المشاركة وحيدة
  #1  
قديم 11/12/2004, 11:50 PM
سراب الغريب سراب الغريب غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 13/02/2001
الإقامة: {عند أقصى بعد للنظــر}
المشاركات: 5,992
Unhappy ولـِــــــــدَ كبيــــــــراً ..!!

ولـِــــــــدَ كبيــــــــراً ..!!

مع طي الزمان لسجل الأيام تتهافت الأقلام لكتابة ما كان، وتتراكم على إثرها صحائف شتـى حملت في بطنها حملاً لن يولد من بعدها جنين، إلا جنينـاً كـان قد ولـد لأجلـها ..

ولم أرى في حياتي جنيناً ولـِد عظيمــاً، إلا هـذا الإنسان ..
ولم أشهد في دهري مولوداً جاء ثقيل الميزان ، إلا هذا الإنسان ..
ولم يسمو فكري بعد ليدرك أن هناك مخلوقاً قد ولـِد مرتين، إلا هذا الإنسان ..

ولــدتــه أمــه مــرة ، و ولـــدتـــه الأرض مــرة أخــرى .. كان عنـد ولادة أمـه له صغيراً خفيفاً قـد استبشرت الأوجـه لقدومـه، وانشرح صدر والديه لحلوله ..

فواعجبــاه من حكمـة ربانيـة عجزت الأسباب عن مسايرتها، وانقطعت الأمثلـة عن التشبه بهـا .. فإلى عمــش العيــون، الذين لا يبصرون من الحيـاة إلا ولادة واحـدة .. كيف بكــم وأنتم على صحائف الماضيين فراغٌ لن يدونه إلا ولادتكـم الثانية ؟.. ولادةً هي عندكم معنى الموت وطعم الموت، وعند غيركم شكل الموت ومعنى الحياة وطعم الحياة .. !!
***
فـي إطـلالـة عيـد من الأعيـاد بدت بقعـةٌ بيضاء فارغةٌ، قد توشحت الحزن ولكن بلون عباءة الأكفـان، وتقلــدت الأسـى ولكـن طـغى على العيون النسيان .. تبصرها الأنفـس خِـلسـة خشية أن توقض تلك الروح النائمـة في القلوب؛ لتهيجهـا حنيناً وبكاءاً مُـراً، لا تسمعهـا إلا أذان الحـس المولـعـة بالماضي الحزين ..

بــدى كـل شيء قــاتـم اللون، عابس المنظر، كئيبـاً لا يستحق أن يمد المرء عينيه ليبصر أو يتمتم بشفته على نية البسمة فضلاً عن الإبتسامة .. لم يكن لهذا العيـد سوى فرحة أُحضِرت من " الإرشيف" ليس إلا ! .. إرشيف السلف الصالح الذين زرعوا عودهم الأخضر البهيج يومـاً على هذه التربة الماثلـة أمامنــا .. إرشيـفٌ مَـرَّ على الخواطر الحيـة مروراً جعل العصي تشيـر إليها بكـان و كــان و كــان .. لم تكــن فــرحة العيــد الإرشيفيــة إلا كثوبٍ مـُـقَطَّــعٍ قـد غـُسل وكوي لصلاة العيــد .. هـو جديدٌ بمفهوم النقــى والطهــر ، ولكــن قديـمٌ بمعنـى الجمـال والسرور !!

ظلـت البقعـة البيضاء مترأسـة جلسة الرجال رغـم فراغهــا، غيـر أنها في أعيـن السائرين بالركب الكفنــي عظيمـةً مليئة لا تتسع .. هي جاثمة على ثقل الروح التي حملتها يومـاً، وستحملهـا حتى تكتمــل تلك السلسلـة الروائيــة المنمقــة ..
هــي الدنيـا بكل حذافيرها وتفاصيلها: قصةً صنعها الله حجـة على المرء المقصِّر في حق نفسه .. هي الدنيا ولدت الإنسان كبيراً بالفطرة وقـد حـُكم لــه أو عليــه أن يحمـل الرسالة الربانية الخالدة .. هو صغيرٌ بمعنى الحجم الكوني .. هو حقيرٌ أمام سعة الجبال والسماء والبحـر .. هو أقل من الذرة التي تدور في فلكهـا و من حولهـا أجرام المصير والنظام والعبودية .. غيـر أنه نـال شرفاً تهتز الألباب لتفاصيل أسبابها وأستسلام الحجر أمامهــا ؟؟

يا قطعـةً .. يا مضغــة ً ... يا لحمــه !! .. يا عظمـة ً أمام الدود هشــة .. يا فقير القدرة في القبر أمام القشــة .. خدشتك الدنيــا بنعيمهــا فظننت الـدم النازف خـُلـوداً وعــزة .. !!
ذلك الشيخ الكهل الكبيـر .. الذي أمتزجت فيه تصاريف الزمـان بتمام نعيمها وجلابيبهـا .. كان كلام قلبــه أعظم من موقفٍ تتفرس فيه الأقلام بأزهـى مرادفاتها وسجعهـا .. هو يبصر في ذلك الحين تلك الصورة الجماعية التي أخذت في تمام عافيـة اللقاء والسرور .. ليهيم بأبيـاتٍ كانت – ربمــا – حضـناً دافئـاً من رداء الماضي الوثيـر .. يشير بقلمه الذي طالما سطر الأحداث وأرسل الرسائل و المواقف يشير به إلى ورقة ليس كورق البردى العتيق ولا كالجلد الذي به الكلمات تضييق .. ورقٌ حديثٌ لا يحمل فيه إلا ما عيا في صدره من غياب الحقيقة التي هي أصل الحكاية :

و أننــــــا عُـدمــاً كنــا فأوجــدنا ** بفضلـــــه ثــم ســوانـــــــا فــأحيــانــا
وكــلٌ حــيٍّ بكأس الموت أوعـده ** لــو عــاش دهــراً وأحقــاباً وأحيــانــا
والله أولـى بنـا والله نـــــسألــــــه ** بفضلـه إن هــــــــو أحيــــانـــا و أفنانا
وســـوف يأتـــي زمانٌ بعـــد فرقتنا ** والأرض قــــد مزقت جسماً وأكفانا
يشيـــر نـــاظــــرنا يـــوماً بأصبعه ** هـــذا فــــلانٌ مضى بالأمـس قد كان

***
.. تلك هي قصة الأيــام المقبلــة، تتكشف أمامي قبل أوانهــا، وتنجلـي تصاريفها قبل تمامهـا؛ لأنها سنة الله في خلقه " ولن تجد لسنة الله تحويلا " .. لم يكن لنـا ان نعترض على القدر؛ لأنه أمرٌ إلهي لا يحق لنا السؤال عنه أو النقاش فيه " إنك ميتٌ وإنهم ميتون" .. غير أن الله قد أودع للأعين دموعاً لا تذرف إلا في مواضع العبرة والخشية والفرحة ، وأي خشية وعبرة أعظم من لقاء الله بالموت ؟! وأي فرحةٍ أن ينال المرء شرف العفو من الله وحمل الأمانة على وجهها الصحيح ؟

تحياتي ،،