|
- وكثير من الناس يركزون على هذا الجزء الأخير من الحديث باعتبار أنه المرحلة الأعلى ، وأن الصائم مامور بألا يقابل الإساءة بمثلها . وإنما يقابلها بقوله ( إني صائم ) . أي ليذكّر نفسه أنه في عبادة ، وليذكّر الآخرين أنهم في شهر عبادة . فإن كان الآخر مسلماً فإنه مأمور بما أمر به الأول . وإن كان الآخر غير مسلم فسوف يكون ذلك وسيلة من وسائل دعوته إلى الإسلام بحسن القول وحسن الخلق .
- إلا أن الجزء الأول من الحديث لا يقل أهمية عن الجزء الأخير . وهو أمر النبي للصائم بالابتعاد عن : الرفث والصخب والجهل ، وكلمة الجهل كلمة عامة تشمل كل عمل بعيد عن أمر الله تعالى وعن حكمة أعمال المسلمين .
· فهذا الحديث صريح في أمر الناس بالالتزام بعدم أذية الآخرين . والأحاديث الأخرى التي تتصل بهذا أيضا ، حديثه عليه الصلاة والسلام : " الغيبة تنقض الوضوء وتفطر الصائم " . لأن الغيبة عامل ينخر في المجتمع ، فبلاؤها عظيم ، ولذلك كان ايضا عقابها أليما . فواجب على الصائم أن يبتعد عن هذا الخلق الشائن وأن يدرب نفسه على ذلك .
· وفي حديث آخر يقول عليه الصلاة والسلام : " من لم يدع قول الزور والعمل به ، فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه " .. هذا الحديث صريح أيضا في نهي الصائم عن قول الزور والعمل به . أليس في قول الزور والعمل به ضرر بالغ بالمجتمع ؟ أليس هو إيذاء شديد وتضييع لحقوق المسلمين ؟ لذلك فمن تركه يتحقق له باب آخر من أبواب كف أذى النفس عن إيذاء الآخرين .
· وهذه الدرجة هي أقل الدرجات التي يمكن أن يحقق المسلم الفرد بها مصالح أمته – أي كف الأذى – فهو سلوك فردي ، لكن أثره كما رأينا يظهر على مستوى الأمة . ولو فعلنا والتزمنا بهذه التعليمات الربانية فلا ريب أن مجتمعاتنا سوف تتغير ، لأن بابا واسعا من أبواب الفساد والشر والضرر سوف يسد أو على أقل تقدير سوف يضيق بإذن الله تعالى . ولأن هذا تندرج تحته تشريعات كثيرة من ( النهي عن الغيبة ، والنميمة ، والتنابز بالألقاب ، والسخرية ، والاستهزاء ، وتحقير المسلم لأخيه المسلم ) إلى آخر ما نهانا عنه ربنا تبارك وتعالى ونبينا صلى الله عليه وسلم .
· والخلاصة : هي أن يتربى الصائم من هذه العبادة على كف أذاه عن غيره ، وهذا يؤدي إلى تحقيق مصالح الأمة . فالتزامك بهذا لا يقتصر أثره عليك ، كما لا يقتصر أجرك على كف أذاك ، بل تؤجر أيضا على دورك في إصلاح الأمة وهو مقصد من مقاصد هذا الدين .
· الجانب الثاني : الذي يحقق الغاية نفسها ، وهي درجة أرفع من الدرجة التي تحدثنا عنها ، وإن كانت لا تنفصل ، هي ( درجة الأخلاق ) لأن الصائم بنفس الأدلة التي سقتها فيما مضى وبأدلة أخرى أيضا مأمور بأن يكون أشد التزاما بأخلاق الإسلام حالة كونه صائما ، لعدة أسباب :
أولاً : لأنه أصلا مأمور بأن يتخلق بحسن الأخلاق لكونه مسلما . فإسلامه يعني حسن الخلق . قال عليه الصلاة والسلام : " إنما بعثت متمما لمحاسن الأخلاق ". " إن من أحب الناس إلي وأقربهم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنهم أخلاقا ، وإن الرجل ليبلغ بحسن خلقه درجة الصائم القائم " .
فالمسلم مأمورأصلا بحسن الخلق ، لكن بسبب مضاعفة الأجور في رمضان فإن أجر حسن الخلق لا شك يزداد . وهذه العبادة بما تضفيه من روحانية ونفحات قدسية على نفس الصائم فإنها لا ريب تسمو بخلقه لتجعله كالملائكة ، ففي الحديث القدسي : " إن الله ليباهي بالصائم ملائكته يقول أنظروا عبدي ترك شهوته لأجلي أشهدكم أني قد غفرت له " . فالصائم الحق يرتقي بصومه ليصل إلى أن يكون مفخرة لرب العزة والجلال على ملائكته الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون .
ثانياً : إن الصائم حين يمنع نفسه شهواتها فهذا يعني أنه يمنع بصره أن ينظر إلى ما حرم الله ، ويصون لسانه عما يغضب ربه جل وعلا ، ويمسك يده من أن تبطش ، ويقيد رجله من أن تسعى فيما يغضب ربه سبحانه . فيتمكن من تملك أمر جوارحه .
يتبع بإذن الله >>>
|