عرض المشاركة وحيدة
  #2  
قديم 15/10/2004, 03:54 PM
سليمان بن موسى سليمان بن موسى غير متواجد حالياً
عضو نشيط
 
تاريخ الانضمام: 14/10/2002
الإقامة: غرداية-الجزائر
المشاركات: 651
س2: هل لهذا الاعتكاف شروط معيّنة ؟

ج: أوّلا: كثير من الناس يَسألون عن فضل الاعتكاف، وأنا أريد أن أنبّه إلى أنه لم يَرِد حديث صحيح ثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-يدل على فضل الاعتكاف، فكل ما روي من الأحاديث القولية ففيها ما فيها من كلام، وإنما الثابت في ذلك فعل النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ومواظبته عليه في العشر الأخيرة، حتى أنه صلوات الله وسلامه عليه جاء عنه أنه كان إذا لم يَتمكن من الاعتكاف في العشر الأخيرة .. أنه كان يَعتكِف العشرين الأخيرة من شهر رمضان من السنة الآتية، وكذلك عندما خرج من الاعتكاف عندما دخلت أزواجه-صلوات الله وسلامه عليه، ورضوان الله عليهن-في الاعتكاف .. عندما خرج في العشر الأخيرة من رمضان قضى ذلك، وإن كان ذلك القضاء-على مذهب طائفة كبيرة من أهل العلم، وهو الظاهر عندي-ليس على طريق الوجوب، وإنما هو على طريق الاستحباب.

أقول: في فعله صلوات الله وسلامه عليه ما يدل على فضل الاعتكاف، و-أيضا-من المعلوم أنّ لِلعشر الأخيرة من شهر رمضان من الفضل ما لها، ولذكر الله-تبارك وتعالى-وتلاوة القرآن من الفضل ما لا يخفى، كما جاء ذلك في الأحاديث الصحيحة الثابتة عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-ثبوتا لا شك فيه، ومن المعلوم أنّ أكثر ما يُحافِظ عليه المعتكِف هو الأذكار مع قراءة كتاب الله تبارك وتعالى، فمن كانت له القدرة فلا ينبغي له أن يُفرِّط في ذلك، ولا يَغترَّ بقول كثير من أهل العلم بأنّ ذلك لم يَثبُت عن الصحابة، فقد قدّمنا بأنّه ثابت عن الصحابة، بل هو ثابت عن سيّد الصحابة وسيّد كل الخلق صلوات الله وسلامه عليه، وكذلك لا ينبغي له أن يَغترَّ بما ذكره أهل العلم مِن أنه لم يَأت حديث صحيح في فضل الاعتكاف، فإنّ معنى ذلك بأنه لم يَأت حديث قولي، وينبغي لِلإنسان أن يَعلم اصطلاحات أهل العلم عندما يجد عبارة أو كلاما لبعضهم أو لهم جميعا .. لابد مِن أن يَعرِف ذلك المصطلح الذي يَعْنُونَه، وإلا فلا يُمكن أن يقال بعدم فضل الاعتكاف مع مواظبة رسول الله صلوات الله وسلامه عليه كما ذكرتُ.

وأما شروطه فله شروط متعدِّدة، منها ما هو متّفَق عليه بين أهل العلم، ومنها ما هو مختلَف فيه.

فمن تلك الشروط: الإسلام، وهذا الشرط شرطُ صِحّة، وهو شرطٌ في كل العبادات، وإذا وجدنا اشتراط الإسلام فمعنى ذلك أنه لا يَصحّ من الكافر شيء من العبادات رأسا، فإذا قيل باشتراط ذلك في بعض العبادات الواجبة-كالحج والصلاة والصيام والزكاة-فمعنى ذلك أنّ ذلك لا يَصحّ، لا أنه لا يُخاطَب بذلك، بل هو مخاطَب بذلك، على أصحّ الأقوال وأشهرها، وهو الذي تدلّ له الأدلة الكثيرة من كتاب الله تبارك وتعالى، والاعتكاف وإن لم يكن واجبا ولكنه أيضا لا يَصحّ إلاّ من مسلم، فلو اعتكف كافر فذلك لا يَصح، بل لابد من أن يَدخل أوّلا في الإسلام وأن يَلتزم بشرع الله-تبارك وتعالى-وبعد ذلك إن شاء أن يَعتكف فليعتكف، فهذا هو المقصود من شرط الإسلام عندما يَذكره العلماء ولاسيما في الأمور الواجبة.

ومن ذلك: العقل، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن مجنون ولا مِن سَكران ولا مِن مُغمَى عليه، فلو اعتكف مجنون أو سكران أو مغمى عليه فلا ثواب له، بل لا يَصح ذلك منه.

نعم إذا دخل شخص في الاعتكاف وأصابه الإغماء بعد ذلك بعد أن طلع الفجر:

1-فإنّ طائفة من أهل العلم يَقولون: " إنّ اعتكافه لذلك اليوم صحيح ".

2-وإن كان بعضهم يَرى خلاف ذلك.

ولكنّ القول الأول قالت به طائفة كبيرة من أهل العلم، وله وجه قوي في النظر.

ومن ذلك: التمييز، فالصبي إذا كان غَير مميّز فإنه لا يَصحّ منه، والتمييز بالنسبة إلى الصبيان يَختلِف من طفل إلى طفل، فلا يُمكن أن يُحدّ ذلك بسنة معيّنة، وإنما ذلك يَدور على من كان يَفهم الخطاب ويَستطيع الجواب ويَفقه معنى ذلك فتَصحّ منه النية، فمَن كان كذلك فهو الذي يَصحّ منه، وهو الذي يُقال عنه بأنه مميّز.

ومن ذلك: النية، إذ لا يَصحّ عمل من الأعمال إلا بنيّة إذا كان ذلك العمل يَتعلّق بمثل هذه العبادات، نعم إذا كان ذلك يَتعلّق بطهارة-أو ما شابه ذلك-وكانت الطهارة لثوب وليست لجسد فإنّ تلك النجاسة تَزول ولو لم تكن هنالك نية على أصحّ الأقوال وأشهرها، أما مثل هذه العبادات فلابد لها من النية، فالنية-إذن-شرط لصحّة الاعتكاف.

ومن ذلك: الصوم، فإنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى أنّ الصيام شرط في صحّة الاعتكاف، وأنّ اعتكاف من لم يَصُم ليس بصحيح بل لا ينبغي أن يُسمّى ذلك اعتكافا؛ وهذا هو قول طائفة-كما قلتُ-من أهل العلم، وهو مروي عن طائفة من الصحابة رضوان الله-تعالى-عليهم، فقد روي عن السيدة عائشة، وروي عن ابن عمر وابن عباس رضي الله-تبارك وتعالى-عنهم، وهو مذهب أصحابنا وإن كان هنالك ما يُفهَم من كلام بعضهم بأنه قد ذهب بعض الأصحاب إلى عدم اشتراط ذلك ولكنّ القول المشهور المنصور عندهم هو اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف (1)، وهو قول الإمام مالك، وعليه جمهور أصحابه، وخالف منهم ابن لُبابة، فقال بعدم اشتراط الصيام في الاعتكاف، وهو قول بعض الشافعية، وهو رواية عن الإمام أحمد وعن إسحاق، ورَجَّح ذلك ابن تيمية وابن القيم من المتأخِّرين، وهو قول الثوري والليث والحسن بن حي.

نعم ذكرنا أنّ طائفة كبيرة من أهل العلم ذهبت إلى اشتراط الصيام في الاعتكاف وأنّ الاعتكاف لا يَصحّ إلا به، وذكرنا مجموعة من أولئك العلماء الأعلام الذين ذهبوا إلى اشتراط ذلك، وهنالك بقية أخرى لا بأس بذكر طائفة منهم، فمِمّن ذهب إلى ذلك من أهل العلم النّخعي والشّعبي، وذهب إلى ذلك نافع والقاسم بن محمد والأوزاعي والزهري، وطائفة من التابعين، وقيل: " إنه المذهب القديم للإمام الشافعي "، و-كذلك-ذهبت إلى ذلك الحنفية في الصوم الواجب، ويُفهَم من بعضهم-أيضا-أنّ طائفة منهم يَشترِطون ذلك حتى في غير الصوم الواجب، فهذه جماعة كبيرة جدا ممن ذهبوا إلى اشترط الصيام، فلا يُمكن أن يَدّعي مدّعٍ بعد ذلك بِأنّ مذهبا معيّنا هو الذي يَشترِط الصيام بخلاف بقية الأمّة، فهذه جماعة كبيرة من الأمّة الإسلامية من الصحابة والتابعين ومن أتباع المذاهب الأخرى قد ذهبت إلى ذلك، ولهذا الرأي أدلة كثيرة جدا، ولكنّ الوقت أرى أنه لا يَسمَح بذلك، ويكفي من ذلك أنّ النبي-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-لم يَعتكِف إلاّ في العشر الأواخر من رمضان وهو لا شكّ ولا ريب بأنه كان صائما، أما ما جاء مِن اعتكافه بعد ذلك فإننا وإن كنّا لا نقوى على الجزم بأنه قد صام إلا أنه أيضا ليس هنالك دليل آخر يَدلّ على عدم صيامه صلوات الله وسلامه عليه، والروايات مختلِفة .. جاء في بعض الروايات أنه اعتكف في العشر الأوائل، وفي بعضها أنه اعتكف في الأواخر، وفي بعضها بأنه اعتكف في رمضان من غير أن تُحدِّد الرواية بأنّ ذلك جاء في الأول أو في الآخر، فمع هذا الاحتمال لا يُمكِن أن يَحتج بذلك مُحتَج على عدم شرطية الصيام في الاعتكاف، و-أيضا-نجد المولى-تبارك وتعالى-قد ذَكر الاعتكاف في معرض ذِكره للصيام (2) وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام، ومِن المعلوم أنه لم يأت دليل واحد يدل على عدم اشتراط الصيام، وكل ما روي من الأحاديث التي فيها مشروعية ذلك من دون الصيام أحاديث لا تَثبت عن النبي صلوات الله وسلامه عليه.

هذا ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف: أن يكون المعتكِف طاهرا من الحدث الأكبر، فلا يَصحّ الاعتكاف مِن الجنب ولا مِن الحائض ولا مِن النفساء .. هذا هو القول المشهور عند الأمّة الإسلامية، وهو الحق الذي لا ريب فيه .. نعم إذا كان الإنسان معتكِفا وأصابته جنابة فإنه يُؤمَر بالاغتسال مباشَرة ولا يُؤثِّر ذلك في اعتكافه ولا في صيامه.

والدليل على اشتراط ذلك أنّ الاعتكاف لا يكون إلا في المسجد والجنب والحائض والنفساء كلهم منهيون عن دخول المسجد-وعند بعضهم مَنهيون عن المكث فيه-ومن المعلوم بأنّ من أهم الشروط في الاعتكاف هو أن يكون في مسجد من المساجد كما سيأتي بمشيئة الله تبارك وتعالى.

وكذلك-أيضا-قد رجّحنا أنّ الاعتكاف لا يكون إلا بالصيام ومِن المعلوم المتقرِّر أنّ الصيام لا يَصح مع الحيض والنفاس بل الحائض والنفساء يَحرم عليهما الصيام كما هو معلوم.

أما الجنب فقد اختلف العلماء في صيامه .. أي هل يصح الصيام مع الجنابة أو لا ؟ والقول الصحيح الذي يَدل له الحديث الصحيح الثابت عن النبي-صلوات الله وسلامه عليه-أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا، كما جاء ذلك عند الإمام الربيع رحمه الله، وجاء عند غيره من أئمة المحدثين.

وأما ما جاء مِن أنه صلوات الله وسلامه عليه أصبح وهو جنب وهو صائم فذلك الحديث يُعارِضه هذا الحديث وإذا تعارض حديثان أحدهما يقتضي التحريم والثاني يقتضي الإباحة فإنه يُقدَّم الدليل الذي يَدل على التحريم على الدليل الدال على الإباحة، فالظاهر أنّ فعله صلوات الله وسلامه عليه كان متقدِّما على حديثه الذي جاء فيه أنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا.

والقول بأنّ ذلك على الاستحباب مردود لأنّ الحديث يَدل دلالة واضحة لا غموض فيها بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا (3) ولا يمكن أن يُؤخذ من ذلك أنّ ذلك على الاستحباب-أو ما شابه ذلك-لأنه نصّ صريح على أنه أصبح مفطرا.

والقول-أيضا-بأنه منسوخ-أو ما شابه ذلك-مخالِف للواقع، لأنّ الأصل أن يكون هذا المتأخِّر هو الناسخ، ومَن ادّعى خلاف ذلك فعليه الدليل.

ولولا أنّ الوقت لا يَتسع للإطالة لأطلتُ في هذه القضية، نظرا إلى أنّ كثرة كاثرة من أهل العلم يَرون خلاف ذلك، ولعلنا نجيب عن ذلك في مناسبة أخرى بمشيئة الله تبارك وتعالى.

ومن الشروط التي لابد منها في الاعتكاف بل هو الشرط الأساسي بل هو الركن الذي لابد منه: اللبث في المسجد، إذ لا يَصحّ الاعتكاف إلاّ في مسجد من المساجد؛ وقد اختلف العلماء في المسجد الذي يَصحّ فيه الاعتكاف:

ذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه يَصحّ في كل مسجد من المساجد سواء كانت تُقام فيه الجمعة أو لا وسواء كانت تُقام فيه الجماعة أو لا.

وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لا يَصحّ إلا في المسجد الذي تُقام فيه الجماعة وإن كانت لا تُقام فيه الجمعة.

وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أنه لابد مِن أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة إذا كان الاعتكاف يَستمرّ إلى يوم الجمعة، أما من أراد أن يَعتكِف ستّة أيام وابتدأ الاعتكاف من ليلة السبت مثلا وسيَخرُج قبل يوم الجمعة .. أي أنه لن يَكون معتكِفا في يوم الجمعة فإنه لا يُشترَط أن يكون في مسجد تُقام فيه الجمعة حتى على رأي هؤلاء.

وذهبت طائفة قليلة جدا إلى أنه لا يَصحّ إلا في أحد المساجد الثلاثة .. أي المسجد الحرام أو المسجد النبوي أو المسجد الأقصى؛ وهو قول ضعيف جدا، وإن احتجّ له بعضهم برواية تُروى عن حذيفة-رضي الله تبارك وتعالى عنه-فإنّ تلك الرواية-على الصحيح-موقوفة، وليست بِمتّصلة عن النبي صلوات الله وسلامه عليه، ووَصْل من وَصَلَها يُعتبَر من باب الشاذّ على القول الصحيح الراجح، وإن احتجّ بعض المتأخِّرين لهذا القول وحاول الانتصار له فإنه لم يُوفَّق إلى الصواب عندنا أي على ما نرى؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.

هذا وممّا ذكرناه أنه لابد مِن أن يَكون في المسجد، فإذا اعتكف في مسجد لا تُقام فيه الجمعة فإنه لابد مِن أن يَخرج إلى الجمعة.

وبعض العلماء ذهب إلى أنّ ذلك لا يَصحّ كما قلتُ.

ولكنّ الرأي الصحيح أنه يَصحّ منه ذلك إذا كانت الجمعة تَجب عليه، أما إذا كانت الجمعة لا تَجب عليه فإنه لا يَخرج إليها.

وقد اختلف العلماء في وقت الخروج إلى الجمعة:

ذهب بعضهم إلى أنه لا يَخرج إليها إلا قُبَيْل النداء لها بحيث إنه عندما يَصل إلى السجد يُصلي أربع ركعات وبعد ذلك تُقام الجمعة وإذا انتهى من الجمعة ومن السنّة البَعْدِية فإنه يَرجع إلى المسجد الذي يَعتكِف فيه.

وذهب بعضهم إلى أنه يُسنّ له بأن يَخرج من المسجد الذي يَعتكِف فيه في الوقت الأفضل، كما جاء في الحديث عن النبي صلوات الله وسلامه عليه .. أي يُسنّ له البكور إلى صلاة الجمعة.

وذهب بعضهم إلى أنّ ذلك جائز ولا يُمكن أن يُوصف بالسنّة في حقّه، لأنّ السنّة في حقّه-على رأي هؤلاء-أن يَمكث في المسجد الذي يَعتكِف فيه.

هذا ما يتعلّق بالخروج إلى الجمعة على وجه الاختصار.

ويُستثنى من وقت اللّبث في المسجد ما تدعو الحاجة إليه:

وذلك كقضاء حاجة الإنسان فإنّ هذا مُستثنى باتّفاق الأمّة الإسلامية قاطبة، إذ لا يُمكن للإنسان أن يَقضي حاجته في المسجد، بل لابد مِن أن يَذهب إلى مكان آخر خارج المسجد ولكن إذا كانت هنالك دورات مياه بالقرب من المسجد فإنه يَقضي حاجته فيها، وليس له أن يذهب إلى بيته على الصحيح، أما إذا لم يَكن هنالك مكان لقضاء الحاجة فإنه يَذهب إلى بيته للضرورة، وإذا كان لديه بيتان أحدهما أقرب من الآخر فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت الأبعد، بل عليه أن يَقضي حاجته في البيت الأقرب، وفي هذا الزمان-بحمد الله تبارك وتعالى-مواضع قضاء الحاجة متوافرة بالقرب من المساجد.

وكذلك بالنسبة إلى الأكل:

ذهب بعض العلماء إلى أنه إذا كان يَجد من يأتيه بِأكله وشرابه إلى المسجد فإنه ليس له أن يَذهب إلى البيت، وهذا هو الذي ذهب إليه الجمهور.

وذهب بعضهم إلى أنه يَجوز له ولو كان يجد من يأتي إليه بذلك.

وذهب بعضهم إلى أنه إن كان يَستحيٍي بِأن يَأكل في المسجد فذلك له، وإلا فلا.

وأقول: إن وَجد مَن يَأتي إليه بذلك (4/ فإنه لا يُرخَّص له بالخروج من المسجد، ولا عبرة بالاستحياء هاهنا فإنه بِإمكانه أن يَذهب إلى جهة من جهات المسجد ويأكل فيها.

وهكذا لا يَجوز للإنسان أن يَخرج إلا لمثل هذه الحالات الضرورية القصوى:

وذلك-أيضا-كالاغتسال الذي لابد منه أو الذي تَدعو إليه الضرورة، وأما ماعدا ذلك من الخروج الذي يَخرجه كثير من الناس وإن رَخَّص فيه من رَخَّص من أهل العلم فإنه يَنبغي أن يُشدَّد فيه-ولستُ الآن بِحاجة إلى ذِكر تلك الأمور-وإن كان يُمكن أن يُرخَّص في بعضها إذا كانت هنالك ضرورة ماسّة.

وذلك-مثلا-كمَن مات له قريب يَلي هو الصلاة عليه ودفنَه:

فإنّ بعض أهل لعلم يُرخِّص في ذلك.

وبعضهم يذهب إلى أنّ اعتكافه يَفسد.

والقول بالترخيص إذا كان هو الذي يَلي ذلك ولا يوجد أحد آخر يقوم بذلك فإنّ له وجها.

وكذلك بالنسبة إلى زيارة المريض إذا كان قريبا له إذا كان يَمرّ عليه عند رجوعه من اغتساله أو من قضاء حاجته فيُرخَّص فيه بشرط ألاّ يَجلس بل يُسلِّم وهو مار في طريقه، أما إذا كان لم يَخرج لقضاء حاجة ضرورية فإنه لا يُرخَّص له في الخروج من أجل ذلك، وكذلك إذا كان ذلك الطريق في ناحية أخرى فإنه لا يُرخَّص له في ذلك، لأنّ كلَّ ذلك يَتنافى مع معنى الاعتكاف.

و-كذلك-كثير من الناس يَسألون من أنهم يُريدون الاعتكاف ولكنّهم يَخرجون إلى العمل ثم يَرجعون بعد الرجوع من عملهم وهكذا بالنسبة إلى طلبة العلم فإنّ بعضا منهم يريد أن يَخرج إلى الدراسة ثم يَرجع إلى معتكَفه، وأقول: إنّ ذلك يتنافى مع الاعتكاف.

وذهب بعض أهل العلم إلى أنّ الإنسان إذا اشترط عند اعتكافه بِأنه يَخرج لكذا ويَخرج لكذا فإنّ ذلك له، وأخذوا ذلك مِن الاشتراط في الحج، فإنّ الرسول-صلى الله عليه وعلى آله وسلم-رَخَّص في مَن يَخاف ألاّ يَتمكّن من إتمام مناسك الحج أن يَشترط بأنه يحل في الموضع الذي لا يَتمكّن من مواصلة الحج فيه، ولكنّ بين القضيتين فرقا شاسعا كما لا يَخفى، فإنّ ذلك الشخص لا يَتمكن من مواصلة الحج وأما هذا فإنه متمكّن من ذلك وإنما يَذهب لقضاء حاجة.

نعم يُمكن أن يُرخَّص في الاشتراط لمن خاف مِن مرض يُداهِمه أو ما شابه ذلك فإنه يَشترط بِأنه إذا لم يَتمكّن من الاعتكاف بسبب مرض أو مرض قريب أو موته بأنه سيَخرج من ذلك الاعتكاف، وهذا كله فيما يَتعلّق باعتكاف النفل.

أما بالنسبة إلى الاعتكاف الواجب-أيضا-إذا اشترط فيه فيجري فيه ما ذكرناه مِن الخلاف في الاشتراط وعدمه، ولكنّ القول بالاشتراط قول ضعيف جدا إلا فيما يَتعلّق بما ذكرتُه من خوف مرض أو مرض قريب يقوم هو بشؤونه أو ما شابه ذلك.

هذا ومن الجدير بِالذِّكر أنّ مِن أهمّ الأمور التي يَجتنبها المعتكِف مباشَرة النساء، فلا يَجوز له وطء النساء كما أنه-أيضا-لا يَجوز له أن يَفعل شيئا من مُقدِّمات الوطء، فهذا أمر مهمّ، ولم أذكره من قبلُ في الشروط لأنّ ذلك مِن مُفسدات الاعتكاف، ولكن نظرا إلى ضيق الوقت وأنه لا يُمكن أن نُجيب عن ذلك بِجواب مُستقِل فإنه يُمكن أن نقول: إنّ مِن شروط ذلك ألاّ يَطأ الإنسان ولا يَفعل شيئا من مُقدٍّمات الوطء؛ والله-تبارك وتعالى-أعلم.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــــــــــــــ ــــــ
(1)قال الشيخ: " اشتراط الاعتكاف " بدلا من " اشتراط الصوم في صحة الاعتكاف " وهو سبق لسان.

(2/ (( أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلاَ تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ ... )) [ سورة البقرة، من الآية: 187 ].

(3)أُبدِل قول الشيخ: " بأنّه أصبح مفطرا " بهذه العبارة " بأنّ من أصبح جنبا أصبح مفطرا " وذلك للإيضاح أكثر.

(4)س11: هل هناك مِن بأس في استعمال الهاتف النقّال في المسجد وخاصّة بالنسبة للمعتكِف حيث سمعنا أنّ الاتصال عبارة عن معاملة مالية بين المتّصل والشركة ؟ وهل يُؤثِّر على الاعتكاف خاصة أنّ مَن يَستعمِله يَرغَب في الاتصال بِأهله لطلب الطعام وغيره من الطلبات التي قد يَحتاجها الإنسان في حالة اعتكافه أو وجوده بالمسجد ؟
ج: قبل الإجابة على هذا السؤال أنا أريد أن أنبّه الإخوة المستمعين إلى ما يَجب من احترام المسجد .. كثيرا ما نكون صافِّين في الصلاة متوجِّهين إلى الله-تعالى-وإذا بِهذه الهواتف النقّالة تُزعِجنا من هنا ومن هناك وكأنّنا في مكان فيه ضوضاء وجَلَبَة، وبعض هذه الهواتف فيها أصوات موسيقية وكأنما في حَلْبَة موسيقية نَسمع فيها الكثير الكثير من الأصوات الموسيقية كأننا خارج الصلاة .. هذا أمر يُزعِج المصلّين .. لا ينبغي أن يَفعله الناس .. ما لهؤلاء الناس وهم يَأتون إلى بيوت الله-سبحانه-يَأتون بهذه الهواتف النقّالة وهي مفتوحة ويَتركونها كذلك لِتُزعِج الناس وتَشْغَلَهُم عن الصلاة ؟! مع أنّ في الصلاة شُغْلاً، لأنّ صلاة الإنسان تعني إقباله على ربّه وتَركه همومَ الدنيا وتَركه لِجميع مشاغل النفس، لأنّ صلاته إقبال على عالَم آخر .. على عالَم القُدُس .. على مخاطبةِ الله-تبارك وتعالى-وحده، ولكن-مع الأسف الشديد-هؤلاء الذين لا يُقَدِّرون للصلاة قيمتها ولا يَعرفون منزلتها عند الله-سبحانه وتعالى-لا يبالون بهذا .. هذا أمر يَجِب أن يَتنبَّهوا له.
أما إن كان مُجرَّد طلب حاجة من غير أن يَتركَ الهاتف شغّالاً لِيُزْعِج الناس في المسجد فلا مانع منه، أما أن يَعقِد الصفقات مع هذا أو هذا وهو في المسجد فذلك غيرُ جائز، وإنما يَتحدَّث في الهاتف في غير أوقات الصلاة بِقدر ضرورته فحسب، ولا مانع مِن هذا، لأنّ الضرورة تُقدَّر بِقَدَرها.
س12: بعض الناس ربما يغفل عن إغلاق هاتفه فيصيح وهو في الصلاة ثم يقوم بقفله، هل هذه الحركة تؤثّر على الصلاة ؟
ج: حقيقة الأمر؛ هذا دليل الإهمال، ودليل عدم المبالاة بِحقّ الصلاة .. أنا قلتُ يجب أن يُقال في حقِّ هؤلاء بِأنهم عليهم أن يُغلِقوا هواتفهم وعليهم أن يعيدوا صلاتهم، لأنهم مِن أوّل الأمر هم مهمِلون لِلواجب .. غيرُ مبالِين بِحقِّ الصلاة.
س: والبعض يَجعله هزّازا فعندما يأتيه اتصال يَهتزّ جزء من جسده، فهل هذا-أيضا-يؤثّر على الصلاة ؟
ج: إن كان يَشْغَله، ويَذهب بِفِكره عن الصلاة فلا ريب أنّ ذلك ممنوع شرعا.
الشيخ أحمد بن حمد الخليلي، برنامج " سؤال أهل الذكر " حلقة 25 رمضان 1423هـ ( 1 ديسمبر 2002م ) .

آخر تحرير بواسطة سليمان بن موسى : 15/10/2004 الساعة 04:03 PM