عرض المشاركة وحيدة
  #2  
قديم 06/08/2004, 06:52 PM
البسيوي البسيوي غير متواجد حالياً
مـشــــــــرف
 
تاريخ الانضمام: 15/03/2001
الإقامة: مسقط / بسياء
المشاركات: 4,060
إن ميلنا العربي للتكريس والتقديس يجعل من مثل هذا الكتاب ظاهرة. وربما كان الغرب أكثر ألفة في التعامل مع مثله، وكذلك الولايات المتحدة الأميركية، لأسباب قد تعود بجزء ضئيل منها للديمقراطية، إنما جزؤها الوافر يعود للإثارة والرغبة العامة في الشعرية وكسر المألوف. ثقافتنا العربية الراهنة لا تقبل هذا الموضوع ببساطة فدائرة المحرمات فيها واسعة وضاغطة.

تقول السمان، في فدوى طوقان (متناولة بكلامها سيرتها الذاتية المشار إليها آنفاً): "نصها أشبه بمحاولات بهلوانية تائهة ومضطربة ومتلاعبة بأكثر من رغبة وهاجس ومطمع.. تنحو هذا المنحى من البوح الذي لا يغترف من الجرأة بقدر ما يستجر من الغرور، فقد أصبحت السيرة الذاتية بكل ما فيها من تأريخ وتوثيق ومخيلة تعتمد فكرة واحدة تتموضع بشراسة بلغت في بعض الصفحات حد الحماقة. إذا استثنينا من أعطافها وقاحة تذكر وتستشيط..

وهي، قبل أن تسترسل في مثل هذا النقد، تعرج على سميح القاسم كاتب مقدمة السيرة، فتصفه بأنه "تهاوى وانجرف في تيار التبعية والتواطؤ".. فضلاً عن "الرتابة والانصياعية"، يضاف لذلك.. النرجسية والذاتية والمطامح الغائية" وصولاً إلى اتهامه.. بإدمان التلفيق الإعلامي".

مثل هذا القاموس النقدي للكاتبة يتكرر، ويتطاول على امتداد الكتاب.

فتصف صياغة طوقان لمذكراتها بأنها تحتمل الفهم الملتبس للنص، وأنها تكتب بلغة مسذجة ومتشاوفة ومتسامقة، وأن لقاءها بموشي دايان بعد حرب العام 1967، كان تملقاً مزدوجاً بين الطرفين، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا.. هل التجميل الفني بوسعه أن يخفي قبح مقاصد البوح؟.. و"هل لعقل سليم ألا تستثيره مثل هذه الانفعالات (المتشاوقة) (ربما من الشوق المزدوج بين دايان وطوقان) باستشباقات ذاتية نرجسية هائلة لمصادرة ذهن المتلقي مثل غيره، ومن ثم هندسته وبنائيته وفق مفاهيم استرضائية لمراحل مقبلة تتلاءم ومصلحة الشعب التوراتي لا سواه؟" (ص36)... وهكذا:
إن العبارات المذكورة آنفاً جزء معبر عن كل، في اتهام الكاتبة للشاعرة الفلسطينية المقيمة في الأرض المحتلة (نابلس) فدوى طوقان، بالضبابية والعاطفية والغيبوبة الوطنية الواصلة لحد التواطؤ مع العدو، فكيف لشاعرة مهما كان وزنها الشعري، أن تتباهى بلقاء موشي دايان بعد هزيمة العرب المدوية في الخامس من حزيران 67، وتتباهى بمديحه لها، وكيف لها أن تقبل سفارته لدى جمال عبدالناصر عارضاً من خلالها الاجتماع به، وسفارة ثانية لها لدى ياسر عرفات، عارضاً أيضاً الاجتماع به..

وقد قامت فدوى طوقان بالفعل بهاتين المهمتين، تقول طوقان في مذكراتها: "قال دايان: كيف ننسحب وهناك لاءات عبدالناصر، الفلسطينيون وحدهم هم القادرون على أن يؤثروا على عبدالناصر.
هنا التفت إلى رئيس البلدية وإلى ابن عمي قدري متسائلة: ومن يفعل ذلك؟

قال دايان: أفعلي أنت هذا".

وكلفها دايان باللقاء بياسر عرفات في بيروت ففعلت أيضاً.

وقامت خلال لقائها بناصر في القاهرة بعرض لقائه مع دايان، فرفض. وقامت أيضاً في بيروت بعرض هذا اللقاء على عرفات فرفض بدوره.

هذا اللقاء بين طوقان ودايان، يؤكده ببعض تفاصيله، موشي دايان بالذات من خلال مذكراته التي نشرت ونقلت للعربية، بعنوان "يوميات قادة العدو -3- الفاشية - موشي دايان، دار المسيرة، بيروت (ص 144و145)، كما يؤكد تكليفه لها بمسعى لدى ناصر وعرفات. هو يذكر أيضاً أنه عاد فالتقاها ثانية بعد شهرين، في فندق الملك داوود في القدس. وسمع منها نقد عبدالناصر القاسي لها "فقد أخذ عليها التقاءها مع دايان".. فكأن فدوى طوقان بذلك كانت من التجارب الخطيرة الممهدة لكامب ديفيد، أو لأوسلو. والسؤال كيف؟ ولماذا؟..

"هل هذه المذكرات بمثابة ورقة تفاوضية مبكرة، في ظل الهزائم العربية والفلسطينية؟... ولماذا يتم تجميل صورة اليهودي والإسرائيلي ممثلين بموشي دايان (الرهيب) في مذكرات فدوى طوقان، إلى حدود الإثارة؟

ففي زمن المذابح الكبرى المتتالية للفلسطينيين والعرب، على يد قادة إسرائيل، أمن الجائز مديح اليهودي بمثل ما فعلته طوقان، ونفض الغبار عن سترة المحارب القاتل دايان، بيد الشعر الناعمة؟ بيد الإنسان.. وأي إنسان؟

تأخذ السمان على طوقان أنها تتحدث يجيشان عاطفي ونرجسية شعرية وأوهام إنسانية عن اليهودي الملتبس بالصهيوني، وتهمل فلسطين والفلسطيني والعربي.. تهمل ذاتها، بل تنسى ذاتها.

تلتفت إلى عشق دايان لجمع الآثار (كصاحب هواية فنية أو ثقافية) وتنسى أنه سارق كبير لأرض بكاملها هي فلسطين.. يجتمع بشاعرة ويقتل الأطفال. يطلب منها الوساطة لدى رموز عظيمة من التاريخ العربي المعاصر كجمال عبدالناصر في وقت هزيمته وانكساره. لذا تسأل السمان "كيف باستطاعة فدوى طوقان أن تسفح ماء وجهها حتى هذا الرمق؟ (ص72).


يتبع ..