عرض المشاركة وحيدة
  #1  
قديم 07/06/2004, 06:18 PM
أبو زياد أبو زياد غير متواجد حالياً
عضو متميز
 
تاريخ الانضمام: 27/05/2001
المشاركات: 1,254
سؤال أهل الذكر 17 من ربيع الثاني 1425هـ( القرآن الكريم والصيف )

فهرس أسئلة واجوبة برنامج سؤال اهل الذكر على هذا الرابط :
http://om.s-oman.net/showthread.php?threadid=96221


سؤال أهل الذكر 17 من ربيع الثاني 1425هـ ، 6/6/2004م

الموضوع : القرآن الكريم والصيف

السؤال(1)
ما مفهوم وقت الفراغ في حياة المسلم ، وكيف يمكن أن يعمر هذا الفراغ بحيث يعود عليه بالصالح المفيد ؟


الجواب :
بسم الله الرحمن الرحيم ، الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين ، أما بعد :

فإن المسلم لا يترك جزءاً من وقته يمر سدى ، لأنه يشعر بأنه مسئول عن وقته ، فإن الله تبارك وتعالى جعل الحياة هي النعمة الكبرى التي منحها هذا الإنسان وتترتب بقية النعم عليها .

وجاء في الحديث الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وسلّم ما يدل على أن العمر هو في مقدمة ما يُسئل عنه العبد ، لأن كل شيء إنما يترتب عليه ، فتكاليف الحياة إنما هي تترتب على العمر ، والنعم الكبرى التي يسبح في خضمها الإنسان إنما جعلها الله تبارك وتعالى مؤطرة في إطار العمر ، وكل ما يتعلق بالإنسان إنما هو يدور في فلك عمره ، فلذلك كان هذا العمر مسئولاً عنه ، ففي الحديث الذي رواه الترمذي من حديث أبي برزة الأسلمي قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم : لا تزول قدما ابن آدم يوم القيامة من عند ربه حتى يسئل عن خمس عن عمره فيما أفناه ، وعن شبابه فيما أبلاه ، وعن ماله من أين اكتسبه وفيما أنفقه ، وماذا عمل فيما علم .

يسئل الإنسان عن العمر ، هذا العمر الذي هو هبة الله تبارك وتعالى الكبرى للإنسان فيما أفناه ، لأن كل لحظة من لحظات العمر إنما هي على حسابه ، فما من لحظة تمر إلا وقد خسرها الإنسان إن لم يربح فيها عملاً صالحاً يتقرب به إلى الله تبارك وتعالى زلفى .

وأنفاس الإنسان إنما هي خطواته التي يسير بها إلى لقاء الله تبارك وتعالى ، فما من نفس يتنفسه الإنسان يمكن أن يعوض ، لأن كل نفس إنما هو على حساب العمر .

وبالجملة فإن جميع أوقات الإنسان إنما هي مطيته الدؤوب التي يقطع بها هذه الرحلة ، رحلة هذا العمر ، فالليل والنهار بدورانهما المستمر يطويان شريط العمر وقد أجاد من قال :

إذا ما تقاضى المرء يوم وليلة *** تقاضاه شيء لا يمل التقاضيا

فالليل والنهار إنما يتقاضيان الإنسان ليصلا به إلى الغاية المحتومة ، والغاية التي ينقلب من بعدها إلى وضع آخر بحيث ينقلب بعد هذه الغاية إلى حياة أخرى عندما يأذن الله تبارك وتعالى بعودة الحياة إليه ليلقى جزاء ما قدم من خير وشر ، فلذلك كان الإنسان مسئولاً عن عمره ، فعليه أن يحرص كل الحرص على انتهاز فرص هذا العمر .

لذلك كان فراغ المسلم عندما يكون متمسكاً بإسلامه لا بد من أن يشغله بشيء ، ولئن كان العمر كله بهذا القدر من القيمة الثمينة بحيث إنه جوهرة غالية إن إضاعها الإنسان لا يعوضها شيء فإن مرحلة الشباب بصفة خاصة مرحلة متميزة فلذلك كان عنه سؤال خاص كما جاء ( وعن شبابه فيما أبلاه ) ، لأنه هو المرحلة الذهبية في هذا العمر ، فالشباب هو تاج العمر وزينته وبهجته لأنه المرحلة التي تنضح بالفتوة وتتميز بالقوة ، وهو المرحلة التي يمكن للإنسان فيها ما لا يمكنه فيما بعدها ، وهو سرعان ما ينقضي إذ الشباب هو أشبه ما يكون بحلم يحمله الإنسان ثم بعد ذلك يستيقظ عليه وقد انتهى ، هكذا شأن الشباب ، وقد أجاد من قال :

شيئان ينقشعان أول وهلة *** ظل الشباب وخلة الأشرار
لا حبذا الشيب الوفي وحبذا *** غصن الشباب الخائن الغدار
وطري من الدنيا الشباب وروقه *** فإذا مضى فقد انقضت أوطاري
قصرت مسافته وما حسناته*** عندي ولا آلاؤه بقصار

فإذاً الإنسان وهو في مرحلة شبابه عليه أن ينتهز هذه الفرصة ، وأن لا يجعل هذه المرحلة فرصة للعب واللهو والمرح والاشتغال بالملذات والشهوات ، وإنما عليه أن يجعل من شبابه فرصة ثمينة للعمل الذي يقربه إلى الله تبارك وتعالى زلفى .

ولا ريب أن كل عمل صالح وكل ما يمكن أن يصلح الإنسان في دنياه هذه أو في آخرته فإنه ينبني على العلم . ولذلك كانت هذه الرسالة رسالة علم . الله تبارك وتعالى أول ما خاطب رسوله محمداً صلى الله عليه وسلّم قال له ( اقْرَأْ )(العلق: من الآية1) . لم يقل له أي كلمة أخرى . لم يخاطبه بالعبادة أولاً ، لم يقل له اعبد أو أطع أو انقد أو أذعن أو نحو ذلك وإنما قال له ( اقْرَأْ ) .

هذه الكلمة ذات المدلول الواسع بحيث إنها لا يمكن أن يفي بمعناها أي لفظ آخر ، فإنه لو قيل بدلاً من هذه الكلمة اعلم أو تبين أو أدرك أو افهم أو تفهم أو نحو ذلك لم تف كلمة من هذه الكلمات بما تدل عليه كلمة ( اقْرَأْ ) من أبعاد واسعة ، بحيث إنها تدعو إلى القراءة ، والقراءة إنما هي قراءة للمكتوب ، والمكتوب إنما قراءته تحصيل للعلم بطرقه الكسبية .

فهذا العلم المطلوب إنما يتوصل إليه بالجد والتعب ، بالكتابة والقراءة ، بتخليده في الطروس ، بنقله من مكان إلى مكان ، ولا أدل على ذلك من أن الله تبارك وتعالى ذكر في فاتحة هذه السورة الثمينة أهم وسيلة من وسائل العلم وهو القلم الذي يخلد به العلم وينقل به من مكان إلى مكان ، ويتوارث به عبر الأجيال المتسلسلة والقرون المتعاقبة فإن الله تعالى قال ( اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ * خَلَقَ الإنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ * اقْرَأْ وَرَبُّكَ الأَكْرَمُ * الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ * عَلَّمَ الإنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ) (العلق:1-5) .

وأنا أعجب من أمة هذه فاتحة كتابها ، أي هذا أول من نزل من الوحي على الرسول صلى الله عليه وسلّم ، ونتلو نحن هذه الآيات الثمينة ، هذه الآيات العزيزة ، هذه الآيات الكريمة ليل نهار ولا نعتبر بها .

أنا أعجب من أمة هذا كتابها ، هذه بداية ما نزل منه على قلب رسولها عليه أفضل الصلاة والسلام كيف تكون أمة في مؤخرة الأمم من نواحي متعددة ، مع أننا نجد نحن في هذا الكتاب العزيز ما لا نجده في غيره ، أولاً من الربط ما بين العلم والعمل ، الأمر بالعلم والدعوة إليه والحض عليه ( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)(الزمر: من الآية9) ، ثم بجانب ذلك أيضاً وصل هذا العلم بشئون هذه الحياة الدنيا بحيث إن العلم الذي يطلب من الإنسان هو العلم الذي يقربه إلى الله زلفى ولكن مع ذلك هو لا بد من أن يكون معه علم يستطيع أن ينظّم به حياته هذه ، وأن يستغل هذه الحياة في الخير ، وأن يصل ما بينها وبين الدار الآخرة بحيث يربط ما بين الحياة والموت والدنيا والآخرة والعمل والجزاء والمسير والمصير ، كيف مع ذلك تكون هذه الأمة متخلفة .

بل نجد في هذا الكتاب العزيز ما يربط ما بين العمل لمصلحة هذه الحياة الدنيا بالعبادة التي تقرب إلى الله زلفى ، بل بأهم العبادات فإن الله تبارك وتعالى يقول ( فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (الجمعة:10) .

ونجد في هذا الكتاب العزيز أن الله تبارك وتعالى يمتن علينا بأنه خلق لنا ما في الأرض جميعاً ( هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً)(البقرة: من الآية29) ، ويقول ( وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ جَمِيعاً مِنْه)(الجاثـية: من الآية13) ، فكيف مع ذلك سبقتنا الأمم إلى هذا الخير العظيم .

أنا عجبت حقيقة من هذا الأمر عجباً غريباً أنني وجدت الأمم الأخرى سبقت هذه الأمة بمراحل بمراحل ، وهذا مما يدل على أنها قرأت كتاب ربها ولم تفهمه ، أو فهمته ولم تطبقه ، فهذه هي مصيبة هذه الأمة .

قبل فترة قريبة من أيام قريبة زارني رجل هو يمثل حكومته في الجانب التجاري والجانب الثقافي في السلطنة وهو رئيس مكتب تجاري وثقافي لتايوان ، وعجبت مما حدثني به ، ما كنت أحسب تايوان بهذا القدر ، حدثني عنها بأنها لا تزيد مساحتها عن ستة وثلاثين ألف كيلو مربع ، يعني ذلك هي أقل من تسع مساحة سلطنة عمان ، وشعبها اثنان وعشرون مليونا ، والبلد ليست فيه موارد طبيعية ولا فيه أي شيء من هذا القبيل ، ومع ذلك الدخل القومي هو ثلاثمائة وخمسون مليار ، والصادرات هي ثلاثمائة مليار ، والاحتياطي الموجود في الخارج هو مئتان وعشرون ملياراً ، هذا إن دل على شيء فإنما يدل على أن هؤلاء الناس عنوا بالعقل البشري ، عنوا بتربية العقل البشري ، فلذلك وصلوا إلى ما وصلوا إليه ، مع أن دينهم لا يدعوهم إلى ذلك ، فكيف ونحن ديننا يدعونا إلى ذلك .

أنا أعجب عندما أرى بأن اليابان التي نُكبت في الحرب العالمية بما لم ينكب به غيرها أصبحت عملاقة حتى أن اقتصادها الآن هو عشرة أضعاف اقتصاد الأمة الإسلامية بأسرها من أقصاها إلى أقصاها ، بينما مساحتها مساحة صغيرة محدودة وشعبها شعب كبير ، وبلادها ليست فيها موارد طبيعية ، ولكن هذا يعني أن العقل البشري هو الثروة الأولى للأمم قبل أي شيء ، فالثروة البشرية هي أهم ثروة ، وبقدر ما تكون الأمة أمة واعية أمة متفتحة هي تكون أمة متقدمة على غيرها من الأمم ، وهذا يعني أن هذه الفرص ، فرص هذه الأوقات التي تعتبر فراغاً يجب أن تستغل في الخير ، في خير الدين والدنيا معاً ، بحيث يوصل ما بين الدنيا والآخرة وما بين الدين والدنيا ، وتسخر الدنيا لمصلحة الدين ، هذا الذي يدعونا إليه ديننا الحنيف .

آخر تحرير بواسطة أبو زياد : 21/08/2004 الساعة 08:03 PM