|
(9)
آية الدخان
قال تعالى : (( حم * وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ إِنَّا كُنَّا مُنْذِرِينَ * فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ * أَمْراً مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ * رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ * لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ رَبُّكُمْ وَرَبُّ آبَائِكُمُ الْأَوَّلِينَ * بَلْ هُمْ فِي شَكٍّ يَلْعَبُونَ * فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ * رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ * أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ * ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ * إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ )) (الدخان:1- 16)
في ترتيب علامات الساعة عند أهل الحديث ، جعلوا الدخان العلامة السادسة ـ عند وضع المهدي أول العلامات ـ وتكون الخامسة عند وضع الدجال أول العلامات ، وليس للدخان في الحديث أي وصف ، وإنما مجرد ذكره كعلامة من علامات الساعة ، وإذ ذُكر الدخان في سورة الدخان ؛ لا بد من العودة للتفاسير ، وبعد مراجعة عدة من التفاسير تبين اختلاف المفسرين ، اختصرها جيدا النكت والعيون للماوردي قال :
وفي قوله تعالى : (( فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ )) في ارتقب وجهان :
أحدهما : معناه فانتظر يا محمد بـهؤلاء يوم تأتي السماء بدخان مبين ، قاله قتادة . وهذا التفسير من قتادة لا يتجاوز كلمة فانتظر .
الثاني : معناه فاحفظ يا محمد قولهم هذا ؛ لتشهد عليهم يوم تأتي السماء بدخان مبين ، ولذلك سمي الحافظ رقيبا ، قال الأعشى :
عَـلَيَّ رقـيبٌ لـه حافظٌ فقل في امرىء غلقٍ مرتهن
[ وهنا في تفسير الوجه الأول بأنَّ معنى فارتقب فانتظر ؛ يؤيد قول القائلين بأن الدخان آية خاصة حدثت ، ومع ربطها بالساعة رغم حدوثها ـ فلا هي من العلامات الصغرى ، ولا هي من العلامات الكبرى ـ أي هي من نمط ثالث ، وهو نمط المعجزات الخاصة فيتأكد وجود إشكالية في علامات الساعة ، وفي التفسير الثاني لكلمة فارتقب ؛ بمعنى فاحفظ لتشهد ؛ يكون الأمر إعلام بيوم القيامة ، وعلى التفسيرين لا علاقة لها بعلامات الساعة ]
وفي قوله تعالى : (( يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ )) ثلاثة أقاويل :
أحدهما : ما أصاب أهل مكة من شدة الجوع ، حتى صار بينهم وبين السماء كهيئة الدخان لـما دعا عليهم رسول الله r في إبطائهم عن الإيمان ، وقصدهم له بالأذى فقال : [ اللهم إكفينهم بسبع كسبع يوسف ] قاله ابن مسعود . قال أبو عبيدة : والدخان الجدب . وقال ابن قتيبة : سمي دخانا ليبس الأرض منه حتى يرتفع منها الدخان . الحديث المحصور بين حاصرتين رواه البخاري في روايات عدة مختلفة ، وفي أكثر من كتاب أي من أقسام صحيح البخاري ، وفي الروايات زيادة ونقص ، راجع الأحاديث في البخاري تحت رقم : 1006 ، 1007 ، 1020 ، 4693 ،4767 ،4774 ،4809 ،4820 ،4821 ،4822 ،4823 ، 4824 ، 4825 . والمعلوم أنَّ البخاري لـم ينفرد في إخراج هذا الحديث ، فكيف يجعل أهل الحديث الدخان من علامات الساعة الكبرى ؟ ونصوص الحديث الواضحة تأبى ذلك ، فنص الحديث منطوقا يتحدث عن دخان حدث للملأ من قريش بسبب دعوة الرسول عليهم بالابتلاء .
الثاني : أنه يوم فتح مكة لما حجبت السماء الغيوم ، قاله عبد الرحمن بن الأعرج .
الثالث : أنه دخان يهيج الناس يوم القيامة يأخذ المؤمن منه كالزكمة ، وينفخ الكافر حتى يخرج من كل مسمع منه ، رواه أبو سعيد الخدري مرفوعا .
موضوع أنَّ الدخان علامة من علامات الساعة الكبرى لا يتضح من الآية ، ولا يتضح من الأحاديث ، إلاَّ على اعتبار قبول حديث أبو سعيد الخدري ورفض ما قاله غيره ، وعليه فهو موضوع مشكل ، لا لأن علامات الساعة عليها إشكالية عامة كما مر في مواضيع سابقة ، بل على الإشكالية في الآية التي ذكرتْ الدخان ، من حيث دلالتها على كونـها من علامات الساعة ، على افتراض وجود علامات للساعة ؛ كما أدعى الكثير من أصحاب المناهج الإسلامية ؛ مع التحفظ على مقولات المناهج .
ما ينتهي إليه القارئ : أنْ ليس في الآية أي دليل على كونـها علامة ، فوضعها من الآيات العشر جاء على سبيل الحشر ، والأغلب أنَّه بسبب التأثر برؤيا يوحنا اللاهوتي ، فقد جاء في الإصحاح التاسع ما يلي : (( ثم بَوَّقَ الـملاك الخامس ، فرأيتُ كوكباً قد سقطَ من السماءِ إلى الأرضِ وأُعطيَ مفتاحُ بئر الهاوية ، فصعدَ دخانٌ من البئر كدخان أتون عظيم ، فأظلمتْ الشمسُ والجو من دخان البئر )) انتهى النص رؤيا 9:1،2 .
ويمكن القول : إنَّ ذكر الدخان هو عين انـهيار النظام الكوني ، أي هو حدث الساعة ، مثل قوله تعالى : (( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ )) (التكوير:1، 2) ومثل قوله تعالى أيضا : (( إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا * وَأَخْرَجَتِ الْأَرْضُ أَثْقَالَهَا )) (الزلزلة:1، 2) ومثل قوله تعالى : ((الْقَارِعَةُ *مَا الْقَارِعَةُ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْقَارِعَةُ * يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ * وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ الْمَنْفُوشِ )) (القارعة:1-5) ومثل هذه الآيات التي وردت تصف انـهيار النظام الكوني وردت سور عدة في القرآن تدل أسماؤها على يوم القيامة الذي يحدث بغتة وهذه أسماء هذه السور :
1- الجاثية ومنها : (( وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ )) .
2 – الذاريات : (( وَالذَّارِيَاتِ ذَرْواً * فَالْحَامِلاتِ وِقْراً *فَالْجَارِيَاتِ يُسْراً * فَالْمُقَسِّمَاتِ أَمْراً * إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَصَادِقٌ * وَإِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ )) الواقعة (( إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ * لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ * خَافِضَةٌ رَافِعَةٌ * إِذَا رُجَّتِ الْأَرْضُ رَجّاً * وَبُسَّتِ الْجِبَالُ بَسّاً * فَكَانَتْ هَبَاءً مُنْبَثّاً )) .
3- الحاقة ومنها (( فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ نَفْخَةٌ وَاحِدَةٌ * وَحُمِلَتِ الْأَرْضُ وَالْجِبَالُ فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً * فَيَوْمَئِذٍ وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ )) .
4- القيامة ومنها : (( لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ * أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْأِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ * يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ * فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ * وَخَسَفَ الْقَمَرُ * وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ )) .
5- التكوير ومنها : (( إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ * وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ * . ومنها أيضا : (( وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ * وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا أَحْضَرَتْ * .
6- الانفطار وجاء صدر السورة كما يلي : (( إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ * وَإِذَا الْكَوَاكِبُ انْتَثَرَتْ * وَإِذَا الْبِحَارُ فُجِّرَتْ * وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ * عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ * .
7- الانشقاق وهذا أولها :
ظهر أثناء النقاش مع أهل الاهتمام بالمعرفة الإسلامية ـ أي العلم كما هو المستعمل في الماضي ، أو الثقافة كما هو مصطلح الحاضر ـ تساؤلات حول موضوع علامات الساعة بالاتكاء على الأجزاء ، أي تساءلوا : ما هو القول بآيات معينة ؟ ـ ذكرت بعض ما هو من علامات الساعة ـ عند أهل التصديق بـها ، مثل : الدابة ، ويأجوج ومأجوج ، والدخان ، ويضيفون في أحيان كثيرة الآيات الواردة بشأن عيسى عليه السلام ، ومثل هذا النقاش الذي يتضمن الانتقال من الفرع إلى الأصل خطأٌ جلي ، إذ الأصل الانتقال من الأصل إلى الفرع ، فالفرع لا يجوز أنْ يكون ناقضا للأصل ، وهذه هي بعض الأصول في أمر علامات الساعة من الضروري التأسيس عليها :
1. البغتة : وهي أهم الأصول .
2. الأشراط : وهي قد جاءت .
3. العلامات : وهي غير الأشراط ولم ترد في القرآن الكريم .
4. أدوات الزمان والمكان .
5. مادة النص [ أي البنية المعرفية ] تخالف معطيات الحواس
6.
هذه أصول أساسية للفهم ، فإذا جرى بناء النسق الفكري عليها ، فإنـها ستحول بين الفهم الذري أنْ يتسرب إلى العقل الإسلامي ، ولا يمكن إنكار الآيات ؛ إذ لا ينكرها إلاَّ كافر بالله العظيم ، نعوذ بالله من الكفر والجهل ! الآيات لا علاقة لها بعلامات فليس في القرآن الكريم مع نص الآيات أو في نص آخر ما يفهم منها أنـها علامات الساعة بل الآيات تدل على غير ذلك .
آية الدابة
قال الله تعالى : (( وَإِذَا وَقَعَ الْقَوْلُ عَلَيْهِمْ أَخْرَجْنَا لَهُمْ دَابَّةً مِنَ الْأَرْضِ تُكَلِّمُهُمْ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ )) (النمل:82)
وقال تعالى ذاكراً الناقة بالتعريف : (( فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ )) (الأعراف:77)
(( وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآياتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظـلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآياتِ إِلَّا تَخْوِيفاً )) (الإسراء:59)
(( إِنَّا مُرْسِلُو الْنَّاقَةِ فِتْنَةً لَهُمْ فَارْتَقِبْهُمْ وَاصْطَبِرْ )) (القمر:27)
هل الناقة هي الدابة ؟ على ماذا اعتمد المفسرون بجعل الدابة من علامات الساعة ؟ لا يوجد في الآية ما يدل على أنَّ الدابة من علامات الساعة ؛ هذا من جهة ؛ ومن جهة أخرى فقد أعطيت الدابة وصفا من قبل نص الحديث ؛ لا ينتمي لعالم الشهادة ؛ فهي دابة أهلب الشعر ؛ لا يعلمون قبله من دبره ؛ تتكلم العربية ؛ وهي في جزيرة تميم الجزيرة العجيبة ، وتأتي الأحاديث لتقول : إنَّ لـها ثلاث خرجات تسم الناس على جباههم ، من هم هؤلاء الذين وقع القول عليهم ؟ هل هم أناس في زمن مضى وانقضى وغبر ، أم هم ناس سيظهرون في ما استقبل من الزمان ؟ أل التعريف في الناس ليست للجنس بل هي للعهد ، والقرآن حكم عليهم بأنـهم : " كَانُوا بِآياتِنَا لا يُوقِنُونَ " (النمل: من الآية82) أي بصيغة الماضي ؛ وليس بصيغة المستقبل ، هل صيغة الماضي هذه ملغية ، والمراد من الماضي المستقبل ؟ كيف يمكن فهم ذلك من نص الآية ؟ ربما يقال إنَّ الفعل المضارع [تُكَلِّمُهُمْ] دال على ذلك ، إذ المضارع دال على الحال أو الاستقبال ، والحقيقة أنَّ المضارع في الآية هو جملة لـها محل من الإعراب ، فهي جملة فعلية في محل نصب صفة لكلمة [دابة] ، فصفة الدابة التي أخرجنا في الماضي أنـها [تُكَلِّمُهُمْ] لتقيم الحجة عليهم ، فالدابة هي آية وحجة وبلاغ ، ومثل هذا الوصف ينطبق على الناقة ، إذ الناقة مبصرة فما معنى مبصرة ؟ إذا كان معنى مبصرة أنـها ذات عينين ترى بـهما ، فكل نوق الدنيا على ذلك ، إنَّ كلمة مبصرة من البصيرة ؛ أي الاحتجاج على الذين [لا يُوقِنُونَ] .
ورد في القرآن الكريم كلمة ناقة مضافة إلى الله تعالى ثلاث مرات ، ومرة واحدة ناقة وإليكم الآيات :
(( وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ )) (الأعراف:73)
(( وَيَا قَوْمِ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ قَرِيبٌ )) (هود:64) .
(( فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ نَاقَةَ اللَّهِ وَسُقْيَاهَا )) (الشمس :13) .
(( قَالَ هَذِهِ نَاقَةٌ لَهَا شِرْبٌ وَلَكُمْ شِرْبُ يَوْمٍ مَعْلُومٍ )) (الشعراء:155) .
يرجى من القارئ الكريم التمعن في الآيات الأربعة السابقة ؛ وللمساعدة على الفهم وضع فراغ في نـهاية كل جملة من الآية : فالناقة آية بينة من ربـهم ، وعليهم أنْ لا يمسوها بسوء ؛ وإلاَّ أصابـهم عذاب أليم ، فهل تكون آية بينة بمجرد وجود ناقة عادية ؟ أم هي على مواصفات واضحة ؟ والقوم الذين ظهرت فيهم الناقة هل كانوا على حالة طاعة أم على حالة عناد ؟ والناقة أضيفت إلى الله لأنـها ناقة
هذا ما ورد في القرآن بشأن الدابة وشأن ناقة صالح u فماذا ورد في شأن الدابة في رؤيا يوحنا اللاهوتي ورد ما يلي : ويجعل الجميع الصغار والكبار ، والأغنياء والفقراء ، والأحرار والعبيد ، تصنع لهم سمة على يدهم اليمنى أو على جبهتهم . وأنْ لا يقدر أحد أنْ يشتري أو يبيع إلاَّ من له السمة .
إليك أيها القارئ بعض المعطيات التي يبنى عليها في أمر ناقة صالح وأنها الدابة إضافة إلى ما مرَّ :
1. الناقة دابة في لسان العرب ، وكون القرآن وصفها بأنـها دابة ؛ مع الاحتجاج بـها على الناس ؛ هي صورة أبلغ ؛ فإقامة الحجة عبر ما الأصل أنْ لا يكون حجة ؛ هي صورة تلفت النظر كثيرا .
2. ورد في القران آيات تندد بمن لا يقبل معطيات المعرفة بأنه من الدواب قال تعالى :
× (( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لا يَعْقِلُونَ )) (الأنفال:22)
× (( إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ )) (الأنفال:55)
×
×
×
×
مناقشة عامة حول علامات الساعة
مشروعية بحث علامات الساعة
إنَّ بحث علامات الساعة ليس أمراً مستنكراً ، بل أن البحث فيها ضروري جداً هذه الأيام ، ويجب أنْ يهدفَ : إما لترويجها من المؤمنين بـها ؛ أو لدحضها من الذين يرونـها ميثولوجيا كتابية ـ لا علاقة لنبي الـهدى محمد ـ صلوات الله عليه ـ فيها ، لكن البحث والحوار والجدل والنقاش فيها وحولـها ؛ يجب أن لا يتم بطريقة خاطئة أو متحيزة ، ويجب أن لا يكون الكلام فيها أو إلقاء محاضرة حولها ـ مجرد سرد لأحاديث فيها من الغرابة والنكارة ما فيها ، فعندما ينتقل البحث إلى قاعة ثقافية هي ( اتحاد الكتاب والأدباء الأردنيين ) يكون المحاضر والمحاضرة قد خرجا عن كونـهما محاضر ومحاضرة دراسية في قاعة محاضرات بكلية تختص بالمعرفة الإسلامية ، بل إنَّ طريقة المحاضر في عرضه المحاضرة حوت مخالفة صريحة ، حتى لطريقة التدريس في قاعة جامعية ، فالأصل في هذه المحاضرة وموضوعها التدليل على صحة هذه الأحاديث ، وليس وصفها وكأنَّ المحاضر يعمل أمين سر للذات الإلـهية ، تعالى الله عن ذلك ، فما جرى في المحاضرة لم يكنْ من نوع العلم والمعرفة ، بل من نوع الإعلانات السرية الآتية ، كما هي في الكتب الرؤوية من العهد القديم والجديد .
الأصل في المحاضر الذي يحترم نفسه ويحترم جمهوره ، أنْ يبتدأ بعرض منهجه في التثبت من هذه المعطيات ، فمنهج قبول ورد هذه الأحاديث في كلماته ومفرداته موضع أخذ ورد ؛ منذ أنْ وُجد علم مصطلح الحديث ، بل أن أهل السنة والجماعة وجمع المحدثين ليسوا في محل اتفاق حول هذه الأحاديث ، إضافة إلى التناقض في داخل بنيتها الفكرية ، وهي في محل المخالفة للقرآن الكريم ، والآيات التي يرونـها أنـها عضد لهذه الأحاديث ، إنما جعلوها تعضد الحديث اعتباطاً ، وليس تفسيراً وتحليلاً وفهماً ولـهذا مكان آخر .
البحث في الساعة غير البحث في أشراط الساعة ، والبحث في أشراط الساعة غير البحث في علامات الساعة الصغرى والكبرى ، فكلمة الساعة في مفهوم القرآن الكريم هي نـهـاية الحياة الدنيا ، أي نـهـاية استخلاف الإنسان بفنائها يليها بعث الحياة في كل الأموات ـ من لدن آدم حتى آخر نفس أتاها الموت ـ أي البعث ، وهذا البعث للجزاء ؛ الثواب الدائم لمستحقه والعذاب المقيم لمستحقه ، هذا هو معنى الساعة في القرآن الكريم ، أي نـهاية الحياة الدنيا وابتداء الحياة الآخرة بالبعث ، ومثل هذا المفهوم معتنق من المسلمين والنصارى واليهود ، ولا ينكره إلاَّ الدهريون والحسيون والماديون ، وتراه أديان مُـحَرَّفَةٌ " أن البعث هو التفاسخ أي الفسخ والرسخ والنسخ والمسخ ، كل نفس حسب عملها ، ولا داعي لتفصيل هذه الدعوى .
لقد جادل القرآن الكريم الدهريين والحسيين حول البعث وحول الساعة ، ولأنَّ الساعة كما مرَّ تعني نـهاية الحياة وزمن البعث ، تساءل العقل المؤمن رغبة في العلم عن زمنها الذي تقع فيه ، ولم يسأل عن كيفية وقوعها ، وتساءل العقل الدهري والحسي على سبيل الإنكار عن زمن وقوعها ؛ وعن كيفية وقوعها ، وتساءل أهل الكتاب لوجود إخبار وعلامات في كتبهم عن مكان وقوعها ، والحوادث التي تسبقها ، والأحداث التي تتابع فيها ، والحوادث المنبئة عن مخاضها ، وهكذا توالت الأسئلة وتنوعت في زمن المصطفى ـ صلى الله عليه وسلم ـ والجواب لا يكون من الحديث، بل من القرآن الكريم .
قال تعالى :
1. { وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ } (الحج:7)
2. وقال تعالى : { )وَأَنَّهُمْ ظَنُّوا كَمَا ظَنَنْتُمْ أَنْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ أَحَداً) (الجـن:7)
3. وقال تعالى : { إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } (الأنعام:36)
4. وقال تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } (المجادلة:6)
5. وقال تعالى : { يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ } (المجادلة:18)
6. وقال تعالى : { وَالسَّلامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً } (مريم:33)
7. وقال تعالى : { زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } (التغابن:7)
8. وقال تعالى : { ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ } (المؤمنون:15، 16)
9. وقال تعالى : { قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (الأعراف:14)
10. وقال تعالى : { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (الحجر:36)
11. وقال تعالى : { قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (صّ:79)
12. وقال تعالى : { أَمْوَاتٌ غَيْرُ أَحْيَاءٍ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } (النحل:21)
13. وقال تعالى : { حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (المؤمنون:99، 100)
14. وقال تعالى : { وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ } (الشعراء:87)
15. وقال تعالى : { قُلْ لا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ وَمَا يَشْعُرُونَ أَيَّانَ يُبْعَثُونَ } (النمل:65)
16. وقال تعالى : { لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ } (الصافات:144)
17. وقال تعالى : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ } (الحج:5)
18. وقال تعالى : { وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْأِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ } (الروم:55،56)
19. وقال تعالى : { مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ } (لقمان:28)
20. وقال تعالى :{ وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَلَئِنْ قُلْتَ إِنَّكُمْ مَبْعُوثُونَ مِنْ بَعْدِ الْمَوْتِ لَيَقُولَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ } (هود:7)
21. وقال تعالى : { )وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً) (الاسراء:49)
22. وقال تعالى : { ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ بِأَنَّهُمْ كَفَرُوا بِآياتِنَا وَقَالُوا أَإِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً } (الاسراء:98)
23. وقال تعالى : { بَلْ قَالُوا مِثْلَ مَا قَالَ الْأَوَّلُونَ * قَالُوا أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * لَقَدْ وُعِدْنَا نَحْنُ وَآبَاؤُنَا هَذَا مِنْ قَبْلُ إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ } (المؤمنون:81،82،83)
24. وقال تعالى : { أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ نَعَمْ وَأَنْتُمْ دَاخِرُونَ } (الصافات:16،17، 18)
25. وقال تعالى : { وَكَانُوا يَقُولُونَ أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَاباً وَعِظَاماً أَإِنَّا لَمَبْعُوثُونَ * أَوَآبَاؤُنَا الْأَوَّلُونَ * قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ * لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ } (الواقعة:47،48،49،50)
26. وقال تعالى : { أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ } (المطففين:4)
27. وقال تعالى : { وَقَالُوا إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } (الأنعام:29)
28. وقال تعالى : { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنْتُمْ تُرَاباً وَعِظَاماً أَنَّكُمْ مُخْرَجُونَ * هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ لِمَا تُوعَدُونَ * إِنْ هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ } (المؤمنون:35،36، 37)
29. وقال تعالى : { وَقَالُوا مَا هِيَ إِلَّا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ } (الجاثـية:24) .
29. وقفة ضرورية مع هذه الآيات
29. هذه الآيات تكشف حقيقة مهمة جداً ، وهي شدة إنكار الناس للبعث بعد الموت ، فالجدل انصب بالادلة العقلية ، على أنَّ القادر لذاته في محل القدرة على بعثهم بعد الموت ، وأن البعث أمر لا ريب فيه ، ولابد من حصوله على مقتضى الحكمة ، أي الحساب على التكليف ، فالجدل توجه إلى منكري البعث ، وليس إلى المؤمنين بالبعث ؛ قاصا عليهم أنه مثْلَ ما خَلَقَهُمْ فانه جل وعلا باعثهم ليوم الحساب .
إنَّ الاعتقاد بالبعث دل عليه العقل والنقل ، العقل على مقتضى الحكمة ، لأنـهم مكلفون فالحساب حق ، وقد توجه الخطاب القرآني للعقل ليعلم أنَّ البعث والحساب واقع لا محالة قال تعالى : { أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ } (القيامة:3) . { أَيَحْسَبُ الْأِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً } (القيامة:36) . { أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ } (البلد:5) . { أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ } (البلد:7) . { أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ } (المؤمنون:115) . إنَّ حسب في الخطاب من حيث اللسان هي خطاب للعقل ودعوة لإعمال الفكر . ومن المعلوم علما واضحا وجود تظالم في الحياة الدنيا أي وجود ظالم ومظلوم فالعقل المؤمن بأنَّ الوجود الكوني فعل قادر لا يعجز وعالم لا يجهل غني حكيم ، ولا يمكن عقلا وجود الكون صدفةً أو بلا بداية في الزمان يدرك أنَّ الحساب على التظالم واقع لا محالة وأنَّ السكوت على وجود الظلم من أكبر الكبائر فهو مدعو للعمل على زوال المنكر وإلاَّ كان شريكا للظالم قال تعالى : { فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }(النور: من الآية63)
الساعة بغتة
إنَّ النقل القرآني الثابت ببرهان إعجازه أنه خبر من الله تعالى ، والله تعالى عدل ؛ فلا يظهر المعجزة على يد الكذابين ، فالآيات متعلقة بحصول البعث ، أما متى يحصل ؛ فانه يحصل في زمن سماه الله تعالى الساعة ، والساعة لا تأتي الا بغتة ، وأشراطها قد جاءت ؛ فلا علامات ولا أمارات تدل على زمن حصولـها ؛ أو تتقدم زمن حصولـها ؛ بل هي بغتة ، وهذه هي الآيات :
1. { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } (الأنعام:31) الآية والسورة مكيتان . وبغتة أي on asudden
2. { يَسْأَلونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ } (الأعراف:187) والسورة مكية والآية كذلك .
3. { أَفَأَمِنُوا أَنْ تَأْتِيَهُمْ غَاشِيَةٌ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ أَوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } (يوسف:107)
4. { وَلا يَزَالُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي مِرْيَةٍ مِنْهُ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً أَوْ يَأْتِيَهُمْ عَذَابُ يَوْمٍ عَقِيمٍ } (الحج:55) السورة مدنية والآية كذلك
5. { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ } (الزخرف:66)
6. { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } (محمد:18)
7. { بَلْ تَأْتِيهِمْ بَغْتَةً فَتَبْهَتُهُمْ فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّهَا وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ } (الانبياء:40)
7.
7. الآيات السابقة خاطبت العقل وأقامت الدليل منطوقاً على البعث ، وعلى ساعته ، وأنَّ ساعته بغتة ، أي sudden ، وأما أشراطها فهي ليست علامات لاجلها ووقتها ، وإنَّما هي علامات للإيـمان بـها وانتظار حصولها بغتة ، وهذا ما نص عليه القرآن الكريم بوضوح .
إنّالأشراط قد اكتملت تماماً قبل شرطها الاخير ، الذي هو الرسالة الخاتمة ، وهي رسالة نـهائية للبشرية ، فلا إمكان للتعديل فيها أو الزيادة عليها أو النقص فيها ، ولهذا كان القرآن الكريم محفوظاً لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه .
الساعة التي ينتهي فيها الكون والحياة والإنسان أي تزول الحياة الدنيا ؛ هي فناء الكون وقد ذكر القرآن الكريم في سوره العديدة كثيرا من مظاهر هذا الفناء ، مثل : { إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ } و { إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ } و { إِذَا زُلْزِلَتِ الْأَرْضُ زِلْزَالَهَا } و { إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } وغير ذلك كثير .
وقت هذا الفناء هو وقت اختص الله بعلمه بنص القرآن ، فلا إمكانية للبشر بمعرفة هذه الساعة أو هذا الوقت لا على وجه التحقيق ؛ ولا على وجه التقريب ؛ ولا على أي وجه من الوجوه ، { إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ }(لقمان: من الآية34) فالنبي محمد لا يعلمها ، ولا يعلم أشراطها المزعومة ، فالنص جاء معلنا بان اشراطها قد جاءت بالفعل الماضي المسبوق بقد ، ولم يذكر رب العزة اشراطها ذاكراً في آية عن عيسى بن مريم ما يلي : { وَإِنَّهُ لَعِلْمٌ لِلسَّاعَةِ فَلا تَمْتَرُنَّ بِهَا وَاتَّبِعُونِ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ } (الزخرف:61) فعيسى بن مريم ( أي وجوده السابق على نبي الهدى ) ـ وليس دعوى نزوله ـ هو أمارة أو علامة أو عِلْمُ أو عَلَمٌ للساعة ، وليس في الآية أي تصريح أو تلميح يفهم منه أنَّ نزول عيسى بن مريم علم للساعة ، فالنـزول هو دعوى نصرانية لـها أسبابـها وهي :
إن نبوة عيسى لم تحدث الخلاص المرتقب ـ كما هو في التصورات اليهودية ـ فحلَّ النصارى هذه المشكلة بالـمجيء الثاني لعيسى ، والـمجيء الثاني هو مجرد دعوى ، دلَّ القرآن الكريم على خلافها تماماً ، فكل مدعٍ أن القرآن ذكر الـمجيء الثاني لعيسى ؛ فإنما يقول ما لا مرتكز له ، وإنـما هي تمحلات لتوافق الدعوى النصرانية ، والأحاديث المزعوم صحتها في موضوع عودة عيسى انما هي من أثر النصرانية على المسلمين ، فالأحاديث المسندة للرسول حول نزول عيسى هي احاديث مكذوبة ، إنَّ المجيء الثاني للمسيح عليه السلام لم يكن جزءاً من رسالة المسيح حتى بعد أن اعتراها التحريف ، ولكنها مع الزمن وامام الفكر اليهودي القائل بان الله مرسل لمسيا منتظر يخلصهم من المعاناة ؛ أوجد أتباع عيسى عليه السلام المتأخرين مقولة العودة الثانية للمسيح ، ليأخذوا شهادة من اليهود أو لان اتباع المسيح من حيث الاصل هم من اليهود ففكرة مجيء المسيح الثاني هي فكرة دخيلة على رسالة عيسى عليه السلام ، تمت إضافتها إلى رسالة عيسى عليه السلام بحكم ضغط الفكرة المسيانية ، أي إنـهم ارتكزوا للبرهنة على صحة رسالة المسيح إلى الفكر اليهودي ، ولهذا تـهودت رسالة المسيح مبكراً ، مما أهَّلَهَا لأنْ تتروم عند دخولـها روما ، وها هي النصرانية المترومة تدعم وتقوي الوجود اليهودي ؛ ليكون المؤثر في فلسطين ، لأنـها أي المسيحية منذ الابتداء ارتكزت إلى العهد القديم في برهان صدقها وصحتها ، لأنَّ المعجزات التي صاحبت رسالة المسيح تعايش معها مشاهدوها فقط ، وبانتهاء المشاهدين كان لابد لـها من اعتماد برهان آخر ، فاعتمدت العهد القديم بما فيه من اشارات على الشهادة لصالح المسيح ، والغريب كل الغرابة أنْ يرتكز الباحثون لبرهنة رسالة المسيح بالعودة للعهد القديم ، مع أنـهم من حيث التنظير ؛ يرون أنَّ المسيح هو الرب ، أي المدبر للكون ، والخالق للكون على اعتبار أنَّه قنوم الذات أي الابن ، بمعنى كلمة الله تعالى الكائنة في البدء ، أي غير مخلوقة ، فكيف يرتكز من وُصِفَ بأنَّه منذ البدء على الحادث ؟ أي على رسالات الرسل ، فالفكر النصراني هو فكر مقلوب أي يبني نفسه على مسلمات دوغماتية ، تبدأ بداية مقلوبة ، وأخذ النصارى هذا المنهج من اليهود ، وجعلوه منهجهم ، ومع شدة التحذير الموجه للمسلمين من اعتماد هذا المنهج ، أي اتباع منهج اليهود والنصارى ، إلاَّ أن المحدثين اتبعوا نفس المنهج المقلوب ، ولذلك يمكن القول الآن من ناحية واقعية أن المقالات التلمودية هي قائدة النصرانية في اغلب طوائفها ، وقادت المسلمين أهل السنة والجماعة ، والشيعة الإمامية ، وهكذا تحول العالم الاوروبي والأمريكي والإسلامي إلى طريقة الدوغمائيات اليهودية ، فالمنهج اليهودي في الدين هو عدو الحقيقة ، المقصود الذاكرة الجماعية للجماهير وليست الحياة السياسية فهي مبنية على العلمانية الليبرالية الديمقراطية .
لقد اعتمد الفكر اليهودي على مقولات الأحبار ، والنبوءة عن المستقبل ، واستحقاق اتباع الدين اليهودي الافضلية في الدنيا والآخرة ، ونظروا للناس غير بني اسرائيل نظرة عصبية عرقية فاقدة للنظرة الإنسانية ، فجعلوا أنفسهم الأعلى ، والغير هو الأدنى ، وهكذا تحولت رسالات السماء ـ أي الدين الذي تنـزل إليهم إلى دين متحيز لهم ، وليس رحمة للعالمين ، يقود كل ذلك الركام الكاذب أحبار محرفون ، وقادة همجيون يقتلون بلا هوادة ، الأحبار يجعلون الدين السماوي المنـزل رحمة للعالمين في خدمة الشعب المختار ، بعد أن قلبوا معنى الاختيار والتفضيل من حمل رسالة الرحمة إلى خدمة الذات الإسرائيلية المتعجرفة ، والقادة السياسيون والقادة العسكريون نفذوا مرسوم الـهمجية بكل دقة ، ومن هنا كان شعب اسرائيل ودين اليهود مثلاً عند البشرية في الوضاعة والدناءة والخيانة والغدر وحب المال .
حدث اعتماد الرومانية المسيحية كدين رسمي للدولة بعد تحولات أساسية ، هي قبول مستوى الفهم اليهودي للدين ، وقد تم هذا التحول بديلاً عن اتخاذ ما تنـزل على ابن مريم من وحي السماء اساساً للتعامل مع الفكر اليهودي ، فيرفض الجزء الـمحرف منه ، ويقبل الجزء الذي فيه هداية ونور وخير ، عمد الفكر الروماني إلى تحوير للمسيحية ، لتكون موافقة للاستعلاء الروماني والبربرية الرومانية وهكذا حوصرت رسالة المسيح بين التحوير والتحريف اليهودي لـها ، واستيلاء الرومان على قيادة مفاهيمها خلال كنيسة بيزنطية وكنيسة روما ، وبانقسام الكنيسة الكاثوليكية إلى بروتستنت وكاثوليك ، تميز البروتستانت بالحماسة الأكثر لتحقيق نبوءات اليهودية في ارض فلسطين ، واستغل السياسيون العلمانيون الذين لا تربطهم اية صلة سياسية بالدين المسيحي ، هذه الذاكرة المسيحية الجديدة لتحقيق استيطان سياسي عسكري ثقافي اقتصادي لساحة العالم الإسلامي وعلى الخصوص قلب بلاد العرب أي فلسطين ، بما يسمونه دولة إسرائيل أي دولة العدو باختراع الحق الديني والحق التاريخي .
كانت علامات الساعة عند جمهور المسلمين مجرد نص ، لا يـتركز البحث فيه ، ولا يعلم العقل الإسلامي تفصيلاته ، ومختزن في الذاكرة الجماعية للامة اختزاناً ضعيفاً ، وكان العقل الإسلامي يخلط بين العلامات والأشراط ، لكن الأمر انقلب فجأة منذ عام 1967م أو بعد ذلك بقليل ، فانتشرت كتب العلامات بكثرة ، وبديلاً عن التدريس والخطابة في المساجد التي كانت تأخذ صورة الوعظ بالأخلاق ، والعبادات ، والإحسان ، والتعاون ، والجهاد ، وعدم موالاة الكفار المستعمرين ، تحول التدريس والخطابة في المساجد إلى الملاحم ، وعلامات الساعة ، وعذاب القبر ، وتأثير السحر ، والاتصال بالجن ، والإيمان بالكرسي الحسي ، والعرش الحسي ، والصراط الحسي ، والميزان الحسي ، والنـزول لله تعالى في الثلث الأخير من الليل ، والرؤية وصفات الجنة والنار ، والبعث والنشور ، وكلها جانبت معطيات القرآن القوية والبليغة والمؤثرة إلى معطيات الحديث ، وهي كلها إنْ هي إلاَّ اختلاق ، وبما أنـها مجردة عن طريقة تعقلها وفهمها وعن البحث في النصوص التي تذكرها ، فقدت بعدها الحضاري ، فوقعت الأمة مغلوبة على أمرها ، ليس لها فكر يستقيم ، أو فعل منتج .
كان يجب أن ينصب البحث في الميثولوجيا على مستوى الحق والباطل ، وليس على مستوى التسليم لـها ، فهذه الميثولوجيا الإسلامية ! هل هي حق ؟ أو هل هي باطل ؟ فالمسلمون وصل إليهم جملة من التحذيرات ، أول تحذير كان تحذيراً شديداً من الكذب على رسول الله صلوات الله عليه ، وثاني هذه التحذيرات عدم تقليد ما وجد عليه الأباء أو تقليد الأحبار والرهبان .
التقليد آفة شديدة
ما الفرق بين مقلـدٍ في دينه راض بقائده الـجهول الحائر
وبـهيمة عجماء قاد زمامها اعمى على عوج الطريق الجائر
إنّ آيات القرآن الكريم التي حذرت من التقليد كثيرة قال تعالى وهذا بعضها :
1. { بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ * وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ * قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ } (الزخرف:22،23،24) .
2. { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ } (المائدة:104)
3. { وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ } (الأعراف:28)
4. { قَالُوا أَجِئْتَنَا لِتَلْفِتَنَا عَمَّا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا وَتَكُونَ لَكُمَا الْكِبْرِيَاءُ فِي الْأَرْضِ وَمَا نَحْنُ لَكُمَا بِمُؤْمِنِينَ } (يونس:78)
5. { قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ } (الانبياء:53)
6. { قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ } (الشعراء:74)
7. { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ الشَّيْطَانُ يَدْعُوهُمْ إِلَى عَذَابِ السَّعِيرِ } (لقمان:21)
8. { وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ } (البقرة:170)
تلك هي الآيات التي حذرت من التقليد ، وهي وإن كانت وصفا لوقائع في الماضي ؛ وقعت مع الانبياء وأقوامهم ، إلاَّ إنَّـها مفتوحة في الزمان والمكان ، فالتقليد مهما كان ، مذموم أينما حدث ، وكيفما حدث ، أما التقليد في الاحكام العملية دون الإيمانيات ، فهو مسموح بشروطه المعروفة في أصول الفقه .
لقد أحدث الفكر السني معطيات لا إسلامية ، وهي فضلاً عن بعدها عن الحق ، إلاَّ إنَّـها انتشرت حديثا في ظروف واحوال مريبة ، فهي تسعى لتجريد الامة الإسلامية من فاعليتها أمام خطر الغرب ، ورأس حربتهم دولة يهود ، فالقدر والوعد صانع هذه الدولة ، وزوالـها تَحَوَّلَ من حالة إعداد وقتال ، إلى حالة وعد ونص في الزمن الآتي ، الذي لا يُعلم متى وقوعه .
حذَّر الإسلام تحذيراً واضحاً من اتخاذ الأشخاص مرجعيات ، سواءٌ أكانوا من العلماء أو من العُـبَّاد قال تعالى : { اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ }(التوبة: من الآية31) فالمسلم لا يسأل العالم أو الزاهد لقبول قوله مطلقاً ، وإنما يسأله عن الحكم وعن دليله ، فهو لا يكتفي بسرد الحكم ، بل يطالب بالدليل ؛ ومن هنا فالعلماء عند المسلمين محل المناقشة والمراجعة ، وعلم مصطلح الحديث ليس مرجعية بل هو مجرد فن لأصحابه ، والكتب المشهورة في علم الحديث ليست في منـزلة الوحي القطعي أي القرآن ، والجرح والتعديل الذي ارتكز اليه علم الحديث ليس اقوال ملهمين ، فالجرح والتعديل ومصطلح الحديث وجمع الحديث وتخريج الروايات كل ذلك امور اجتهادية ، تنكشف الآن شدة الأكاذيب فيها وكثرة من النصوص لا تمت إلى الرسول صلوات الله عليه بأدنى صلة .
هذه المسائل بـهذا الشرح لم تنشأ اعتباطا ، بل الأدلة واضحة وجلية على تسرب ميثولوجيا اهل الكتاب إلى النص الحديثي ، فوقع المسلمون فيما حُذِّرُوا منه تحذيراً شديداً ، وهو اتباع مناهج اليهود والنصارى ، وقبول أساطير الأولين ، المنهج الإسلامي الحق يقوم على أصول خمسة هي :
1. التوحيد وهو يعني { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ } (الشورى: من الآية11) { وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ } (الاخلاص:4) { لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ } (الأنعام:103) فكل مخالفة لـهذه النصوص بالترويج لتأويل التوحيد ، بمنهج الإثبات ، أو نهج الصفاتية ، أو غير ذلك ، تعني تحايل على التوحيد ، والتوحيد ثابت بدليل العقل ، إذ موضوع هذه الآيات لا يعلم إلاَّ بالعقل .
2. العدل وهو يعني : { وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } (آل عمران: من الآية182) { وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }(الأنفال: من الآية51) { وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }(الحج: من الآية10) { مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ }(فصلت:46) { وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } (قّ: من الآية29) { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا } (البقرة: من الآية286) { لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا } (الطلاق: من الآية7) { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لَأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } (الاسراء: من الآية7) { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ } (الزلزلة:7) معرفة موضوع هذه الآيات دلَّ عليه العقل ، فالله كلف البشر بما هم في محل القدرة على فعله ، وهو لا يظهر المعجز على يد الكذابين .
3. المنـزلة بين المنزلتين : من يؤمن بالتكليف يعلم أنه مطلوب من الإنسان أمران : الأول الإيمان فهو الأساس ، والثاني الالتزام العملي بقائمة الأوامر والنواهي . فمن التزم الأمرين فهو مؤمن . ومن رفض الإيمان فهو كافر على ما كان ما العمل . ومن قبل الإيمان وقام ببعض الأعمال الشرعية ولكنه ركب الكبائر المحبطة ، فهو في اسم بين الاسمين ، وحكم بين الحكمين هو الفاسق . وهذا الوصف هو في الدنيا فقط .
4. صدق وعد الله وصدق وعيده : وعد الله المؤمنين بالثواب ، وتوعد الكفار والعصاة الفساق بالعقاب ، فوعده ووعيده صدق وحق .
5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر . الأمة كائن اجتماعي ، يمر الكيان أو أفراد في الكيان إلى التنصل من الاستقامة ، وبالتالي ينحرف الكيان ، فلا بد من آلية تمنع الانحراف والتنصل من السير على الصراط المستقيم ، هذه الآلية للانضباط هي : الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يقوم بـها الفرد التقي ، أو المجتمع بما هو كيان صالح على وجه الجملة ، أو الإمام المبايع بما هي صلاحيته ، وهي تعمل كإنضباطية كلية ، فلا بد منها كلها ، الوعي الصادق أساس صلاحها وقيامها بالفعل على الوجه الأتم .
وهي وان كانت اصول المعتزلة ؛ إلاَّ إنـها وبالدليل هي اصول الإسلام ، وهي بالدليل أصول إنسانية ، تجعل الإنسان فاعلاً ومسؤولاً .
أمَّا الحجج والأدلة فهي على الترتيب التالي :
(1) العقل وبه عرفنا الله بإثبات التوحيد لذاته ، والعدل في أفعاله ، والعقل حجة قائمة بذاته مستقلة ؛ لا يحتاج لدليل عليه ، احتاج غيره من الأدلة له ، ولم يحتج العقل لغيره .
(2) الكتاب وهو حجة بعد العقل ثابتة لا باستقلال بل بدليل العقل عليه . القرآن أعلمنا ما يحبه الله ويرضاه أي كشف زيادة التكليف .
(3) السنة وهي ثابتة بشهادة العقل والقرآن لـها ، ( البيان والطاعة ) وبـها عرفنا كيف نفعل ما يحبه الله ويرضاه .
(4) الإجماع الذي يعود ولابد لواحد من الحجج الثلاث السابقة ، وهي حجج لا تتناقض بل هي حجج تقيم عمارة فكرية محكمة ومتسقة ومتماسكة ، الأولى بأمة تدعي أنـها ذات عمق تاريخي وأنـها تريد النهوض أنْ تعين سماتـها ، وأن تتحرك حركة التقليد وضلالة التحجر وسوء الاغتراب .
علامات الساعة في القرآن الكريم
قبل البحث في العلامات في القرآن الكريم لا بد من الإجابة عن الأسئلة التالية :
هل العلامات هي الأشراط ؟ .
هل كلمة الأشراط الواردة في القرآن مرة واحدة ؟ هي العلامات ! .
هل الأشراط جاءت ولم يبق إلاَّ انتظار حصول الساعة بغتة ؟ .
أم أن الأشراط آتية في مستقبل الزمان ؟ .
كلمة علامة لم ترد في القرآن الكريم مطلقا ، وردت علامات مرة واحدة وهي : { وَعَلامَاتٍ وَبِالنَّجْمِ هُمْ يَهْتَدُونَ } (النحل:16) ومن الواضح أنْ لا علاقة لهذه الكلمة بعلامات الساعة ، بل هي في دليلي الطرق ، فيستدلون نـهارا في علامات الأرض من تخوم وجبال ، وفي الليل في فن الفلك . وأصل علامة وعلامات الثلاثي كلمة عِلْم وهي تعني نقيض الجهل ، والعلامة السِّمة
الشرط أو الأشراط لم ترد في القرآن كلمة الشرط ووردت كلمة الأشراط مرة واحدة في قوله تعالى : { فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا السَّاعَةَ أَنْ تَأْتِيَهُمْ بَغْتَةً فَقَدْ جَاءَ أَشْرَاطُهَا فَأَنَّى لَهُمْ إِذَا جَاءَتْهُمْ ذِكْرَاهُمْ } (محمد:18) وفي معنى أشراطها هو آياتـها أو أوائلها أو أنه انشقاق القمر أو ظهور النبي لأنه آخر الرسل وأمته آخر الأمم وقد أخرج البخاري ومسلم بأنَّ رسول الله r قال [ بعثت والساعة كهاتين ] وأشار بإصبعيه السبابة والوسطى ، والشرط إلزام الشي والتزامه في البيع ونحوه ، والشَّرَط بالتحريك العلامة ، ومنه سمي الشُّرَط لأنـهم جعلوا لأنفسهم علامة يعرفون بـها ، والخلط بين الأشراط والعلامات والأمارات جاء بسبب استعمال الحديث لـهذه الكلمات كأنـها مترادفة مطابقة ، والقول بالترادف التام خطأ واضح ، وهذا ما يكشفه الخلاف حول ذلك بين أبي علي الفارسي وابن خالويه في بلاط سيف الدولة . المدقق يرى الفرق واضحا بين الشرط والعلامة فشرط القبول في الجامعة أو غيرها غير علامة قبوله في الجامعة أو غيرها .
الخلاصة الواضحة عدم بيان القرآن لعلامات للساعة وتقرير القرآن لأشراط قد جاءت .
علامات الساعة في الحديث
يعرف علماء الحديث ما يحكمون عليه بأنه حديث صحيح : بأنه الحديث الذي اتصل سنده ، بنقل العدل الضابط عن مثله ؛ من مبتدئه إلى منتهاه ، من غير شذوذ ولا علة ، فهم يرون كل حديث تحققت به الأمور الخمسة التالية فهو حديث صحيح وهي :
1. عدالة الرواة
2. ضبط الرواة
3. اتصال السند
4. عدم الشذوذ
5. عدم العلة
واحتواء الحديث لهذه الأمور الخمسة ، و تحققها فيه ، لا يعني أنَّهُ ـ عند أهل الحديث ـ مقطوعٌ بصحته في نفس الأمر ؛ لجواز الخطأ و النسيان على الثقة ، فلماذا يكابر المكابرون من مقلدة أهل الحديث اليوم ؟ حينما يرون أن أحد الناس تصدى لحديث معين و رجح عدم صحته من حيث السند ، فهل كونه صحيحا عند مشاهير علماء الحديث ؟ يعني القطع بصحته ! أو ليس قد يفطن هذا الشخص لـمـا لم يفطن إليه المشاهير ، لابد أنْ ينظر إلى الأمر من زاوية موضوعية ، أي في التحقيق مما أثاره الباحث الجديد من دلائل حول هذا الحديث أو ذاك .
إنّ الشهادة التي صدرت بحق الأحاديث هي اجتهادات أشخاص ، وليست نصوصَ وحيٍ ولـهذا كان من الضلالة و البدعة ؛ أن يوقف بعض الناس نفسهم لدفاع غير مبرهن دون شخص ، أو كتاب ، أو حديث ، يرى باحثٌ جديدٌ أنَّ الأوصافَ التي أعطيت كشهادة له ، أو عليه ، بناء على ظن من آخرين ، إنـما هو أمر لا واقع له { وَمَا يَتَّبِعُ أَكْثَرُهُمْ إِلَّا ظَنّاً إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ } (يونس:36)
الحقيقة تعلن واضحا منازعة أهل الحديث بالأوصاف التي تقمصها [ أهل الحديث ] لأنفسهم أو لغيرهم من أهل الحديث ؛ والفقهاء الذين يرضون عنهم ، والمنازعة أيضا قائمة فيما ألبسوه لغيرهم مـن بدع و ضلالات و فضائح ، فلا بد من فتح الجدل على مصراعيه مع أهل الحديث مرة ثانية ، خدمة لدين الإسلام ، و لمصدري شريعة الإسلام العظيمين الكتاب و السنة .
فتح باب الجدل لا يعني رفض السنة كلها ـ كما إرتأى البعض ـ فإنَّ رفض السنة هو الكفر كله ، و لا يعني استعمال التعقل ( الهوى أو الظن ) في رفض الأحاديث المخبرة عن سنة ، بل يعني استعمال علم مصطلح الحديث سندا ومتنا للقبول و الرفض ، أي بيان السبب الذي من أجله جرى رفض الحديث .
الأحكام العامة التي اصدرها أهل الحديث ـ على كتاب من كتب الحديث ـ مثل [ وقد أجمعت الأمة على تلقي صحيحي البخاري و مسلم بالقبول ] أمر يعوزه البرهان ، إذْ ما المقصود من كلمة الأمة ؟ و متى انعقد إجماعها ؟ ألم يرد في البخاري ومسلم أحاديث متـعلقة بالدجال ؟ ـ مع أن أحاديث الدجال أمر في محل النـزاع ـ .
أليس الشذوذ والعلة يكونان في المتن ؟ كما يكونان في السند ! ومن الذي قام بعملية فاحصة متفحصة ؛ لمتون أحاديث الدجال ؛ و المهدي ؛ و الدابة ؛ و نزول عيسى ؛ وظهور قوم يأجوج و مأجوج ؛ و غيرها من أحاديث الفتن و الملاحم ، ومَنْ تَبَيَّيَن هل هي و القرآن في محل التعارض ؟ أم هما في محل التوافق ؟ فالدجال الذي يَقْدرُ على قدرات مختصةٍ برب العالمين ـ كما هي متون الأحاديث ـ ما مدى توافقها مع القرآن الكريم ؟ و الإضافة و النسخ الذي يقوم به عيسى عليه السلام لشريعة الإسلام ، ما مدى صحة ذلك ؟ وهل يشهد لـها القرآن الكريم ؟ .
أفليس القرآن وحده هو الذي قال عنه رب العالمين : { الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ } وهو الذي أرشد إلى السنة بقوله تعالى : { وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } وقوله تعالى : { وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ إِلَّا لِتُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ وَهُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ } وقوله في حق الأنبياء السابقين : { لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ } هذا في شأن البيان ، فتكون السنة مبينة للقرآن ، وليست قاضية عليه كما زعم البعض ، ويكشف الأمر بطاعة الرسول بعد طاعة الله تعالى أنَّ السنة مقتصرة على الأمور العملية قال تعالى : { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ } (آل عمران: من الآية32) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } (النساء: من الآية59) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ } (الأنفال:20) { قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُمْ مَا حُمِّلْتُمْ وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ } (النور:54) { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } (محمد:33) ولا يقال ألم ترد إيـمانيات في القرآن ؟ فيكون المطلوب طاعتها ، لا يقال ذلك لأنَّ القرآن طلب بـها بإقامة الدليل عليها ، فالطاعة مطلوبة بالشرعيات .
أمام هذه الحقائق ؛ كيف نقبل السنة المعارضة له ناهيك بالشذوذ و العلل الأخرى .
يتوقف المرء طويلا و هو يقرأ أحاديث اشراط الساعة : المهدي ، الدجال ، الدابة ، نزول عيسى بن مريم ، ثم يأجوج و مأجوج "………إلخ" في الكتب التالية ، ولـم يُسردْ ترتيبها على أي أساس ، وإنما جرى ذكرها حسب واقع القراءة لها 0
أولا : كتاب نزول عيسى بن مريم آخر الزمان ، للإمام جلال الدين عبد الرحمن السيوطي المتوفي سنة 911 هجري ، دراسة وتحقيق محمد عبد القادر عطا ، الطبعة الأولى سنة 1985 م ، الناشر دار الكتب العلمية ببيروت لبنان ، و الكتاب يقع في 94 صفحة قطع فوق المتوسط .
ثانيا : عقد الدور في أخبار المنتظر ، تأليف يوسف بن يحيى بن علي بن عبد العزيز المقدسي الشافعي السلمي ، من علماء القرن السابع ، حققته و علقتْ عليه لجنة من العلماء باشراف الناشر ، الطبعة الأولى سنة 1938 ميلادي ، الناشر دار الكتب العلمية ببيروت لبنان ، و الكتاب يقع في 460 صفحة ، و له ثلاث طبعات ، و كان مخطوطا إلى عام 1979 م .
ثالثا : عقيدة أهل الإسلام في نزول عيسى عليه السلام ، للحافظ أبي الفضيل عبد الله بن محمد بن الصديق الحسيني ، الطبعة الثانية 1986 م ، عالم الكتب 167 صفحة .
رابعا : النهاية في الفتن والملاحم ، للحافظ ابن كثير الدمشقي ، المتوفى سنة 477 هـ ، تحقيق محمد أحمد عبد العزيز زيدان ، الناشر دار الحديث خلف جامع الأزهر ، نُشر سنة 1980 م مؤلف من جزأين في مجلدين ، و يقع كل مجلد في 440 صفحة ، وبقي مخطوطا حتى عام 1980م .
خامسا : كتاب المسيح الدجال و أسرار الساعة ، مؤلفه العلامة السفاريني ، تقديم عبد الله حجاج ، الناشر مكتبة التراث الإسلامي _ القاهرة ، الطبعة الثانية بدون تاريخ .
سادسا: علامات يوم القيامة ، للحافظ بن كثير ، تحقيق و تعليق عبد اللطيف عاشور ، الناشر مكتبة القرآن .
سابعا : الإذاعة لما كان و يكون بين يدي الساعة ، اسم مؤلفه القنوجي البخاري ، الناشر مكتبة الثقافة المدنية المنورة ، و دار الكتب العلمية ببيروت ، بدون تاريخ .
ثامنا : الإشاعة لأشراط الساعة ، تأليف محمد بن رسول الحسيني البرزنجي ، الناشر دار الكتب العلمية ببيروت بدون تاريخ .
تاسعا : القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ، لابن حجر الـهيثمي ، تحقيق دكتـور محمد زينهم ، و محمد عزب ، الطبعة الأولى ، الناشر دار الصحوة ( مدينة الهدى حدائق حلوان القاهرة ) والكتاب يقع في 110 صفحات القطع الصغير .
عاشرا : المهدي المنتظر ، لأبي الفضل محمد بن الصديق الحسني الإدريسي ، النار عالم الكتب عام 1984م والكتاب يقع في 110 صفحات .
حادي عشر : علامات يوم القيامة لابن كثير ، وهو جزء من كتاب البداية والنهاية وعدد الصفحات 142 .
ثاني عشر : القول المختصر في علامات المهدي المنتظر ، تحقيق مصطفى عاشور رقم الإيداع 4530/87 ، ويقع الكتاب في 88صفحة .
ثالث عشر : ثلاثة ينتظرهم العالم : عيسى بن مريم ، المسيح الدجال ، المهدي المنتظر ، رقم الإيداع 4833/87 مؤلفه عبد اللطيف عاشور ، والكتاب يقع في 142صفحة .
رابع عشر : نزول المسيح في آخر الزمان وهو من منشورات المكتبة المعمدانية ، تاريخ النشر 1979م أي هو كتاب منشور من قبل القائمين على الثقافة المسيحية .
خامس عشر : نظرة عابرة في مزاعم من ينكر نزول عيسى عليه السلام قبل الآخرة مؤلف الكتاب محمد زاهد الكوثري الطبعة الأولى صدرت سنة 1400هـ = 1980م حققه ونشره مكتبة القدسي ـ باب الخلق ـ درب سعادة ـ 5عطفة الصابونجي ويقع الكتاب في 76صفحة من الحجم 20×14
تلك هي الكتب التي تشكل مادة موضوع أشراط الساعة ، وهناك غيرها كثير صدر في نفس الفترة ، وهي كلها من تأليف أهل الحديث قديما وحديثا ، وهم الذين يقبلون ويدافعون عن صحتها ، بل يصل بـهم الأمر إلى حد تكفير من يرفضها ، و يرون فيها التواتر لإتحاد معناها ، أي التواتر المعنوي ، أما الكتب التي حصلت الإستعانة بـها لهذه الدراسة فتعرف بالرجوع إلى قائمة المراجع .
محاولة الكتابة في هذا الموضوع تجعل الذهن يتبلد ، حين محاولة الكتابة في هذا الموضوع الشائك ، أخذت أذرع صالة البيت مفكرا في كيفية الكتابة في موضوع يقف عملاقا مخيفا ؛ بما تجند له من علماء ؛ يحصرون العلمية فيهم ؛ مجندين ناسا من العامة لتؤيدهم في مقالاتـهم وهؤلاء العلماء يرون أنفسهم في مركز أكبر وأضخم من مركز أحبار اليهود ، وبابوات النصارى لهم وحدهم دون غيرهم الحق المقدس في الإشراف على دين الإسلام ، يثبتون ما يريدون من نصوص ، و يهملون ما لا يليق لهم من نصوص ، هم خزانة النصوص و خازنيها ، لـهم الحق دون غيرهم في التعامل مع النصوص .
موضوع شائك ، و موقف صعب ، و التراجع عنه جريمة ، و النصوص تصرخ هل من كلمة حق تقال تضعني في مكاني ؟ ! فأنا لا أنتمي إلى الوحي ، بل انتمائي لخرافات أهل الكتاب و أساطير أهل الكتاب ، أفلا يكفي ما فيَّ من شذوذ فاضح ؟ و علة ليست خفية ؛ بل ظاهرة كل الظهور ، و اضطراب في المتن ، كل ذلك لا يكفي لبيان هويتي الحقيقية من كوني لا أنتمي لسنة سيد الخلق و خاتم الرسل محمد r .
من الذي يزيل الغشاوة عن أعين الناس ؟ و يقف قويا صادعا بالحق ! لا يخشى في الله لومة لائم ! و لا مقالة آثم ! و لا تعصب أهوج ! و لا تصديق الناس لكذوب ! من ؟ من؟ من ؟ .
المنافحة دون سنة الرسولr فرض ، و هو من أجل الأعمال وأهمها ، إذ هي بيان للقرآن ، و أحكام عملية للناس وردت في القرآن معنى ، و معالم هدى يهتدي بـها الناس مهما اختلف الزمان و المكان ، فمن يزيل عنها ما علق بـها مما هو ليس من موضوعها ؟ من وهم وخيال وأساطير .
لست الفارس ! ولكن ما الحيلة ! وقد اختبأ الرجال ! و نطقت الرويبضات ! و ساد الجهل ! وانطفأ النور ! وجسنا الإسلام من خلال عتمه و ظلمة ! الساكت عنها شيطان اخرس ! والسائر فيها و معها شيطان مريد .
لم أستطع أن أصمد أمام حرارة النداء ، وصدق الفهم ، وسطوع البرهان ، وقيام الحجة ، وصحة الدليل ، إلا أن أصدع بما علمت و فهمت ، فان بلغتُ الصواب فهو توفيق من الله ، وإن أخطأت الصواب ، فمعذرتي إلى الله بذل الجهد و صدق الاجتهاد .
المدخل إلى البحث
إعترتني حيرة في الحديث الذي أجعله مدخلا للموضوع لغرابة الكثير منها ، هل هو حديث فاطمة بنت قيس بشأن الجساسة ؟ أو حديث ابن صياد الذي يرويه احمد عن جابر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ أم حديث ابي أمامة الباهلي و الذي يبلغ 700 كلمة عدّاً ؟ أم حديث النواس بن سمعان ؟ و بعد تمحيص رأيت حديث واثلة بن الأسقع رضي الله عنه أكثر ملائمة للموضوع ، إذ يعدد أشراط الساعة العشرة .
ورد عن وائلة بن الأسقع رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : لا تقوم الساعة حتى تكون عشر آيات 1- خسف بالمشرق 2- خسف بالمغرب 3- وخسف في جزيرة العرب 4- والدجال 5- والدخان 6- و نزول عيسى 7- ويأجوج ومأجوج 8- والدابة 9- وطلوع الشمس من المغرب 10- ونار تخرج من قعر عدن تسوق الناس إلى أرض المحشر و تحشر الذَّرَ والرمل .
أولى الملاحظات على هذا الحديث من اللغة ، فالحديث يضمر ما لا يجوز إضماره ، أي خالف قواعد لغة العرب ، لاحظ الإضمار في ألفاظ الدجال و الدخان و يأجوج و مأجوج و الدابة .
ثاني الملاحظات عدم ذكر إحدى علامات الساعة ذات الأهمية عند أصحاب العلامات ، و هي المهدي المنتظر ، حتى لو نُظر إلى هذه العلامة بأنـها ممهدة للعلامات الكبرى .
ثالث الملاحظات الاضطراب البين في تعداد هذه العلامات ، ففي أحاديث متعددة ذكرت الآيات العشر لم تذكر الخسوف .
الملاحظة الرابعة فهي في حياة أبي وائلة ، كما وردت في الإصابة ترجمة 9087 جزء 3 ص 626 ، فهو قد أسلم قبل موقعة مؤتة ، أي في العام الثامن أو التاسع للهجرة ، و هو يروي عن الرسول صلى الله عليه وسلم ، كما أنَّه يروي عن أبي مرثد ، و أبي هريرة ، و أم سلمة ، وقد عاش في دمشق ، وشهد فتح دمشق و حمص ، و من المعروف أنَّ أبا هريرة سمع من كعب الأخبار الذي عاش أيضا في دمشق وحمص ، أما أبو مرثد فهو ممن سكن الشام أيضا ، ومن يتابع أحاديث الملاحم والفتن والعلامات والمبشرات يجد مدارها على الشاميين .
تكمن أهمية الملاحظة الرابعة فيما سيأتي بيانه بعد من أثر أهل الكتاب الذين دخلوا الإسلام في قولهم كلاما موقوفا عليهم متونه نفس متون هذه الأشراط .
و الملاحظة الخامسة ألا يخالف موضوع الأشراط ما ذكر عن الساعة في القرآن الكريم من كونـها بغتة كما مر ؟ .
ما سبق هي ملاحظات حركت الرغبة في البحث وحتى لا يقع الخطأ في البحث كمن لا بد من وضع منهاج صارم يسير البحث وفقه وهذا المنهاج اعتمد القرآن أساسا ، واللغة العربية في كلماتـها لفهم المعنى وواقع الأحوال والحوادث الجارية على السنن الكونية دليلا والتنقيب في داخل ثقافة أهل الكتاب ومقالات الرجال الذين أسلموا من أهل الكتاب معينا آخر وبـها كلها تتضح الرؤية الشاملة للموضوع من كل جوانبه .
الحلقات السابقة وهي ثماني حلقات عالجت موضوع العلامات الأساسية تفصيلا ، لقد وجد بعض المؤمنين بـهذه الأحاديث تباينا بينها وبين الواقع ، فخرج على المسلمين محمد منير إدلبي فأصدر كتابا بعنوان ( انتبهوا !!! الدجال يجتاح العالم ) فسر قضية الدجال بما يقع من ويلات الحرب الغربية من قبل الولايات المتحدة وشركائها في تفسير عجيب غريب .
فقرة واحدة من التفسير العجيب
يضع محمد منير إدلبي العنوان التالي للفقرة ( التقدم في علوم الطب والجراحة ) فيقول :
وجاء في حديث رسول الله r عن الدجال : ( ثم يدعو رجلا ممتلئا شباب ، فيضربه بالسيف فيقطعه جزلتين رمية الغرض ، ثم يدعوه ، فيقبل ويتهلل وجهه يضحك ) مسلم والترمذي ومسند أحمد . اكتفى بذكر هذه الكتب الثلاثة مع أنه مخرج أيضا في ابن ماجة والحاكم وأبو داود ولم يخرجه البخاري والنسائي . يقول محمد منير إدلبي ما يلي تفسيرا لـهذا القسم من حديث النواس بن سمعان :
مع الإيمان بأنَّ أحداً لا يقدر أنْ يحيي الميت أو يبعثه من الموت إلاَّ الله ، فإنَّ هذا الحديث يشير إلى تقدم الإنسان في مجمل الطب والعمليات الجراحية الخطيرة ، حيث يمكن اليوم لأطباء العالم الغربي ومن تعلم عندهم أنْ يجري عمليات جراحية خطيرة على مستوى استبدال قلب الإنسان المعطوب بقلب صناعي أو قلب إنسان آخر كما هو معلوم ، حيث يقوم الأطباء ـ بعد تخدير المريض الذي يصير كالميت تماما لا يحس ولا يشعر ـ بشق صدر المريض نصفين ونشر عظامه بالمنشار ثم فتح صدره إلى العمق ونزع قلبه المعلول واستخراجه من صدره ، وبذلك يكون الطبيب قد شق صدر المريض شقين رمية الغرض المقصود ، ثم يستبدل القلب القديم السقيم بقلب آخر ، ثم يعود فيغلق صدره المشقوق ويلم جرحه ، ثم ينعشه من التخدير وكأنما يبعثه من الموت ، فيصحو المريض متهللاً ، ويضحك فرحا بنجاح العملية ونجاته من الموت ، تماما على الصورة التي بينها الرسول الكريم r في نبوءته العظيمة .
هل هذا التعليل مقبول عند من عنده مسحة عقل ؟ وهكذا فالجنون فنون !!!
والحمد لله وحده
|