العلماء و((الأمراء)).. اللهم نسألك نصرك على القوم الكافرين
في القرن الخامس الهجري (الحادي عشر الميلادي) انفرط عقد وحدة الأندلس، وانقسمت إلى ممالك صغيرة، كل مدينة دولة تحكمها أسرة من الأسر الأندلسية، فبنو هود في سرقطة، وبنو الأفطس في بطليوس، وبنو ذي النون في طليطلة.. وكان أوسعهم مملكة وقوة: "محمد بن عبّاد" صاحب إشبيلية وقرطبة، وقد تتعاون هذه الدول أحياناً أمام الزحف الآتي من الشمال (نصارى أسبانيا)، وقد يختلفون ويستعين بعضهم بالعدو لمحاربة أهل ملته وجيرانه! فالوضع العام لا يدعو إلى التفاؤل. أرسل صاحب بطليوس المظفر بن الأفطس إلى محمد بن عباد: "يا أيها الملك! إنَّ الروم إذا لم تُغز غزَت، ولو تعاقدنا مخلصين فلنا حدَّهم".
وكانت ملك الإفرنج (الأذفونش) قد قوي أمره، وبدأ يزحف على المدن الإسلامية، وكانت "طليطلة" من أولى مدن الأندلس العظيمة التي استردها الأسبان، أخذها (ألفونسو) صلحاً من عبد القادر بن يحيى بن ذي النون بعد حصار دام سبع سنين، وكان ذلك في سنة 478هـ، وبسبب تفرق ملوك الطوائف، فإنهم كانوا يدفعون ضريبة لـ (ألفونسو) وكان ابن عباد يدفع ضريبة أيضاً، ولكن (ألفونسو) لم يرض، وطلب المزيد من القلاع والحصون، وأرسل وفداً كبيراً إلى ابن عباد، وعلى رأسهم يهودي، وفرض شروطاً مذلة واستفزازية، فضرب ابن عباد رئيس الوفد على وجهه حتى برزت عيناه، ورفض هذه الشروط، وبدأ كل فريق يستعد للقتال.
سمع علماء قرطبة بما جرى، ورأوا قوة الإفرنج وضعف المسلمين، واجتمعوا وقالوا: هذه بلاد الأندلس، قد غلب عليها الفرنج، لم يبق فيها إلا القليل، وإن استمرت الأحوال على ما نرى عادت الأندلس نصرانية كما كانت، وساروا إلى القاضي "عبدالله بن محمد بن أدهم" فقالوا له: ألا تنظر ما فيه المسلمون من الذلة وعطائهم الجزية؟! وقد رأينا رأياً نعرضه عليك، قال: وما هو؟ قالوا: نكتب إلى عرب أفريقية (تونس وما جاورها) ونبذل لهم، فإذا وصلوا إلينا قاسمناهم أموالنا، وخرجنا معهم مجاهدين في سبيل الله، قال: المرابطون أصلح منهم وأقرب إلينا، قالوا له: فكاتِب أمير المسلمين (ابن تاشفين) وارغب إليه ليعبر إلينا.
وقدم عليهم "المعتمد بن عباد" وهم يتكلمون حول خطر الإفرنج، فعرض عليه القاضي ابن أدهم ما كانوا فيه، فقال له ابن عباد: أنت رسولي إلى ابن تاشفين، فسار ابن أدهم وأبلغ الرسالة إلى ابن تاشفين وأعلمه بما فيه المسلمون من الخوف. أدرك ابن عباد ضرورة حشد كل القوى لمواجهة نصارى الشمال، وعندما علم بعض ملوك الأندلس بعزم ابن عباد طلب العون من ابن تاشفين خوّفوه وقالوا: إذا دخل ملك المغرب الأندلس أخذها وتملكها، فقال ابن عباد قولته المشهورة: "لأن أرعى الإبل خير لي من أن أرعى الخنازير"، يقصد ـ رحمه الله ـ أنه مستعد للتضحية بملكه ويرعى الإبل عند ابن تاشفين، فإنَّ هذا خير من أن يتغلب عليه (ألفونسو).
عندما التقى ابن تاشفين برسول ابن عباد، وكان في مدينة (سبتة) أمر فوراً عساكره بالعبور إلى الأندلس، ثم طلب بقية الجيش من مراكش، حتى إذا تكاملت كل قواته عبر المضيق التقى ابن عباد ـ الذي أكرمه إكراماً يليق به، وأمر أن توضع (الجزيرة الخضراء) جنوبي الأندلس تحت تصرفه. وتسامع المسلمون في الأندلس بوصول ملك المغرب، فخرجوا من كل البلاد يطلبون الجهاد.
علم (ألفونسو) بوصول ابن تاشفين، ومعه جيش كبير، فجمع فرسانه وسار من طليطلة، وكتب إلى أمير المسلمين يغلظ له القول ويخوفه بما عنده من القوة والعدد، فكتب إليه أمير المسلمين: "الذي يكون ستراه"، فلما قرأها ارتاع لها، وعلم أنَّه بُلي برجل له عزم وحزم.
قام المعتمد بن عباد بتنظيم كافة الإجراءات، واتخاذ كافة التدابير، مثل تنظيم الحراسة، ومراقبة تحركات العدو، وأشرف بنفسه على كل ذلك، وكان عنده شبكة استطلاع قوية أمكن لها التوغل حتى قلب معسكر (ألفونسو)، واستطاعت إنذار ابن عباد في الوقت المناسب. وفي فجر يوم الجمعة منتصف رجب عام 479هـ بدأت معركة (الزلاَّقة) قرب بطليوس، وتلقى ابن عباد وفرسانه الصدمة الأولى، وأحاطت جيوش (ألفونسو) به من كل مكان، وكان عسكر ابن تاشفين يبعد قليلاً، ولم يلتحم مع جيش الأندلس بعد، وصبر ابن عباد وظهرت شجاعته، وأثخنته الجراح، وطعن في أحد جنبيه، وعُقر تحته ثلاثة أفراس، كلما هلك واحد قُدم له آخر، ثم وصلت طلائع جيش ابن تاشفين واقتحمت جيش العدو وخففت الضغط عن ابن عباد، فاستعاد ترتيب جيشه والتقى مع ابن تاشفين، وقاتل الطرفان قتالاً شديداً، وعندما حان وقت الزوال، ظهرت بوادر النصر، وولى الإفرنج ظهورهم، ونصر الله دينه، وكان نصراً مؤزراً كبيراً، ولم يبق من الإفرنج إلا القليل، تجمعوا حول (ألفونسو) وكان عدد جيشه (40) ألفاً.
واستشهد في هذا اليوم جماعة من العلماء، مثل ابن رميلة وقاضي مراكش أبومروان عبدالملك المصمودي، وغيرهم.
يقول الإمام البشير الإبراهيمي: "ما زلنا نلمح وراء كل داجية في تاريخ الإسلام نجماً يشرق، ونسمع بعد كل خفتة فيه صوتاً يخرق؛ من عالم يعيش شهيداً ويموت شهيداً ويترك بعده ما تتركه الشمس من شفق يهدي السارين..".
لم يرض ابن تاشفين أن يأخذ شيئاً من الغنائم، وكتب بالفتح إلى بلاد المغرب وإلى مسلمي شمال أفريقيا، فعمَّت الفرحة في جميع البلاد، وأخرج الناس الصدقات شكراً لله تعالى.
شكر ابن عباد ابن تاشفين على نجدته للإسلام والمسلمين، وأعجب ابن تاشفين بصبر ابن عباد وحسن بلائه. وعاد أمير المسلمين قافلاً إلى بلاده، ولكن أمور الأندلس لم تستقر، والإفرنج لا يتركونه، فقرر ابن تاشفين العودة إلى الأندلس، ومحاولة توحيدها تحت قيادته، وقد جاءته الفتاوى من المشرق بانتزاع الأمر من ملوك الطوائف وتوحيد الأندلس، وكان من الذين أفتوا بذلك: الإمام أبوبكر الطرطوشي، والإمام أبوحامد الغزالي، وقد توحَّدت قيادة المرابطين، ولكن لفترة مؤقتة.
|